الرئيسية / المقالات / بطرس وقوّة الدُّمُوع: بين فقدانِهِ للإنسانية واكتشافِها

بطرس وقوّة الدُّمُوع: بين فقدانِهِ للإنسانية واكتشافِها

بطرس وقوّة الدُّمُوع: بين فقدانِهِ للإنسانية واكتشافِها

الشمّاس شاكر يوحنّان زيتونة

مقدمة

يُجسّد بطرس أكثر من أي شخص آخر، المثل الأعلى للرسول، لذلك فهو قريب منّا، سهلُ المنال للدخول في شخصيّته؛ كما ويُمثّل السلطة الأولى للجماعة، فهو “الأول” من بين الجماعة التي عهد بها يسوع إليه قبل ألفي عام. في بداية مسيرتِهِ مع يسوع لم يكن يدعى بطرس، لكنه حمل اسم «سمعان»، الصيغة اليونانية لاسمِهِ اليهودي الأصلي «سيمون – شمعون “شمعون“»، وهو الاسم نفسه الذي أُعطيَ لهُ من قبل عائلتِهِ بعد الولادة. اسم «سمعان» يتكرّر 75 مرّة؛ أما الاسم الذي دعاه بهِ يسوع «بُطرس»، فهو الاسم الأكثرَ ذِكرًا بعد اسم يسوع، إذ يتكرّر 154 مرّة على الأقل في العهد الجديد. مع العلم أنّ اسم “بُطرس”، هو الترجمة اليونانيّة للاسم الآرامي الذي أعطاهُ يسوع إياهُ «كيفا “كافا” – الصخرة» والذي ورَدَ ذكره تسع مرات، لا سيما في رسائل القديس بولس الرسول. سِمعان الملقّب ببطرس «الصخرة – كافا» والبابا الأول، مروراً بأخطائه سوف يتعلم أخيرًا “الاستماع” إلى الله، ليقودَهُ ذلك إلى أنْ يكونَ وديعًا بالكامل.

صفاته

يظهر بطرس كنموذج أولي للشخصية الاندفاعية والتفاؤلية التي تعتمد على قوته وقدراته المزعومة، لنفكّر في استخدامه السيف في بستان الزيتون (يو18: 10). ذو شخصيّة عاطفيّة، سخية للوهلة الأولى، لكنه على استعداد ليتراجع وينكر بما وعدَ. يتمتعُ بصفاتٍ مثل القائد الحقيقي، لكنَّهُ غير قادرٍ على تَحَمّل مسؤولياتِه الخاصة؛ خائف، فهو لا يعرف بالضَبطِ ما يقوله أو يفعله، بل إنَّهُ في الحقيقةِ يَنكُرُ ويَخونُ. إنّهُ على استعدادٍ أنْ يتعرَّف على نفسه باعتبارِه مُذنِبًا بالبكاء – بعكسِ يهوذا الإسخريوطي. عندما تَسنَحُ لهُ الفرصة، لنْ يَبخل بأنْ يمنحَ نفسه وحياته للربِّ يسوع، فوِفقًا للتقليدِ المُقدّس، استشهَدَ في روما، لأنّهُ اعترف بالمسيح الحيّ القائم من بين الأموات، إذ اعتَبَرَ نفسه لا يستحِقُ أنْ يُعاني نفس الموت الذي قبله المعلم يسوع، فطَلَب أنْ يُصلَب رأسًا على عَقِب.

دعوته

يروي لنا لوقا الإنجيليّ دعوة بطرس، عندما كان يسوع واقفًا على ضفّة شاطئ بحيرة جَنّيسارَت (لو5). تَبدأُ القصة في ذلك اليوم بنظرةٍ من يسوع بصورةٍ غير مباشرة عليه: رأى يسوع اثنين من الصيادين عاطلين عن العمل، بُطرُس كان من بينهم، فكان مُتعبًا ويائسًا للغاية. أكمَلت، في ذلك الوقت من الصباح، كلّ القوارب مُهمّتها التي بدأت منذُ الليل ولكن بدون أي صَيدٍ (لو5: 1-3). كان الصيادون في طريقهِم للعودة إلى المنزل بعد العمل الشاق طوال الليل، لكن بطرس في ذلك الوقت لم يترُكْ بعدُ قاربه على الرغم من تعبِهِ الشديد، فكان بطيئًا في النزول. يمكن للقارئ أنْ يقولَ بأنَّ بُطرسَ لم يُريدْ مُغادرة هذا القارب، الذي هو تعبير مجازي للكنيسة. يَترجّى يَسوعُ بطرسَ للابتعاد قليلاً عن الشاطئ، يدعوه للقيام بعملٍ إيمانيٍّ، لأنَّهُ من الضروري أنْ نَتَعلّم أنْ نَنظُرَ دائِمًا إلى ما هو أبعدُ من نَظَرِنا، أبعد من الأنا – من المحتمل بأن هذه كانت مشكلة يهوذا الإسخريوطي – لنفكّر مليًّا: ما كان حدث لبطرس إنْ لم يَصعدْ يسوع على متن قاربِهِ في ذلك اليوم ودخل حياته؟ (لو5: 1-11).

فقدان الإنسانيّة

يروي لنا لوقا الإنجيلي (لو22: 39-71) عن حلقة من العذاب في بستان الزيتون: تسودُ من خلالها نوم التلاميذ، خيانة يسوع، أسْره وهروب الرسل خائفين ومرعوبين من “فشل” المعلّم. اختار يسوع الرسل ليكونوا معهُ، ليرافقوه إلى أين يذهب وتحت أي ظروفٍ كان، لكنّهُم اختاروا طريقًا أسهل وهو الهروب. بطرس اختار حلاً أوسط، لم يهرب، لم يتخلَّ عن المعلّم حتى إن لمْ يكن إلى جانبه، لكنّهُ تَبِعهُ عن بُعد. فَمِنْ بين جميعِ التلاميذ، بُطرس في النهاية هو الأقرب إلى المعلم في الشهادة حتى وإنْ لَمْ يكن معهُ (لو22: 54).

يقترب بُطرس، يروي لنا لوقا الإنجيلي (لو22: 55-62)، ليُدفِئ نفسَه من النار المشتعلة في ساحة دار رئيس الكهنة على أمل عدم معرفتِه. يا لها من ليلةٍ باردة! يقترب من النار ليستدفئ، لكن هذه النار يُمكن أنْ تعني أشياءَ كثيرة، يمكن أن تكون رِفقَة غير نزيهة، سعى إليها بطرس في لحظات العزلة أو التجربة؛ يُمكن أنْ تمثّل العودة إلى حياته السابقة، ناسيًا تجربة التلمذة خلال الثلاث سنوات الماضية. أراد بطرس أنْ يكون مع هؤلاء الأشخاص، أنْ يشاركهُم أمسياتِهِم، أراد الاسترخاءَ بدونِ أيّ تفكير. بِداخلِه بحرٌ من الصعوباتِ، رُبّما من الألم وكُلّها مُتحجرة كالحجر؛ يودُّ أن ينسى فقط. فلماذا لا يستفد بطرُس من تلك النار، تلك “الرِفقة”، من هذا الاحتضان؟

عند توهج الشعلة في ساحة دارِ رئيس الكهنة، تَعرّفت امرأةٌ على وجه بطرس. هنا يَقع رأس الرسل في يد شخص عادي ليَستجوِبه. بُطرس، الصخرة الصلبة، يُطلَب منه إعلان نفسه، فَينهار أمام أولِ شخصٍ يَسأله: «أأنتَ أيضًا منهم؟» (لو22: 58). كانَ يجبُ على بطرس أنْ يقودَ التلاميذ بعدَ رحيلِ يسوع، وها هو الآن ينكره، ينكر جماعة الرسل التي ينتمي إليها لا وبل التي أُوكِلت إليه (متى16: 19).

بُطرس في خيانته يَنكُر هويته، يَنكُر إنسانيته. نُكرانهُ هذا يُدمّر ليس فقط العلاقة مع عائلة الرسل أو مع الأخوة، لكن مع الله أيضًا. هكذا يتصرف الإنسان الذي لم يعد لديه هوية، لم يعد لديه إنسانيّة، لم يعد يملك ضميرًا. إنّ الأشخاص الثلاثة عند سؤالهم لبطرس «أأنت واحد منهم؟»، كانوا يقولون الحقيقة، فبطرس حقًا من أتباع الجليلي «يسوع»، مع ذلك يَنكر هامَة الرسُل بشكل حاسم انتماءه لهذه الجماعة. بأقَل من ساعةٍ، مع ثلاثِ أكاذيب، ينكُر ولاءهُ الذي دامَ ثلاث سنواتٍ. ها هو الآن قَد انضَمَّ إلى رِفقةٍ أخرى، جلس مع أولئك الذين قبضوا على يسوع.

الندامة وقوّة الدموع

«بَينَما هو يَتَكَلَّم، إِذا بِديكٍ يصيح. فالتَفَتَ الرَّبُّ ونظَرَ إِلى بُطرُس، فتذَكَّرَ بُطرُس كَلامَ الرَّبِّ إِذ قالَ له: “قبلَ أَن يَصيحَ الدِّيكُ اليَوم، تنكِرُني ثَلاثَ مَرَّات» (لو22: 60ب-61). عند الدخول في عمق النص – يقولُ الأب إنزو أبيلا (Enzo Appella) – نكتشف بأنّ الديك لا وجودَ لهُ في الأساس، فأين يصيح هذا الديك؟ يؤكد بعض المفسرين بأنّ الديكَ يَصيحُ خارج المدينة المقدسة، لأنّه كان يُعتبر من الطيور النجسة، فلا يمكن سَماعُ صياحِهِ. بالحقيقة، يصيحُ الديك في قلبِ بطرس، في ذهنه، في ذاكرتِه، إنّهُ ضميرهُ اليقظ. لنتأمّل بالنص: «يُفتح باب ثانوي فجأة في باحة رئيس الكهنة، يخرُج منه يسوع المحكوم عليه، الجميع ينظر إليه، لكنّ يسوع لا يبادل نظراتهم. إذ ببُطرُس يَرفَعُ عينيهِ ويرى يسوع مارًا من هناك، بنفس الوقت يسوع يُبادل نظراته، فَمِن خلال هذه النظرات يجتمعان البُؤس والرحمة. لكن ماذا قال يسوع وبطرس في هذه النظرة التي استمرت لمجرد لحظة؟». نظرة يسوع هي نظرة شافية، فبنظرته لا يقصد أيّ انتقام أو ازدراء أو توبيخ، بل الحب، الحب النقي، الرحمة والتسامح. بهذه النظرة يجد بطرس نفسه، إنسانيته الضائعة ويكتشف خطأه. هذه النظرة توقِظُ الضميرَ النائِم. صياح الديك هنا ليس سوى صوت الضمير، ضمير بطرس الذي يؤنّبه (ندامة) على ما اقترف، على فعلته التي تماثل فعلةَ يهوذا (بالخيانة). يسوع بنظرتِهِ يكشف بلطف الخطيئة التي ارتكبها بطرس «فخَرَجَ مِنَ الدَّارِ وبَكى بُكاءً مُرًّأ» (لو22: 62).

كان من الضروري جدًا أن “يلتفِتَ” يسوع، ففي هذه الحقيقة، يُولد بطرس من جديد ويعيد اكتشاف إنسانيته. هذا الالتفاف يتحول إلى عملٍ خلاصي، تحول الله نحو الإنسان. يذهب يسوع للقاء الإنسان، يبحث عنه حيث يختبئ وإن وجده ينحني عليه، على مرضه، على خطيئته. بدون هذا الالتفاف، لم يكن بإمكان بطرس أنْ يُقابِلَ نظرات الله العميقة والخلاصيّة.

يقول لوقا الإنجيليّ بأنَّ بطرس انطلق إلى الخارج وبَكى بكاءً مُرًّا، بمعنى أنّه خَرَجَ من خطيئَتِه بشكل طبيعي، خرج من الأنا، من صلابة قلبه، أعادَ إكتشاف إنسانيته من جديد. أباء الكنيسة هنا يُشبّهون معمودية الدموع بالماء الذي يُطَهّر مِن الخطيئة ويجدّد. فدموع بُطرس ليست مجرد دموع توبة مثل دموع آدم الذي بكيَ الجنة المفقودة، لكنها دموعُ فرحٍ أيضًا. كأنّ بطرُس يقول: «يا ربّ هل ما زلت تحبُّني؟ أما زلت تقفُ بجانبي بَعد كل ما فعلته بك؟». فبالحقيقة، يسوع يحتاج إلى دموعنا، إلى توبة صادقة.

يقولُ البابا بندكتوس السادس عشر في مقابلتِهِ العامة مع المؤمنين، يوم الأربعاء ١٧ ايار ٢٠٠٦، متحدّثًا عن بُطرس: «علينا دومًا أنْ نهتدي من جديد على غرار بُطرس، وأنْ نتبع يسوع لا أنْ نتقدمه [كيهوذا الإسخريوطيّ]، فيسوع هو الذي يرينا الطريق. بالحقيقة، هذا ما يقولُهُ لنا بُطرس: “الربّ هو الذي يقول لي: اتبعني!”. يجب أنْ تكونَ لنا الشجاعة والتواضع لنتبع يسوع، لأنّه هو الطريق، الحق والحياة».

للتعمق

  • بندكتوس السادس عشر (البابا)، الرُسُل: تعليم الأربعاء العامة – ٢٠٠٦، تر. الأب ألبير أبونا، ١٩-٢٥.
  • Appella Enzo, Ad uno ad uno: toni e tratti di umanità redenta nei primi discepoli di Gesù, AVE, Roma 2017, 141-170.
  • Appella Enzo, «Riscoprire l’Humanum nella Sequela Christi: tratti di umanità redenta nei primi discepoli di Gesù», Esercizi Spirituali, Collegio Urbano, Roma 16-21 settembre 2018.

عن Maher

شاهد أيضاً

موضوع السبت: الحرية وعيٌّ ومسؤولية وثمرة تمييزٍ وصفاء الروح

موضوع السبت: الحرية وعيٌّ ومسؤولية وثمرة تمييزٍ وصفاء الروح  الكاردينال لويس روفائيل ساكو الحريةُ هي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *