الرئيسية / المقالات / الرابع من تقديس الكنيسة: من بناء الحجر إلى ارتقاء البشر

الرابع من تقديس الكنيسة: من بناء الحجر إلى ارتقاء البشر

الرابع من تقديس الكنيسة:

من بناء الحجر إلى ارتقاء البشر

الأب ريبوار عوديش باسه

قراءات الأحد الرابع من تقديس الكنيسة:

الأولى: من سفر الملوك الأول (٦، ١١ ـ ١٩) تروي خبر بناء الهيكل على يد سليمان.

الثانية: من الرسالة إلى العبرانيين (٩، ٢٤ ـ ٢٨) تشير إلى بطلان الذبائح المادية، فذبيحة المسيح وحدَها تُخلِّص البشر.

الثالثة: من إنجيل متّى (٢٢، ٤١ ـ ٤٦؛ ٢٣، ١ ـ ٥) تؤكد على أن المسيح هو ابن داود وربّه.

تفسير نص القراءة الأولى (١مل ٦، ١١ ـ ١٩) وتأوينه:

المقدمة: طلب سليمان الملك منذ بداية حُكمه الحكمةَ، وفضّلها على كل الأشياء الأخرى: “… ١٠ فحَسُنَ في عَينَيِ الرَّبِّ أن يكونَ سُلَيمان قد سَأَل هذا الأمر. ١١ فقالَ لَه الله: بِما انكَ سَأَلتَ هذا الأمر، ولم تَسأَلْ لَكَ إيَّامًا كَثيرة، ولا سَأَلتَ لَكَ الغِنى، ولم تَطلُبْ نفوسَ أَعْدائِكَ، بل سَأَلتَ لَكَ التَمْييزَ لإِجراءِ الحُكْم، ١٢ فهاءَنَذا قد فَعَلتُ بحَسَبِ كَلامِكَ. هاءنَذا قد أَعطَيتُكَ قَلبًاَ حَكيمًا فَهيمًا، حتَّى انه لم يَكُنْ قَبلَكَ مِثلُكَ ولا يَقومُ بَعدَكَ مِثلُكَ. ١٣ وحتَّى ما لَم تَسأَلْه قد أَعطَيتُكَ إِيَّاه مِنَ الغِنى والمَجْد، فلا يَكونُ رَجُلٌ مِثلُك في المُلوكِ كُلَّ إيَّامِكَ. ١٤ وان أنت سِرتَ في طَريقي حافِظًا فَرائضي ووَصايايَ، كما سارَ داُود أَبوكَ، أُطيلُ أيَّامَكَ …” (١ مل ٣، ١ ـ ١٥). حكمة سليمان هذه تعطي ثمارها مباشرة في قضائه العادل تجاه امرأتين كانتا تتشاجران على طفلٍ، مدعية كل منهما بأنه ابنها. يكشف سليمان الأم الحقيقة بفضل الحكمة التي منحها له الله (١ مل ٣، ١٦ ـ ٢٨). والحكمة ذاتها جعلته أهلا لبناء هيكل للرب.

 

بناء الهيكل: بالرغم من عظمة الملك داود لم يستطيع تحقيق حلمه ببناء هيكل لأسم الرب. والسبب يذكره داود ذاته لابنه سليمان: ٧ وقالَ داوُد لِسُلَيمان: يا بُنَيَّ، كان في قَلْبي أن أَبنِيَ بَيتًا لاسمِ الرَّبِّ إِلهي. ٨ غَيرَ أنه صارَ إِلَيَّ كَلامُ الرَّبِّ قائِلاً: إنكَ قد سَفَكتَ دَمًا كَثيرًا وقُمتَ بِحُروبٍ كَثيرة، فلا تَبْني أنتَ بَيتًا لإسْمي، لأنكَ قد سَفَكتَ دِماءً كَثيرَةً على الأرض أَمامي. ٩ فهُوذا قد وُلدَ لَك اَبنٌ يَكونُ رَجُلَ راحَة، وانا اريحُه مِن جَميعِ أَعْدائِه مِن حَوله، لان اَسمَه سُلَيمان، وأَمنَحُ السَّلامَ والهُدوءَ لإِسْرائيلَ في أيامه. ١٠ فهو يَبْني بَيتًا لإسْمي، وهو يَكونُ لِيَ اَبنًا وانا أكونُ لَه أباً، وأثبِّتُ عَرشَ مُلكِه على إِسْرائيلَ للأبد. ١١ فالان يا بُنَيَّ، لِيَكُنِ الرَّبُّ معكَ فتَنْجَحَ في بناءَ بَيتِ الرَّبِّ إِلهِكَ، كما تَكلَمَ عنكَ” (١ اخ ٢٢، ٧ ـ ١١). إذن صفتان أساسيتان أهلتا سليمان لبناء الهيكل وهما الحكمة والسلام. الحكمة يطلبها من الله، واسمه يعني رجل السلام. العلاقة بين الحكمة والسلام مهمةٌ جداً. الإنسان الحكيم ولا سيما من بيده السلطة يتبين معدنه من محبته للسلام وعمله الدؤوب في سبيل تطور وازدهار المجتمع. أما الجاهل، فسلاحه الأول هو العنف. الحكيم يبني، والجاهل يخرب.

مكان بناء الهيكل مهمٌ جداً. فقد شُيد حيث كان قد ظهر الرب لداود: “وبَدَأَ سُلَيمان في بِناءَ بَيتِ الرَّبَ في أورَشَليم، في جَبَلِ المورِيَّا، حَيثُ تَراءى لِداوُدَ أَبيه، في المكَانِ الذَّي أَعَدَّه داوُد، في بَيدَرِ أرْنانَ اليَبوسِيّ” (٢ اخ ٣، ١؛ قارن: ٢٨، ٢ ـ٣). وبهذا يتّم التشديد على أن الهيكل هو علامة حضور الله في وسط شعبه.

بتشييد الهيكل قام سليمان الحكيم بإنجاز عملٍ عظيمٍ ليكون مركزاً للعبادة والتقوى وتمجيد اسم الله وتقديم التقادم والذبائح له. ما جاء في (١ مل ١٤ ـ ١٩) يعكس مدى اهتمام الملك سليمان بكل التفاصيل الدقيقة لكي يكون الهيكل بأجمل وأعظم صورة.

الملك سليمان بنى الهيكل، ونحن ماذا بنينا؟ وكيف نساهم اليوم في تطور الكنيسة بيت الله؟ سليمان بنى هيكلاً للرب قبل أن يبني قصراً لنفسه (قارن: ١ مل ٦ ‹بناء الهيكل›؛ ١ مل ٧ ‹بناء القصر›)، ونحن هل نضع الأولوية للكنيسة، أم نذهب للكنيسة فقط عندما نحتاج لها؟!

على مثال دعوة سليمان، يدعونا الرب اليوم للمساهمة في بناء الكنيسة بكافة أنواعها: كنيسة القلب، والكنيسة البيتية، والخورنة، والإيبارشية، والكنيسة التي ننتمي إليها، والكنيسة المسكونية التي أرادها الرب موحدة (قارن: مز ١٣٣؛ متّ ٢٣، ٢٧؛ يو ١٧).

حفظ الوصايا: بناء الهيكل هو علامة حضور الله بيننا، ولحضورنا أمامه لنمجد اسمه، ولنسمع كلمته، ولنعلن إيماننا به، ولنعمل على حفظ وصاياه. وعليه بناء الهيكل مهمٌ، لكن الأهم هو حفظ وصايا الله (١ مل ٦، ١١ ـ ١٢). وضع تابوت العهد ـ الذي يحتوي على لوحي الوصايا العشر ـ في مركز الهيكل يشير لقدسية الوصايا وأهمية حفظها: “وهيَأَ المِحْرابَ في داخِلِ البَيتِ لِيَجعَلَ هُناكَ تابوتَ عَهدِ الرَّبّ” (١ مل ٦، ١٩). لا معنى لوجود الهيكل، من دون طاعة الوصايا الإلهية. فالهيكل مكان مخصص للعبادة، والعبادة الصادقة تكتمل بالحياة العملية، وبالسير في طريق الله، وفي التطابق بين ما يعلنه المرء من المبادئ الإيمانية وبين ما يطبقه.

حينما نقرأ سيرة حياة سليمان الحكيم حتى النهاية، نرى بأن حكمته لم تدم. ظهرت حكمته في بداية ولايته حينما أبدى حكمه الذكي والعادل تجاه امرأتين زانيتين كانتا تتشاجران على طفلٍ (١ مل ٣، ١٦ ـ ٢٨)، أما غبائه فيتجلى في نهاية ولايته حينما يقع في مصيدة النساء الغريبات، ويحبهنَّ ويميل قلبه لعبادة آلهتهنَّ (١ مل ١١، ١ ـ ١٣). وكعاقبة لذلك أو كعقوبة على ذلك يَكثرُ أعدائه من الغرباء والأقرباء (١ مل ١١، ٢٦ ـ ٤٠) وتنشق مملكته بعد موته (١ مل ١٢، ١ ـ ٢٠). إنه خالف وصية الله القائل: ” … لا تَذهَبوا إِلَيهم ولا يَذهَبوا إِلَيكم، فانهم يَستَميلونَ قُلوبَكم إلى آتِّباعٍ آِلهَتِهم” (١مل ١١، ٢). ونسى ما كان قد اوصاه الله في بداية ولايته حينما منحه الحكمة: ١١ وكان كلامُ الرَّبِّ إلى سُلَيمان قائِلاً: ١٢ «هذا البَيتُ الَّذي أنت بانيه، ان أنت سرِتَ على فَرائِضي وعَمِلتَ بِأَحْكامي وحَفِظتَ جَميعَ وَصايايَ، سائِرًا علَيها، فاني أُحَقِّقُ مَعَكَ كَلامِيَ الَّذي كلَمتُ بِه داوُدَ أَباك، ١٣ وأُقيمُ فيه في وَسْطِ بَني إسْرائيل، ولا أَترُكُ شَعْبي إِسْرائيل»” (١ مل ٦، ١١ ـ ١٣). وهكذا خان سليمان العهد، وترك الله، وخالف وصاياه. وبعد أن كان قد بنى هيكلاً لله، شرع ببناء معابد لآلهة جميع نسائه الغريبات (١ مل ١١، ٨).

وفي هذا السياق حينما نقرأ حدث تطهر يسوع للهيكل (قارن: متّ ٢١، ١٢ ـ ١٣؛ مر ١١، ١٥ ـ ١٧؛ لو ١٩، ٤٥ ـ ٤٦؛ يو ٢، ١٣ ـ ٢٢)، نتيقن خطورة ابتعاد المؤمنين عن الغاية الأساسية من مكان العبادة، تماماً كما حصل مع الملك سليمان الذي لم يكن أحد يوازيه في ذكائه، إلا أن ذلك الذكاء ذاته أغره، فوقع في فخّ النساء الغريبات لدرجة جعلته يبني معابداً وثنية بعد أن كان قد بنى الهيكل المقدس. تعليم يسوع بعد تطهيره للهيكل يؤكد على أهمية بناء البشر، وليس الحجر. أما رؤساء اليهود، فحالهم كحال كل الرؤساء والحكام والسلاطين الذين يقعون بتجربة بناء الحجر، ويقدمون ضحيةً لذلك البشر. فتصبح قصورهم علامة لقصورهم تجاه شعوبهم. كان رؤساء اليهود مهتمين بحجار الهيكل، لكن من جهة أخرى كانوا يخططون لقتل يسوع، علامة حضور الله معنا “عمانوئيل”.

الفرق بين بناء الحجر والارتقاء بالبشر هو كالفرق بين التطور والتحضُر. فالتطور عادة ما يشير لتطور العمراني، واستخدام وسائل حديثة بدلاً من القديمة. على سبيل المثال، كان الناس في السابق يعيشون في الكهوف والأكواخ، وكانوا يأكلون مستخدمين الأيدي، أما اليوم فيعيشون بالبيوت والقصور ويستخدمون الملعقة والشوكة والسكين. كما كانت وسائل النقل سابقاً بدائية جداً كالجمال والحمير والثيران وما إلى ذلك، أما اليوم فتٌستخدم وسائل نقل متطورة جداً وذات تقنية مذهلة كالسيارة والطائرات. لكن يبقى السؤال: هل من يستخدم هذه الوسائل العصرية والمتطورة قد بلغ بالمقابل مرحلة من النضوج الثقافي والفكري والحضاري لدرجة يمكن وصفه بأنه يعيش فعلاً انسانيته كما هو مطلوب؟ نستشف من هذا، بأنه لا فائدة من بناء الحجر ما لم يرافقه ارتقاء البشر فكرياً وانسانياً وروحياً. يكون التطور عبثياً من دون نضوج فكري وعاطفي واخلاقي وإنساني. فسليمان الملك بدى حكيماً، وبنى بناءً عظيماً، لكن كان ينقصه الإيمان والطاعة لوصايا الله. نجح في بناء الهيكل والقصر، وفشل في بناء ذاته! وهذا خير دليل على أن بناء الحجر سهل جداً مقارنة ببناء البشر.

إذن البناء الحقيقي هو بناء المؤمن لحياته على أساس قوي وعلى ايمان قويم لا يتزعزع أبداً، كما يقول الرب: ٢٤فمَثَلُ مَن يَسمَعُ كَلامي هذا فيَعمَلُ به كَمَثَلِ رَجُلٍ عاقِلٍ بَنى بيتَه على الصَّخْر. ٢٥ فنزَلَ المطَرُ وسالتِ الأَودِيَةُ وعَصفَتِ الرّياح، فَثارت على ذلكَ البَيتِ فلَم يَسقُطْ، لأَنَّ أساسَه على الصَّخر” (متّى ٧، ٢٤ ـ٢٧). ولهذا الصخر يشير الرب يسوع مجدداً حينما يتحدث عن أساس الكنيسة موجهاً كلامه لما بطرس، قائلاً له: ” … أَنتَ صَخرٌ وعلى الصَّخرِ هذا سَأَبني كَنيسَتي، فَلَن يَقوى عليها سُلْطانُ الموت” (متّ ١٦، ١٨). مار بولس من جهته يؤكد على ذات التعليم عندما يعتبر كل مسيحي هيكلاً للروح القدس:١٦ أَما تَعلَمونَ أَنَّكُم هَيكَلُ الله، وأَنَّ رُوحَ اللهِ حالٌّ فيكم؟ ١٧ مَن هَدَمَ هَيكَلَ اللهِ هَدَمَه الله، لأَنَّ هَيكَلَ اللهِ مُقدَّس، وهذا الهَيكَلُ هو أَنتُم” (١ كور ٦، ١٦ ـ ١٧). وكذلك مار بطرس: “كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيِّينَ ­كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ­ بَيْتًا رُوحِيًّا، كَهَنُوتًا مُقَدَّسًا، لِتَقْدِيمِ ذَبَائِحَ رُوحِيَّةٍ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ اللهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ” (١ بط ٢، ٥).

الخاتمة: هذا النص الذي يعبر عن حضور الله معنا، وإقامته في وسطنا: “وأُقيمُ فيه في وَسْطِ بَني إسْرائيل، ولا أَترُكُ شَعْبي إِسْرائيل»” (١ مل ٦، ١٣)، والذي نقرأه في الأحد الأخير من السنة الطقسية، يهيئنا للبدء بعون الله سنة طقسية جديدة، نستهلُّها بالاحتفال بحضور الرب يسوع معنا، وتجسده من أجل خلاصنا. هذا الحضور الإلهي في حياتنا يشدد عليه الإنجيلي متّى بقوة حيث يبدأ ويختم إنجيله المقدس به: “« … ٢١ وستَلِدُ ابناً فسَمِّهِ يسوع، لأَنَّه هوَ الَّذي يُخَلِّصُ شَعبَه مِن خَطاياهم». ٢٢ وكانَ هذا كُلُّه لِيَتِمَّ ما قالَ الرَّبُّ على لِسانِ النَّبِيّ: ٢٣«ها إِنَّ العَذراءَ تَحْمِلُ فتَلِدُ ابناً يُسمُّونَه عِمَّانوئيل» أَيِ «اللهُ معَنا»” (متّ ١، ٢١ ـ ٢٢)؛ ” … وهاءنذا معَكم طَوالَ الأَيَّامِ إِلى نِهايةِ العالَم” (متّ ٢٨، ٢٠).

نشكر الرب لمحبته لنا، ولحضوره في حياتنا، ولمرافقته لنا في مسيرتنا مهما كانت صعبة وطويلة وشاقة. ونطلب منه أن يعيننا بأن نكون نحن معه، ونقبله في قلوبنا، ونسير حسب وصاياه لتكون لنا الحياة وتكون لنا بوفرة (قارن: يو ١٠، ١٠) ـ آمين.

عن Maher

شاهد أيضاً

موضوع السبت: الحرية وعيٌّ ومسؤولية وثمرة تمييزٍ وصفاء الروح

موضوع السبت: الحرية وعيٌّ ومسؤولية وثمرة تمييزٍ وصفاء الروح  الكاردينال لويس روفائيل ساكو الحريةُ هي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *