الرئيسية / المقالات / الثالث من تقديس الكنيسة: حمل الكنيسة على الأكتاف

الثالث من تقديس الكنيسة: حمل الكنيسة على الأكتاف

الثالث من تقديس الكنيسة:

حمل الكنيسة على الأكتاف

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات الأحد الثالث من موسم تقديس الكنيسة:

الأولى: من سفر العدد (٧، ١ ـ ١١) تنقل لنا مراسيم تدشين قبة العهد وتقديم القرابين.

الثانية: من الرسالة إلى العبرانيين (٩، ٥ ـ ١٣) تشير إلى أن المسيح هو الكاهن والذبيحة وبذلك حقق لنا الخلاص بدمه.

الثالثة: من إنجيل يوحنا (٢، ١٣ ـ ٢٢) تروي لنا خبر دخول المسيح إلى الهيكل وقيامه بتطهيره من كل المظاهر المادية، وتأكيده على ان الهيكل الجديد هو المسيح، وبالتالي المسيحي الذي يسير على خطاه.

 

تفسير نص القراءة الأولى (عد ٧، ١ ـ ١١) وتأوينه:

 

المقدمة: يُسْرَد لنا في الفصل السابع من سفر العدد تكريس موسى لنَصْب المَسكِن وتقديسه مع المذبح وكل الأمتعة المتواجدة فيه. وبعد ذلك تقوم أسباط إسرائيل الاثني عشر بتقديم التقادمَ والقرابين. التقادم تخص وسائل النقل، وهي عبارة عن ست عربات، واثني عشر ثوراً (عد ٧، ١ ـ ٩) ليستخدمها اللاويين في نقل خيمة الموعد. أما القرابين فهي عبارة عن هبات ثمينة لخيمة الموعد (عد ٧، ١٠ ـ ٨٨). هذا ويختتم الفصل بتقديم العدد الإجمالي لكل ما قدّمه الشعبُ للرّب (عد ٧، ٨٤ ـ ٨٨)، وبذكر كيف كان الرّب يُكلم موسى في ذلك المكان المخصص للعبادة (عد ٧، ٨٩).

لكلٍ دورهُ: يكرس موسى في البريّة خيمة الموعد كعلامة حضور الله مع شعبه ومرافقته له في مسيرته من تعاسة عبودية مصر نحو أرض الميعاد حيث الحرية والكرامة والسعادة. وبما أن الشعب كان لا يزال في الصحراء بطريقه نحو أرض الميعاد، كان لابدّ من إعداد العدّة وتنظيم عملية نقل خيمة المّوعد معه بكل أمتعتها المقدسة، بالإضافة إلى تنظيم العبادة وتقديم الذبائح على مذبح الرّب. وللقيام بكل ذلك تمّ إتباع تعاليم الله، وتأدية كل فردٍ من شعب الله دوره. فدور موسى هنا يتجسد بمسح وتقديس خيمة الموعد، وبقيادة الشعب وتوجيهه للعمل وفق إرادة الرب، وكذلك استلام التقادم وتسليمها للاَّوِيَين بحسب خدمة كل واحد منهم (عد ٧، ١. ٤ ـ ٩. ١١). ودور زعماء الأسباط الاثني عشر هو تمثل الشعب بكافة اسباطته، وتقريب التقادم والقرابين باسمه (عد ٧، ٢ ـ ٣. ١٠ ـ ١١). ودور اللاويين هو استلام التقادم واستخدامها لخدمة مذبح الرب (عد ٧، ٥ ـ ٦). ويجدر الملاحظة هنا بأن كل واحد يستلم التقادم حسب خدمته، فبني جِرْشونَ يستلمون أكثر من بَني مَرارِيَ، أما بنو قَهات فلا يستلمون شيئاً لأن خدمتهم تكمن بحمل القُدْسِ على أكتافهم (عد ٧، ٧ ـ ٩).

إذن كل فردٍ من شعب الله له دوره، ويؤديه بتواضع وفرح. موسى يقود الشعب، والزعماء يمثلون الشعب، واللَّاويون يؤدون خدمتهم في مكان العبادة. فلا يستثنى أحد، بل الكل مشمول بالخدمة وبتقديم الذبائح، ومدعو لتقديس الذات. والكنيسة أسست على هذه الشاكلة بحيث يكون لكل عضوٍ فيها دور وفق ما وهبه الله من المواهب والطاقات والإمكانيات. مار بولس يؤكد على هذا حينما يصف الكنيسة بأنها جسد المسيح وكل عضوٍ فيها له دوره المميز. كما يشدّد على المواهب التي يعطيها الله لكل مؤمن ومؤمنة فيها، لكن تبقى المحبة الإلهية العنصر الأساسي الذي يوحدها: ا كور ١٢، … ٢٧ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجَسَدُ الْمَسِيحِ، وَأَعْضَاؤُهُ أَفْرَادًا. ٢٨ فَوَضَعَ اللهُ أُنَاسًا فِي الْكَنِيسَةِ: أَوَّلًا رُسُلًا، ثَانِيًا أَنْبِيَاءَ، ثَالِثًا مُعَلِّمِينَ، ثُمَّ قُوَّاتٍ، وَبَعْدَ ذلِكَ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ، أَعْوَانًا، تَدَابِيرَ، وَأَنْوَاعَ أَلْسِنَةٍ … ا كور ١٣، … ٨ اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا ...” (ا كور ١٢ ـ ١٣).

فهل يا ترى أنت كمؤمن وعضو في الكنيسة جسد المسيح، تؤدي دورك المميز فيها، وقد اكتشفت مواهبك الفريدة وتستثمرها لخدمة الرب وكنيسته؟

الأدوار لتمجيد الله: رأينا بأن الأدوار في (عد ٧، ١ ـ ١١) متعددة ومختلفة منها ريادية كدور موسى وزعماء الشعب، ومنها بسيطة جداً، لكن بعين الوقت غنية بمعانيها الروحية لدرجة لا يمكن الاستغناء عنها كحمل القُدْسِ على الأكتاف (عد ٧، ٩). كما لاحظنا كيف يؤدي كل فرد من أفراد شعب الله دوره من دون تذمرٍ أو حسدٍ. فالجماعة المؤمنة تلتئم باسم الرّب وتعمل حسب مشيئته، وتقدم أثمن ما لديها كتقادم وذبائح لله. وما تعمله ليس للتفاخر الشخصي وللمجد الباطل، وإنما لتمجيد اسم الرب ولخدمة مذبحه المقدس.

 كلمتان بجانب كلمة “التقديس” تُكرر عدّة مرات في النص وذلك للتشديد على أهميتهما الروحية، وهما “القربان” و“الخدمة”. المؤمن الحقيقي مدعو ليقدس ذاته، ويقدمها كذبيحة للرّب، ويكرسها لخدمة الأخوة. كما أن لمكان العبادة في هذا النص أي البرية معاني عميقة أبرزها أهمية أداء العبادة بتواضع وخشوع وبعيداً عن أنظار العالم.

لنسأل أنفسنا: هل نقرب فعلاً أثمن ما لدينا قرباناً للربّ ولكنيسته؟ أم ننتظر فقط من الله بأن يستجيب لطلباتنا، وأن تلبي الكنيسة لمتطلباتنا؟ وهل يؤدي كل منا دوره في الكنيسة بحسب خدمته بفرح وسخاء؟

الخاتمة: كنيستنا تختبر ما أختبره شعب الله في العهد القديم، وهي لا تزال على مثاله تكمل مسيرتها نحو أرض الميعاد. وقد تمّ اضطهاد أبناءها مثلما اُضطهد الشعب العبراني من قبل فرعون وأعوانه، وقد تمّ تهجيرهم عبر التاريخ وحتى يومنا. وحينما يُجبَر الإنسان على الهجرة، لا يسعه حمل سوى ما هو أهم شيءٍ بالنسبة له، كي لا يزيد من حمله فيسقط في طريقه ويخسر بالتالي كل شيءٍ ويهلك ذاته. ومن يُضطَهَد ويُهجَر بسبب إيمانه لا يوجد شيءٌ أغلى وأثمن من ذلك الإيمان ليحمله معه. شعب الله حمل ذلك الإيمان على أكتافه في البرية على صورة “القُدْسِ” أي تابوت العهد. وأباءنا وأجدادنا تركوا كل شيء، بل ضحوا بدمائهم كي يحافظوا على وديعة الإيمان ويسلموها لنا.

واليوم هذه المسؤولية التاريخية تقع على عاتقنا. فهل يا ترى سنحمل هذا الثقل المقدس على أكتافنا، كما حمل بنو قهات “القُدْسَ”، وحمل الرّب يسوع صليبه؟ وهل سنقاوم التجارب الشيطانية، ونبقى أمناء لمبادئنا، ونعبر عن الحقيقة الإيمانية بأن كل شيء هبة من الله بشكل واقعي وذلك من خلال العطاء والسخاء؟ وهل سنثبت أمام الصعوبات والأزمات والتحديات والاضطهادات كما ثبت مَن ثبت مِن شعب الله في مسيرته عبر الصحراء لكيما يتحرر من قيود العبودية، وينال حرية أبناء الله، ويصل إلى أرض الميعاد؟

عن Maher

شاهد أيضاً

موضوع السبت: الحرية وعيٌّ ومسؤولية وثمرة تمييزٍ وصفاء الروح

موضوع السبت: الحرية وعيٌّ ومسؤولية وثمرة تمييزٍ وصفاء الروح  الكاردينال لويس روفائيل ساكو الحريةُ هي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *