الرئيسية / المقالات / الأول من تقديس الكنيسة: آمِنْ راجِيًا على غَيرِ رَجاء

الأول من تقديس الكنيسة: آمِنْ راجِيًا على غَيرِ رَجاء

الأول من تقديس الكنيسة:
آمِنْ راجِيًا على غَيرِ رَجاء

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات الأحد الاول من موسم تقديس الكنيسة:
الأولى: من اشعيا النبي (٦، ٨ ـ ١٣) تنقل لنا دعوة اشعيا النبي نفسه وتجاوبه مع نداء الله وسط صعوبات كثيرة.
الثانية: من الرسالة الأولى إلى أهل قورنثية (١٢، ٢٨ ـ ٣٠؛ ١٣، ١ ـ ٨) تصف لنا الخِدَم المتنوعة في الكنيسة، وكلها تتمَحوَر حول المحبة.
الثالثة: من إنجيل متّى (١٦، ١٣ ـ ٢٠) تنقل إيمان بطرس بالمسيح، وكيف أن المسيح حمَّله مسؤولية الكنيسة.

تفسير نص القراءة الأولى (اش ٦، ٨ ـ ١٣) وتأوينه:

١. التطهير (اش ٦، ١ ـ ٧): لتفسير هذا المقطع من سفر اشعيا أي (أش ٦، ٨ ـ ١٣) والذي نقرأهُ في الأحد الأول من تقديس الكنيسة لابدّ من الرجوع للآيات التي تسبقه لمعرفة سياقه. يبدأ الفصل السادس من هذا السفر بالإشارة لحدث تاريخي محدد وهو موت الملك عُزِّيَّا، وكذلك لمكان محدد يجري به الحدث وهو الهيكل: “في السَّنَةِ الَّتي ماتَ فيها المَلِكُ عُزِّيَّا، رأيتُ السَّيِّدَ جالساً على عَرشٍ عالٍ رَفيع، وأَذْيالُه تَملأُ الهَيكَل” (اش ٦، ١). بالرغم من الأهمية التاريخية لهذه المقدمة، إلا أن معناها اللاهوتي يفوقها أهمية وهو أن الملوك الأرضيين يموتون وينتهون، أما العرش الملكي الإلهي فهو أزلي وثابت لا يتزعزع، وباقي إلى أبد الأبدين.
بعد ذكر الهيكل في الآية الأولى يصف لنا الكاتب الأجواء وكأننا انتقلنا من الهيكل الأرضي إلى الهيكل السماوي أمام عرش الله حيث سَرافون يخدمون الله ملك الكون ويمجدونه منادين: “… قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ قُدُّوس، رَبُّ القُوَّات، الأَرضُ كُلُّها مَمْلوءَةٌ مِن مَجدِه” (اش ٦، ٣). ومن شدة صوت المناداة والتمجيد تتزعزع أسس الأعتاب.
حينما يحضر النبي اشعيا أمام العرش الإلهي ويرى مجده وقداسته، يشعر بذنبه وخطاياه وخوفه ونجاسة شفتيه وشفاه الشعب كله. يظن النبي أنه بعد رؤيته لمجد الله سيكون مصيره الهلاك، قائلاً: “فقُلتُ: «وَيلٌ لي، قد هَلَكتُ لِأَنَّي رَجُلٌ نَجِسُ الشَّفَتَين، وأَنا مُقيمٌ بَينَ شَعبٍ نَجسِ الشِّفاه، وقَد رَأَت عَينايَ المَلِكَ رَبَّ القُوَّات»” (اش ٦، ٥). لكن بدل الهلاك يأتي الخلاص من خلال التطهير من النجاسة والتكفير عن الخطيئة: “٦ فطارَ إِلَيَّ أَحَدُ السَّرافين، وبِيَدِه جَمرَةٌ أَخَذَها بِمِلقَطٍ مِنَ المَذبَح ٧ ومَسَّ بِها فَمي وقال: «ها أَن هذه قد مَسَّت شَفَتَيكَ، فأُزيلَ إِثمُكَ وكُفِّرَت خَطيئَتُكَ»” (اش ٦، ٦ ـ ٧). وهكذا تتم تهيئته لرسالة إعلان كلمة الله.
الكنيسة كالهيكل هي مكان لحضور الله ملك الكون ومخصصة لإكرامه والسجود له وتمجيد اسمه القدوس، ولهذا هي مقدسة وطاهرة. أما نحن فكلنا خاطئون ودنسي الشفاه وبحاجة للتطهير وللغفران، ومثل اشعيا النبي لسنا مؤهلين ولا مستحقين لدخول بيت الرب والحضور أمام عرشه. وهذا ما نعبر عنه في قداسنا الإلهي حينما نردد ونقول: (بشرارا كذ لا شاوينن؛ حقاً نحن غير مستحقين)، وذلك بعد ترتيلنا لنشيد: “… قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ قُدُّوس، رَبُّ القُوَّات، الأَرضُ كُلُّها مَمْلوءَةٌ مِن مَجدِه” (اش ٦، ٣). إن النبي اشعيا يعترف بخطيئة، ولا يفصل نفسه عن بقية الشعب، بل يذكر نجاسة شفتيه أولاً. اعترافه بضعفه وخطيئته بكل تواضع يهيئ الطريق له لنيل المغفرة والخلاص من الله. إن الله يطهرنا من ذنوبنا إن تُبْنَا عنها، وقبلنا نعمته وغفرانه. فهل يا ترى بهذه الروحية نحضر للكنيسة، ونصلي بتواضع، ونقبل إرادة الله في حياتنا بفرح؟

٢. الدعوة (اش ٦، ٩): بعد حضور اشعيا أمام العرش الإلهي وتطهير شفتيه بالجمر، يأتي دور إرساله. الصوت الذي يدعوه هو صوت الله “وسَمِعتُ صَوتَ السَّيِّدِ …” (اش ٦، ٨) ملك الكون ” … السَّيِّدَ جالساً على عَرشٍ عالٍ رَفيع، وأَذْيالُه تَملأُ الهَيكَل” (اش ٦، ١) والقدوس و “رَبُّ القُوَّات” (اش ٦، ٣. ٥).
يحترم الله حرية الإنسان حيث يعرض عليه القيام برسالة اعلان كلمته من دون أن يجبره: ” … مَن أُرسِل، ومَن يَنطَلِقُ لنا؟” (اش ٦، ٨). والنبي اشعيا يقبل الدعوة الإلهية بكل حرية وفرح، مُجيباً: ” … هاءَنذا فأَرسِلْني” (اش ٦، ٨).
تحمل الكنيسة من طبيعتها رسالة. فلا كنيسة بلا رسالة. ورسالتها تكمن بكل بساطة بنقل كلمة الله، وإعلان بشارة الإنجيل. فهل يا ترى نحن كأبناء كنيسة اليوم نقبل هذه الدعوة الإلهية بأمانة، ونعلن بشارة الخلاص بفرح؟

٣. الرسالة (اش ٦، ٩ ـ ١٣): الرسالة التي وُكِّلَت للنبي اشعيا ليست بالسهلة أبداً. ينبغي عليه مواجهة شعبه بكل صراحة وانتقاده بقوة بسبب تمرده على الله، وتصلبه بمواقفه، وقساوة قلبه، وخيانته لعهده (اش ٦، ٩ ـ ١٠؛ قارن: متّ ١٣، ١٣ ـ ١٥). وبهذا يجلب الشعب على نفسه الويلات والمأساة، والخراب والدمار (اش ٦، ١١ ـ ١٣). إلا أن الكلمة الأخيرة في الرسالة الإلهية ليست لليأس والموت، وإنما للرجاء والحياة: ” … ولكِن كالبُطمَةِ والبَلُّوطَةِ الَّتي، بَعدَ قطعِ أَغْصانِها، يَبْقى جِذعٌ، فيَكونُ جِذعُها زَرْعاً مُقَدَّساً” (اش ٦، ١٣). لماذا يكون هذا الزرع مقدساً؟ لأن منه يأتي الخلاص، ويولد الجديد من القديم، وتنتصر الحياة على الموت. والزرع هنا يشير بشكل خاص للملك المخلص الذي يأتي به الله من جذع يَسَّى: ” ١ ويَخرُجُ غُصنٌ مِن جذعِ يَسَّى، ٢ وَينْمي فَرعٌ مِن أُصولِه” (اش ١١، ١؛ قارن: اش ٧، ١٤؛ ٩، ٥).
بالإضافة إلى الرجاء، يُبين الزرع المقدس أي الغصن الذي يخرج من جذع مقطوع كيف أن الله يختار ما هو صغيراً وضعيفاً وهشاً في نظر البشر ليجعل الخلاص ينطلق منه (قارن: ١ كور ١، ٢٧). ولهذا علينا ألّا نخاف من البدايات المتواضعة والبسيطة. المهم أن تكون وفق مشيئة الله. الرب يسوع في تعاليمه يشير لهذا مراراً كما في مثل حبة الخردل (متّ ١٣، ٣١ ـ ٣٢؛ قارن: متّ ١٣، ٣٣؛ لو ١٢، ٣٢) والتي تُعدّ أصغر البُزور كلها، كيف تنمو وتصبح أكبر البقول. وهكذا بالحقيقة بدأت المسيحية ككنيسة بيتية صغيرة وبسيطة تماماً كحبة الخردل، واليوم يشكلون أتباعها أكبر ديانة في العالم. مثلما بدأت قبلها قصة إبراهيم أبينا بالإيمان والرجاء حيث يَصف مار بولس ايمانه ورجائه بهذه الكلمات: “آمَنَ راجِيًا على غَيرِ رَجاء، فأَصبَحَ أَبًا لِعَدَدٍ كَبيرٍ مِنَ الأُمَمِ على ما قِيل: «هكذا يَكونُ نَسْلُكَ»” (رو ٤، ١٨).
اختارت كنيسة المشرق هذا النص من العهد القديم للأحد الأول من تقديس الكنيسة لتشديد على الغاية الأساسية من تأسيس الرب يسوع للكنيسة ألا وهي تقديس أعضائها ذواتهم وتطهيرها من كل أثم ليكونوا مؤهلين لقبول الخلاص وإعلان بشارة الإنجيل للعالم برمته. وهذا ما نلاحظه في نصنا أيضاً حيث أن الكلمة الأخيرة في الفصل السادس من سفر اشعيا هي للقداسة “زَرْعاً مُقَدَّساً” (اش ٦، ١٣). وهكذا بعد أن كررت كلمة “قدوس” لثلاثة مرات في بداية الفصل للإشارة لله، يذكرنا النص بأننا لهذه القداسة دُعينا، ومن أجلها أسست الكنيسة. وبالتالي علينا ألا ننسى هذا الهدف الأساسي للكنيسة، كيما نتجنب تشتيت طاقاتنا بأمور ثانوية تحيدنا وتبعدنا عنه. وقداستنا تبدأ كما ذكرنا باعترافنا بذنوبنا وقبولنا للتطهير والغفران من الله، والاستجابة لدعوته كي نستطيع إعلان بشارة الخلاص لعالمنا الذي يعاني بسبب الكثير من المشاكل والمصائب، واللاعدالة والاستغلال، والحروب والصراعات، والفقر والتعاسة. إننا كأعضاء الكنيسة مدعوون لقراءة علامات الأزمنة، وزرع الرجاء في القلوب المنكسرة، وإعلان بشارة الخلاص بالقول والفعل والمثال الصالح. والتعبير عن الإيمان الراسخ والرجاء الصالح بأنه مهما طال الليل، فلابدّ أن يزول، ولابدّ للغيم أن ينقشع، والبحر الهائج أن يهدأ، ونار الحرب أن تنطفئ، فيشرق النور، وتتجلى الحقيقة، ويحل السلام، ويتغلب الخير على الشر، والحياة على الموت، وتنتصر المحبة على الكراهية، لأن الله القدوس ورَبُّ القُوَّات وملك الكون هو نبع المحبة والخير والحياة والإيمان والرجاء ـ آمين.

عن Maher

شاهد أيضاً

كاردينال في التوك توك

كاردينال في التوك توك عن الشرق الاوسط انعام كجه جي صحافيّة وروائية عراقيّة بين حضور …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *