الرئيسية / المقالات / السابع من إيليا: غنائم الأشرار وكنوز الأبرار

السابع من إيليا: غنائم الأشرار وكنوز الأبرار

السابع من إيليا:

غنائم الأشرار وكنوز الأبرار

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات الأحد السابع من موسم إيليا:

الأولى: من سفر اشعيا (٣٣، ١ ـ ٦) تندد بأشكال الكذب والسرقة، وتحثُّ على التمسك بالرجاء في الرب.

الثانية: من الرسالة الاولى إلى اهل قورنثية (١٤، ١ ـ ٦) تدعو الى السير في أثر المحبة.

الثالثة: من إنجيل متّى (١٨، ١ ـ ٧) تبين بأن العظمة الحقيقية هي في الخدمة وبذل الذات.

تفسير نص القراءة الأولى (اش ٣٣، ١ ـ ٦) وتأوينه:

 

يمكن تقسم هذا المقطع القصير من سفر اشعيا على النحو الآتي: ١. نهاية المدمر والخائن (اش ٣٣، ١). ٢. استغاثة المظلومين (اش ٣٣، ٢). ٣. عقاب الأشرار (اش ٣٣، ٣ ـ ٤). ٤. خلاص الأبرار (اش ٣٣، ٥ ـ ٦).

١. نهاية المدمر والخائن (اش ٣٣، ١): يبدأ النص بويلٍ موجهٍ بشكلٍ شخصيٍ ومباشرٍ للمدمر والخائن: وَيلٌ لَكَ أَيُّها المُدَمِّرُ وأَنتَ لم تُدَمَّر، والخائِنُ وأَنتَ لم تخَنْ. إِنَّكَ حينَ تَكُفُّ عنِ التَدْميرِ تُدَمَّر، وحينَ تَفرَغُ مِن الخِيانةِ تُخان”. مها حاول الإنسان المجرم والخاطئ تغطية ذنوبه والتظاهر بأنه بريءٌ وصالحٌ، فإنه لا يخدع إلا نفسه وربما بعض الآخرين، أما لدى لله فيبقى معروفاً وكل أفعاله مكشوفةً ونواياه الشريرة مفضوحةً، وسيدينه عليها دينونةً قاسيةً. كما يؤكد النص على أن ما يرتكبه الخاطئ سينقلب عليه عاجلاً أم آجلاً (قارن: سي ٢٧، ٢٧). فإن دمر سيُدمر، وإن خان فسيُخان، والسيف الذي به يقتل سيُقتل (قارن: متّ ٢٦، ٥٢)، والحفرة التي يحفرها لأخيه سيقع هو نفسه فيها، والفَخّ الذي نصبه سيُؤخذُ هو بِه، والحجر الذي يدَحرِجهُ سيَرْجِعْ علَيه (أم ٢٦، ٢٧؛ سي ٢٧، ٢٦)، والحجر الذي يرميه إلى فوق سيقط على رأسه، والضربة التي يوجهها بالمكر ستجرحه (سي ٢٧، ٢٥)، وكما يدين سيُدان، وبالكيل الذي به يكيل سيُكال له وسيزاد (قارن: مر ٤، ٢٤؛ متّ ٧، ٢)، وما يزرعه فإياه سيحصد (قارن: اش ٣، ١٠ ـ ١١؛ أي ٤، ٨؛ ٤٢، ١٠ـ ١٧؛ أم ١، ٣١؛ ١٨، ٢٠؛ ٢٢، ٨؛ ٣١، ٣١؛ هو ١٠، ١٣؛ ٢ كور ٩، ٦؛ غلا ٦، ٧ ـ ٨).

يعطينا التاريخ بشكل عام والكتاب المقدس بشكل خاص أمثلة كثيرة عن سبب خراب مدنٍ واوطانٍ. السبب هو خيانة أهل الدار وتعاونهم مع الإعداء الخارجيين الذين يريدون تدميرهم. هذا ما جرى مع إسرائيل، ويجري مع كل بلد يخونه أبنائه بتعاونهم مع من يريد الخراب لهم. اشعيا النبي يوجه كلامه اليوم بشكل خاص لأبناء البلدان التي تعاني بسبب الصراعات والحروب داعياً إياها لوضع ثقتها بالله، والتكاتف لوضع حدٍّ لإراقة الدماء وإنهاء المآسي، وعدم وقوع في فخّ الأجنبي الذي غايته بالنهاية ليست إلا مصلحته الخاصة. من دون هذا التغيير الجذري والتوبة الحقيقة والوعي العميق على المستوى الفردي وعلى صعيد الأمة، لا رجاء ولا خلاص، لا الآن ولا في الآخرة!

٢. استغاثة المظلومين (اش ٣٣، ٢): صلاة الاستغاثة التي يطلقها المظلومين لله (اش ٣٣، ٢) بعد التدمير والخيانة (أش ٣٣، ١) تلخص بطلب الرحمة. من أجمل الصلوات وأبسطها وأعمقها في الوقت ذاته هي الصلاة التي ترد هنا، وفي الكثير من النصوص من الكتاب المقدس سوءاً في العهد القديم أو في العهد الجديد، وهي: يا رَبُّ آرحَمْنا”. يستجيب الربّ لهذه الاستغاثة التي تتفرع لقسمين وكما يلي: أولاً فكُنْ ذِراعَهم في كُلِّ صَباح”. ثانياً: وكنْ خَلاصَنا في وَقتِ الضِّيق”. المظلوم المتألم الفقير الذي لا حول له ولا قوة ملجأه الوحيد هو الله. يضع ثقته الكاملة به، ويؤمن بأنه سيأخذ حقه ويخلّصه. وكل ما عليه فعله هو أن ينتظر ويصبر: إِيَّاكَ آنتَظَرنا”.

٣. عقاب الأشرار (اش ٣٣، ٣ ـ ٤): جواب الله لا يتأخر كثيراً على طلب المستغيثين. فالآية التي تعقب صلاة الاستغاثة مباشرة تمثل جواب الله الحاسم لإنقاذ الذين يطلبون رحمته ويستغيثونه بألم. ردّ الله على الدعاء الأول للمستغيثين، أي “فكُنْ ذِراعَهم في كُلِّ صَباح” يتحقق من خلال هزيمة وتبديد الأمم التي تحارب وتقتل، وتظلم وتدمر، وتسرق وتحرق: “مِن صَوتِ الضَّجيجِ هَرَبَتِ الشُّعوب، وعِندَ آرتفاعِ صَوتِكَ تَبَدَّدَتِ الأُمَم” (اش ٣٣، ٣ ـ ٤).

هنا أيضاً يقدم لنا التاريخ أمثلة كثيرة لأناس طغاة ظنوا بأنهم يستطيعون أن يسيطروا على العالم ويتحكموا بمصير الشعوب، إلا أن نهايتهم كانت بكل معنى الكلمة مأسوية ومُهينة. فمهما عظم الإنسان، يبقى الله خالقه أعظم منه. والعظمة الحقيقة حسب الكتاب المقدس هي بالتواضع والخدمة، والمحبة وبذل الذات. وغير ذلك ما هو إلا هباءٌ وغباءٌ.

مثلما جرى التأكيد بأن المدمر سيُدمر والخائن سيُخان (اش ٣٣، ١)، هكذا ما جمعه المجرم من الغنائم بتعديه وسرقته لأموال وثروات الفقراء ستؤخذ منه كغنائم بعد ان يُهَزّم: “فتُجمَعُ غَنيمَتُكم جَمعَ الجَراد، ويُتَواثَبُ علَيها تَواثُبَ الجُندُب” (اش ٣٣، ٤). إذن لا بركةً ولا تمتعاً ولا ضميراً مرتاحاً ولا فائدة من الأموال المسروقة والغنائم والفساد والرشاوي، بل ستتحول للعنة ودينونة قاسية. فالفساد يفسد صاحبه، ويجلب عليه الويلات والفقم، بدلاً من الخيرات والنِعم.

٤. خلاص الأبرار (اش ٣٣، ٥ ـ ٦): الدعاء الثاني للمستغيثين كان: وكنْ خَلاصَنا في وَقتِ الضِّيق” (اش ٣٣، ٢). وجواب الله عليه يتخلص بهاتين الآيتين:٥ تَعَظَّمَ الرَّبُّ لِأَنَّه ساكِنٌ في العَلاء، وقد مَلأَ صِهْيونَ حَقّاً وبِرّاً. ٦ ويَكونُ أَمانةَ أَيَّامِكَ ووَفرَةَ خَلاصٍ وحِكمَةً وعِلماً، وتَكونُ مَخافَةُ الرَّبِّ كَنزَه” (اش ٥ ـ ٦). بالمقارنة مع “الغنائم” التي يستحوذ عليها الإنسان بمخالفته لوصايا الله وظلمه للناس، يشدد النبي اشعيا هنا بأن “الكنز” الحقيقي الذي لا يمكن لأحد أن يسلبه منه (قارن: متّ ٦، ١٩ ـ ٢١) مصدره هو مخافة الله: “وتَكونُ مَخافَةُ الرَّبِّ كَنزَه”.

نعم الخيرات والبركات والنعم والسلام كلها تأتي لمن يكون مؤمناً ونزيهاً ومسالماً، ويحب الله خالقه، ويحب قريبه حبه لنفسه، ويُعامل الناس مثلما يريد أن يُعاملوهُ (أي حسب القاعدة الذهبية في الأخلاق؛ قارن:  لا ١٩، ١٨؛ متّ ٧، ١٢؛ ٢٢، ٣٦ ـ ٤٠؛ لو ٦، ٣١؛ ١٠، ٢٧؛ يو ١٥، ٩ ـ ١٧)، وبالأخص يعمل حسب وصايا الله: ١ وإِذا سَمِعتَ لِصَوتِ الرَّبِّ إِلهِكَ، حافِظًا جَميعَ وَصاياهُ الَّتي أَنا آمُرُكَ بِها اليَوم، وعامِلاً بِها، يَجعَلُكَ الرَّبُّ إِلهُكَ فَوقَ جَميعِ أُمَم الأَرض … ١٢ يَفتَح الرَّبُّ لَكَ السَّماءَ، كَنزَه الطيّب، فيُعطي أَرضَكَ مَطَرَها في أَوانِه، ويُبارِكُ كُلَّ عَمَل مِن أَعْمالِ يَدَيكَ، فتَقتَرِضُ مِنكَ أُمَمٌ كَثيرةٌ وأَنتَ لا تَقتَرِض … ” (تث ٢٨، ١ ـ ١٤).

أما اللعنات فتأتي عندما يتمرد الانسان على الله ويعصى وصاياه، فيبدأ بالكذب والسرقة والقتل، وكل ذلك يجلب عليه لعنات وويلات لا متناهية: ١٥ وإِن لم تَسمع لِصَوتِ الرَّبِّ إِلهِكَ، حافِظًا وَصاياه وفَرائِضه الَّتي أَنا آمُركَ بِها اليَوم ولم تَعمَلْ بِها، تأتي علَيكَ هذه اللَّعَناتُ كلُها وتُدرِكُكَ: ١٦ فتَكونُ مَلْعونًا في المَدينة ومَلْعونًا في البَرِّيَّة … ” (تث ٢٨، ١٥ ـ ٦٨).

إذن القرار قرارنا، ومصيرنا يتعلق باختيارنا. إما أن نحب الله ونعمل حسب وصاياه فنخلص، أو نختار طريق الشرّ والكره والخطيئة الذي يقودنا لهلاكنا: “فإِنَّ الرَّبَّ عالِمٌ بِطَريقِ الأَبْرار، وإِنَّ إِلى الهلاكِ طَريقَ الأَشْرار” (مز ١، ٦).

عن Maher

شاهد أيضاً

كاردينال في التوك توك

كاردينال في التوك توك عن الشرق الاوسط انعام كجه جي صحافيّة وروائية عراقيّة بين حضور …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *