الرئيسية / المقالات / الأب يوحنان جولاغ في سطور، بمناسبة ذكرى ميلاده

الأب يوحنان جولاغ في سطور، بمناسبة ذكرى ميلاده

الأب يوحنان جولاغ في سطور، بمناسبة ذكرى ميلاده

د. إخلاص عابد جرجيس مقدسي

يوم ميلادك يا “أبونا ” يوحنان، يوم مميز، شاء فيه الخالق أن يشاركنا بنعمة من نعمِهِ الوافرة… فزرع زهرة في حديقة كنيستنا يوم 27 تشرين الثاني 1936، واختار “القوش” الأرض التي ستحتضن زهرته الفواحة، أرضاً تعبق بالتاريخ تحت خيمة سماء متوَّجةٌ بأسطع النجوم… كالفلاح الذي ينتظر أشهى الثمار، إعتنى الله بزرعه وسقاه من نفحات روحه، وزيّنه بالمواهب، وتدخل في إختيار إسمك أبلحد (عبد الأحد)، فحملتَ مسؤولية هذا الاسم بجدارة وجسّدتَه في حياتك فأغناك وأغنيتَه… 

أخذ بيدك لحين إكمال دراستك الابتدائية في مسقط رأسك، ثم رسم لك الطريق الى قلبه عندما ألهمَكَ بالتوجه الى معهد شمعون الصفا في الموصل عام 1957 فتميزتَ بين أقرانك لتحصل على فرصة للدراسة في فرنسا (معهد سان سولبيس بباريس)، عدت بعد عام واحد تلبية لنداء والدتك “شكرية جرجيس”، الأم الحنونة. زادك بهاءً الثوب الكهنوتي الذي إتشحتّ به يوم رسامتك في 9 حزيران 1961. أحببتَ التعليم ومارسته لعام واحد في المعهد الكهنوتي ببغداد. لتعود بعدها الى القوش كاهناً كرَّس حياته لخدمتها مدة 12 عاماً، وضع فيها عصارة روحه التي أحبت القوش وهامَت بها … فلطالما تدفق قلمك بحماس على أوراق إحتضنت بفخر أجمل ما جاد به الأجداد من طقس الكنيسة على مر السنين… وأمسكت أشباح السهر جفنيك عن النوم لتترجم وتؤلف وتكتب للمغتربين (غربوثة) وتلحن حبك وعشقك لألقوش وديرها (قصيدة يا دير) بصوامعه (قليثا سبقتا) العريقة وجبالها وطيورها (بركُتّا) عزفاً على أوتار القلوب. ثم في قصص إخترتها ان تكون تعليمية كقصة جنفياف، يزداندوخت ويوسب مصرايا (يوسف ابن يعقوب) و(ربان زنبيلو) وغيرها… وحين أرادت الموصل ان ينالها نصيب من مواهبك سعت جاهدة لإحتاضنك في 25 آب 1974 بعد أن إختطفت يد المنون والدك وأصبحت مُلزماً بإعالة أهلك… فانضويت تحت جناحي مار إشعيا ومار ميخائيل ليبقى حنينك الدائم الى القوش.

وما قصة عشقك لألقوش إلا مرآةً تعكس حبك الكبير للعراق. وجُلَّ مسعاك في التعليم والوعظ والكتابة كان لفتح الأذهان والتثقيف والسير نحو الأحسن… في مسرحياتك إنتقدتَ الأمراض الاجتماعية التي تمد يدها كالأخطبوط فتضيق الخناق على إنسانيتنا…واستمر عطاؤك وتسبيحك وتمجيدك لخالق هذه الطبيعة والتراب الذي أحببتَ بنبرات قصمت ظهر الشر… وفي رسائلك لنا ونحن في الغربة كان الرجاء باللقاء والأمل بعودة المهاجرين يرفرف بين السطور…

خلال 32 عاماً من خدمتك في الموصل إجتهدتْ الأيام في إمتحان صبرك بدءً من وفاة شقيقك وتركه لثلاثة أيتام (دانيا وصميم وريمان) فكنتَ لهم الأب، ونِعمَ الأب. بين مصيبة واُخرى كانت عين الأيام تتفقد جعبتك علَّها تجد خزيناً من الصبر يكفي لمواجهة الآتي، فسرقت يد المنون صباح زوج شقيقتك كرجية ثم لحقت به هي الاُخرى، وعندما رحل عنّا والدي (خالُكَ) مسحتَ بيدك الحنون حِمَماً تناثرت من عيوننا … فكنتَ لنا خلالها خير سند…وحين خِلتَ أن الأيام في هدنة معك نزل خبر تفجير كنائس بغداد في 2004 عليك كالصاعقة معلناً موت إبنة شقيقك دانيا، العروس قبل أيام قليلة من زفافها، ثم كسرت الأيام بيدٍ قاسية العُكّاز الذي كنتَ تتكئ عليه فرحل عنك شقيقها صميم، الشاب الجامعي، وذراعك الأيمن في خدمة الكنيسة … أذكر يومها، وأنا أكتب كلمة تأبينية بهذا المُصاب الجَلَل، أنني تمنيتُ لو أكسر قلمي وأجعل من أجزاءه رماحاً أغرزها في قلبي لاُفرغه مما فيه وأن اُمزق دفتري واُبعثر أوراقه في مهب الريح لتتباعد الكلمات وتفقد معانيها … أدركنا فداحة خسارتك وشدة حزنك، لكأنك “أيقونة” لاختبار صبر الانسان. وعاد الحزن يتسلل من بين أصابعك الى قلم يستقي من سويداء القلب المجروح وإمتد الهالوك ليمتص نسغ عودك الأخضر فنال منه للأسف، حين غادرت الوالدة أيضاً لتلحق بالركب الصاعد الى السماء… وكنتَ التالي… فأوصيتَهم ان يواروك الثرى في أحضان مار ميخا النوهدري الذي إحتواك يوم 3 تموز 2006، يوم إحترق الندى على خدود الورد…كنتُ يومها أهمس بصوتٍ أخاف سماعه… لا ترحل…  وتوسلتُ الى الملاك الذي حملك أن يترفق في تحليقه، ولكنه لم يكترث، بل عاد بكل جرأة لينتشل ريمان إبنة العشرين.

كيف اُناجيك يا ابن عمتي، يا أبونا يوحنان، يا كاهناً أفنى نفسه للآخرين، ويا شمعةَ أحرقت نفسها لتنير الطريق… يا أيها الطائر السابح في فضاء الحب كمفردة متأرجحة على لسان تناقضات هذا العالم… سِفر حياتك حافل بالمنجزات والعطاء… رغم التحديات التي واجهتها كالفارس الشجاع المؤمن برسالته وبمشيئة الخالق حين جَبلكَ من تراب العراق وزرع في أعماقكَ حبّه … ليتك ترى ما وصل اليه العراق اليوم …فالانسانية فيه تتلاشى شيئاً فشيئاً ويكاد يتناثر رمادها (على جمرٍ يكوي أحشائها) والكل يصمُّ آذانه عن سماع أنفاسها وهي تحتضر… صلي معنا واشفع للوطن الذي همتَ بحبه… وصلي من أجل تلاميذك الأوفياء …أكاد أسمعهم يعِدونكَ بصوت واحد قائلين:  نم قرير العين أيها الغائب الحاضر فما زلنا نستقي من بحر عطائك … الراحة الأبدية أعطه يا رب ونورك الدائم ليشرق عليه.

بغداد 2019

عن Ekhlass

شاهد أيضاً

موضوع السبت: الحرية وعيٌّ ومسؤولية وثمرة تمييزٍ وصفاء الروح

موضوع السبت: الحرية وعيٌّ ومسؤولية وثمرة تمييزٍ وصفاء الروح  الكاردينال لويس روفائيل ساكو الحريةُ هي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *