الرئيسية / المقالات / بصراحة… أمام انفعالاتي!

بصراحة… أمام انفعالاتي!

بصراحة… أمام انفعالاتي!

المطران د. يوسف توما

 

نقول عادة في سياق كلامنا “لنكن صادقين، أو “سأكون صادقا معك” “بكل صراحة”… هذه عبارات نسمعها مرات عديدة كل يوم، وكأننا في قرارة أنفسنا نعترف بأننا غالبا ما نتلاعب بالحقيقة، فلا نقول الصدق دائما، برغم معرفتنا أن قول الحقيقة هو الصحيح. وكم نلف وندور حولها إما لنرى ردة الفعل الآخر أو خوفا من مأزق فنلجأ إلى الكذب أو إلى “كذب أبيض!”، بحيث أدمن البعض عليه ووضعوا له يومًا عالميًا، واحد نيسان، لكن بعض السياسيين اعتمدوه طوال السنة كلعبة، ينسون ما قالوا من وعود انتخابية!

إن كان الكذب تغلغل هكذا بيننا وحتى أعماقنا يبدو لي اليوم أنه أخطر مما نتصوّر إذ صار يهدّد علاقتنا لا مع الآخرين بل مع الله أيضا في صلاتنا. فالسؤال: كيف أكون صادقا وصريحا عندما أتوجّه إليه سبحانه وتعالى، كي يقبل صلاتي، وإلا لماذا أصلي؟

عندما كنت في سنّ المراهقة، وبدأتُ في تطوير علاقة شخصيّة وعميقة مع الله في المعهد الكهنوتي في الموصل قبل أكثر من نصف قرن، كثيرا ما كانت صلواتي تمتلئ بكلمات المخاطب: “أنت” إزاء “أنا”. وإن كان التوجّه هكذا إلى الرب بهذه الطريقة غير معيب؛ لأنه شخص حي وقريب، بل “أقرب إليّ من حبل الوريد”. لكنني، لاحقا، بعد البلوغ اكتشفت أن طريقة “الأنت” و”الأنا” اللتَين ملأتا صلاتي كانت عقبة تمنعني من صبّ قلبي بصدق أمام الرب، إذ كنت أعكس عليه صورة والدي البشري الذي أحتال عليه. فأكثر اهتمامي بالتقوى الشكلية على صدقي مع الرب. السبب على الأرجح لأن في قلبي وحياتي أشياء كثيرة أريد أن أخفيها عنه ناسيا أنه يعرف كل شيء!

إن حقيقة الرب هي أنه “فاحص الكلى والقلوب”، يدرك أعماق قلوبنا بل “هو أكبر من قلبنا” (1 يو 3/20). يعلم أفكارنا قبل التحدث إليه. وحتى إذا فشلنا أن نكون صادقين معه في الصلاة، فنحن لا نخدع سوى أنفسنا. المهم إذن أن نعرف أن الصدق مع الله في الصلاة يحررنا ولا شيء آخر غير الصدق.

بعد تقدمي في السن ومنذ ممارستي الكهنوت (ثم الأسقفية) مرّت أمامي حالات أناس يسترشدون من الذين – في إبان الأزمات – يشعرون بالغضب تجاه الرب لسبب ما. ثم يسألوني نادمين: “هل من الخطأ أن أغضب على الله؟”. فأجيب: قبل كل شيء، عليك أن تتذكر أن الغضب عاطفة وانفعال، وهو ليس صحيحا أو خطأ بحد ذاته (فحتى الرضيع يغضب): لكن المهم أن نعرف فقط أنه موجود فينا، وما يجتاحنا من عواطف وانفعال ليس سوى موضوع منفصل ومسألة لا علاقة لها بالمسائل التي تشغلنا أو نتعرض إليها كل يوم.

عادة ما يتفاجأ الناس أمام جوابي: إذا كنتَ تشعر بالغضب تجاه الله قل له ذلك بصراحة! هل هذا ممكن؟ نعم، ألم يغضب أيوب البار على الرب؟ … وقد خصّص الكتاب المقدس لهذا الغضب 42 فصلا في العهد القديم، يمكن أن نسميه سفر “محاسبة الرب”، فإلهنا يقبل التحدي ويتعامل مع غضب الإنسان بأبوّة لأنه يريد المؤمن صريحا صادقا في صلاته تتدفق من أعماقه بلا تصنّع ولا تقليد ولا تكرار “كالوثنيين”، إنما أن يقف كما هو أمام الرب! هذا عناه يسوع عندما قال بوجوب المداومة على الصلاة “من غير ملل” (لو 18/1) كي يخرج ما في أعماقنا فنشفى. ألم يسكب هو قلبه أمام أبيه في بستان الزيتون وعلى الصليب، فعبّر عن مشاعره لأبيه؟ ثم كان يختتم صلاته قائلا: “لتكن، لا مشيئتي بل مشيئتك!” (متى 26/39).

يمكن أن نتعلم الشيء نفسه: فلا نترك قضية إلا و”نغمسها” في الصلاة، “لأنها بعد ذلك ستخرج مختلفة” (بحسب قول المفكر الفرنسي جورج برنانوس)، فنخبر الرب بما فينا، بالكم الهائل من مشاعرنا السلبية ضد فلان وعلان… فلا نصبّ على أحد “جام غضبنا” بل نتحرّر من الغضب المدمر ونتمكن من الدخول في حضرة الرب بالمحبة التي يكنّها لنا وللآخرين لأنه أب حقيقي للجميع لا مثيل له.

هذه الأفكار راودتني منذ شهر وأنا أشاهد الشباب المتظاهرين في بغداد ومحافظات جنوب العراق وحاولت أن أفهم لماذا لم يحتوِ “الكبار” غضب الشباب الذي له ما يبرره، هل الخوف على كراسيهم منعهم من الاصغاء أو هل هي تقاليد البلد الذي لم يعرف سوى العنف؟

إن كان الرب لا يريدنا عالقين في حبال الغضب أو المشاعر السلبية فأوجد طريقا إلى قلب أيوب بالحوار، الذي قال بحرقة: “سمعتُ عنكَ سمعَ الأذُن، والآن رأتك عيني. لذلك أستردّ كلامي وأندم…” (أي 42/5). غضب الإنسان لا يمكن قمعه بالعنف بل يحتاج إلى معالجة بالإصغاء والدخول إلى أسبابه العميقة، فالعنف فشل وسيفشل ولن ينتج سوى الخيبة والندم.

في زماننا، يتم تناقل الانفعالات بالتصوّرات السلبية عن الآخرين، بين الإخوة والأزواج وهلم جرا إضافة إلى نظريات المؤامرة البائسة في كل مكان فتمتلئ القلوب بالضغينة لتصبح كالبراكين تغلي، والتاريخ مملوء بالحروب التي انطلقت من شرارة غضب صغيرة، لأنهم خلطوا الانفعال بالواقع وهما لا يتفقان أبدا.

هناك بيت شعر راود ذهني هذه الأيام لأبي تمّام: “السيف أصدق إنباءً من الكتب، في حدِّه الحد بين الجِدّ واللعب”، فهذا كان أسلوب الماضي البائس، لكن الحكمة علمتني أن هناك ما هو أصدق من السيف: إنه الكلام الصادق مع الآخر الذي يجنّب المصائب والقتل. كيف السبيل أن نفهم كلنا بموضوعية ما يحدث؟ حتى لو كانت بيدي مقاليد السلطة. فمظاهرات العراق كانت سلمية، وهذا جديد على تاريخنا، لكن ردّ الفعل المقابل لم يكن كذلك، فسقط مئات القتلى وآلاف الجرحى، ولم يحكّم حوار الحكمة بل تصوّرات العنف بالمقابل فدخلنا في نفق مسدود.

عمري 70 عاما أتذكر سحل الخصوم في الشوارع وتوالي الثورات والانقلابات والغزو والحصار، وكل مرة كنتُ أصلي: “يا رب السلام أعط العراق سلام!”. لكنني اليوم أحلم أن يسمع شباب وطني صلاتي فيبقون مخلصين لسلميّة مظاهراتهم فلا ينجرّوا وراء العنف المضادّ خصوصا أن غضبَهم مشروع، ونزولهم إلى الشارع ليس سوى للمطالبة بحقهم في وطن، وطن يكون للفرد فيه قيمة، مهما كان دينه أو مذهبه أو قوميّته.

كركوك 23 تشرين الثاني 2019

عن Maher

شاهد أيضاً

موضوع السبت: الحرية وعيٌّ ومسؤولية وثمرة تمييزٍ وصفاء الروح

موضوع السبت: الحرية وعيٌّ ومسؤولية وثمرة تمييزٍ وصفاء الروح  الكاردينال لويس روفائيل ساكو الحريةُ هي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *