أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / نفحات وطن وفن: الرائدة عفيفة اسكندر وبغداد اليوم

نفحات وطن وفن: الرائدة عفيفة اسكندر وبغداد اليوم

نفحات وطن وفن: الرائدة عفيفة اسكندر وبغداد اليوم

المونسنيور نوئيل فرمان السناطي

أشكر موقع  سانت ادي البطريركي، لإتاحة الفرصة بأن أتحدث عن موضوع غير مألوف: الفنانة عفيفة اسكندر المُحبة لبغداد، والتي مرت مؤخرا ذكرى رحيلها، إذ توفيت في بغداد عن عمر 91 بمرض عضال في 22 اكتوبر 2012 وكانت قد تمت مراسيم تشييعها في اليوم التالي في كنيسة الروم الكاثوليك، بترؤس الأب منصور المخلصي، وحضور عدد متواضع من المؤمنين والمحبين، ابرزهم صباح المندلاوي، نقيب الفناني العراقيين والفنان سامي قفطان والاعلامية سعاد الجزائري. وكانوا آنذاك قد أشاروا إلى مكانتها المرموقة وأن اعمالها ومساهماتها الفنية ستبقيها في ذاكرة الناس، وأن صالونها كان قبلة أنظار الفن والثقافة في بغداد. هذه العاصمة التي تشهد ومنذ مطلع أكتوبر 2019 ثورة شبابية سلمية واعدة، نأمل أن تعيد العراق الى مستقبل افضل.

تمهيد- نحو نظرة شمولية إلى موزائيك المبدعين

فلقد تميّز العراق عموما فيما نذكره من عصره الحديث، بموزائيك جميل من المبدعين والمبدعات على تنوع مشهود من انتماءاتهم العقائدية والاثنية والمذهبية، في المجالات: العلمية، الفنية، الرياضية، الموسيقية، التشكيلية، الأدبية، الإعلامية، الصحافية، الشعرية، الروائية، التلفزيونية والسينمائية، التوثيقية والتاريخية. مع وقوفهم على قدم وساق من الحظوة والمساواة، بصرف انظار عن غالبية المنتمين إلى هذا الاتجاه المذهبي، الإثني بل والايديولوجي أو ذاك. وأعتقد من جملة ملاحظات، أن هذا هو خط غبطة بطريركنا الكاردينال لويس ساكو، تجاه مبدعينا لمواقفه المشهودة إلى جانبهم، كعراقيين وحسب، وأنه يشجع أن نخلّد مشاهيرنا أيا كانوا.

متميزون للوطن برغم الحقب والعهود

ولعلها دعوة، من هذا المنبر، بأن يغور كتابنا بحسب توجهاتهم، بحثا عن الابداعات المذكورة، ليتحفونا، لا شك، بالمزيد في حقل تخليد مشاهيرنا، وبما يتصل بوطنيتهم وما عرفوا ان يستخدموه من امكانية تعبير هادف، متزن وحكيم، بحسب الزمان والمكان ولباقتهم الوطنية في شق طريقهم عبر مختلف عصور العراق، والتي والحق يقال، قلما كانت مفروشة بالورد. مع ان مختلف العهود السياسية، ملكية او جمهورية، منحت مقبولية في المجالات العلمية والفنية. ربما باستثناء الرئيس عبد السلام عارف… الذي في زيارته لمستشفى بالموصل قال: “مستشفى جيد ولكن تنقصه النواقيس…” ولعل الزملاء الكتاب، إذ يحققون عن مختلف الحقول، سيكشفون لنا اسماء لها الحق الوطني علينا في تخليدها قبل أن يلفها النسيان، فينشرون عنها في صحافتنا ومواقعنا.

الفنانة الرائدة عفيفة اسكندر اسطيفان

 

رأيت أن أورد هذه المقدمة، للتمهيد عن موضوع متفرد من نوعه ولأول مرة ينشره الموقع البطريركي، وفيه نتحدث عن الفنانة عفيفة أسكندر اسطيفان،  وهي من كبار وأوئل رواد الفن، على مدى القرن الاخير، وقفت الى جانب قامات معروفة في فن المقام والغناء والموسيقى. فكانت في طليعة الناشطات لإبراز مكانة المرأة العراقية في الفن بنحو نجومي، من أمثال زهور حسين، سليمة مراد، صديقة الملاية، أحلام وهبي، متزاملات مع نجوم المقام العراقي من أمثال يوسف عمر، والقبانجي.

ولا أستطيع هنا، لا من حيث الدراية ولا من حيث الصفة الشخصية، أن أستغرق في تقديم التوصيف المهني لأدائها الغنائي والفني، فهذا شأن المختصين، وشأن دوائر المعلومات عن انسانة احتفت بها ويبكيديا ومحرّك كوكل، بصفتها شحرورة العراق، بل قصدت تقديمها كوجه مسيحي، احتفى به العراقيون، برقي ومحبة، على مختلف جذورهم، بل غالبا ما جاء ذلك من لدن غير المسيحيين قبل المسيحيين وأكثر منهم.

في موسوعة الدكتور عمر الطالب، بين الموصل وأربيل:

لقد ضم اسمَ هذه الفنانة كتابُ (موسوعة أعلام الموصل في القرن العشرين) للدكتور عمر محمد الطالب – صديق علامتنا الراحل الأب يوسف حبي. وجاء فيه أنها ولدت في 10 أيلول 1921 من أب عراقي موصلي أرمني وأم يونانية ضليعة في الموسيقى (ماريكا ديمتري)، وأنها تزوجت في عمر مبكر من عازف كمان مشهور وهو اسكندر اسطيفان، وتبنت اسمه في شهرتها الفنية تحت اسم عفيفة اسكندر. ويذكر الطالب أن عائلتها في سنواتها الأولى كانت تتنقل بين الموصل واربيل، حيث عملت أمها في مجال الموسيقي والغناء.

 الانتماء للوطن وليس للقادة:

لم تغنُ عفيفة لأشخاص بالاسم، سواء في العهد الملكي أو بعده، باستثناء غنائها للملك الشاب المغدور فيصل الثاني، في مطلع جلوسه على العرش، فكان ذلك أحد الأسباب أنها أهملت وغيبت لمدة ما. فبقيت تضرب كفا بكف لمفارقات من هذا النوع قائلة: أعجب على الناس قالوا للملك لا نصدق لأن نراك عريساً، وبعد أسبوع واحد من هذا الكلام قتلوه!

وعودة الى الرئيس الاسبق … عبد السلام عارف، يذكر أنه كان يحاربها ويضيق عليها حسب وصفها لأحد الصحافيين، وتقول انه كان يتهمها بدفن الشيوعيين في حديقة بيتها. على أنها منذ العهد الملكي، كانت المغنية الأولى في البلاد وكان كبار المسؤولين في الدولة من ملوك وقادة ورؤساء ووزراء يودونها ويطربون لصوتها ويحضرون حفلاتها…

مكانة عربية وجواز مرور من مصر الفن والثقافة:

سافرت عفيفة إلى القاهرة عام 1938. هناك غنت وعملت مع فرقة بديعة مصابني. وعملت مع فرقة تحية كاريوكا. وأبرز مشاركاتها العربية هي التمثيل في فيلم (يوم سعيد) مع الفنان الراحل محمد عبد الوهاب وفاتن حمامة وغنت فيه، ولم يظهر غناؤها عند عرض الفيلم لأحد سببين متضاربين:  من جهة لأن المخرج حذف تلك الفقرة لطول مدة العرض التي تجاوزت الساعتين، ومن جهة أخرى أنها تلقت خبرا عن مرض والدتها فقطعت عملها وعادت إلى بغداد. على أنها مثلت في أفلام على مستوى عربي ومحلي منها القاهرة ـ بغداد إخراج أحمد بدرخان وإنتاج شركة إسماعيل شريف بالتعاون مع شركة اتحاد الفنانين المصريين، ومثل فيه حقي الشبلي وإبراهيم جلال وفخري الزبيدي ومديحة يسري، وكذلك فيلم (ليلى في العراق) إنتاج ستوديو بغداد وإخراج أحمد كامل مرسي ومثـّل فيه الفنانون جعفر السعدي والفنانة نورهان وعرض الفيلم في سينما روكسي سنة 1949. ثم تعرفت إلى الأديب المازني والشاعر إبراهيم ناجي وعندها بدأ مشوارها الأدبي، فعادت به إلى العراق واستقرت في بغداد.

محطات تكريم “معشوقة بغداد” في الحياة قبل الممات وتسليط الضوء على شخصيتها

الرئيس الطالباني، النائبة صفية السهيل، جريدة المدى:  وضمن العقود الاخيرة، جرى تكريم هذه الفنانة، بعرض فيلم عنها (معشوقة بغداد) في المسرح الوطني وبحضورها، للعلاقة الكبيرة بينها وبين بغداد، والذي أخرجه فريد شهاب ومدته (15) دقيقة، والذي يتحدث عن شخصيتها، تارة عن لسانها وتارة اخرى على لسان معاصريها من الفنانين، ابرزهم عازف الطبلة الفنان سامي عبد الاحد.

وكانت تحرص حين تدعى الى احتفال ما، ان تظهر انيقة مشرقة، تزرع في كل مكان الامل والتفاؤل فيكتظ بالمحبة. وهكذا كان بيت النائبة آنذاك صفية السهيل في يوم العيد .هناك استقبلها الجميع بعاطفة كبيرة فازدان المجلس سرورا، ومع المشهد العام للفرح، فإن حاملة الاثنين والثمانين عاما مع حزمة أوجاع، استعادت فرحها المفقود ونفضت عنها هموم الاهمال والزعل، بعد أن قالت بشيء من الاسى: لم يسأل عني احد، وما وزارني أحد ما عدا مؤسسة المدى والست خيال الجواهري (ابنة الشاعر الجواهري) قالت ذلك بعتب المحبين، كأنها تقول ان بيتها في وسط بغداد ومن غير الممكن ان لا يسأل عنها أحد وهي في هذا العمر!! لم تكن تلك شكوى بقدر كونها كلمات للتذكير، بدليل أنها ابدت سعادتها وهي بين هؤلاء الناس السعداء بحضورها. وسط الحشد المبتهج طابت نفسها، فغنت بصوتها ونبرته الخفيضة التي ظهرت عليها آثار الزمن، ملبية رغبة الحضور فكانت التحيات تنثر عليها من كل الايدي والالسن. هكذا كرّم عراقيونا واحدة من مبدعيهم في حياتها.

  وفي احتفال أقامته جريدة المدى كان قد أعلن أن رئيس الجمهورية الراحل جلال الطالباني خصص لها راتباً تقاعدياً. وقال عنها الكاتب عبد الجبار العتابي، الذي وصف إطلالتها في تلك المناسبة على المسرح العراقي، إذ قال إن المطربة الكبيرة أجهشت بالبكاء عندما سمعت أمر مام جلال. جاء ذلك في مقال نشره العتابي في مجلة ايلاف الالكترونية في 7 أيلول 2009. كما أوردت جريدة المدى عنها فيما بعد، نبذة متجددة عن حياتها، تحت عنوان (ما لا يعرفه الناس عن عفيفة اسكندر) جاء في أحد ملاحق جريدة المدى (27 أيلول 2015) أنها بدأت الغناء بعمر خمس سنوات، سنة 1935. وعندما سُئلت عن الاغنية التي تحبها اكثر من اغانيها الاخرى؟ راحت ترفع صوتها بالاغنية : (هزني الحنين لهلي / والشوق بي ّ زاد / هيا بنا يا ربع / نمشي درب بغداد) وقد تردد اسم بغداد في أغانيها مثل: (دورت بغداد للموصل رحت) واغنية (جينا من بغداد).  وعن بغداد قالت: احب بغداد، امنيتي ان ابقى فيها حتى اموت فيها وادفن ، وما سافرت ولا هاجرت من زمان لأنني احب بغداد.

شهرة باللهجة البغدادية، ومنولوج بعدة لغات:

وعن اكتسابها اللهجة البغدادية وتعاملها المتمرس باللغة الفصحى قالت: “كنت اتحدث باللهجة الموصلية إلاّ أن المطربة سليمة مراد علمتني كيف أنطق اللهجة البغدادية وبذا صرت اغني الاغنية البغدادية مع وجود مطربين آخرين مشهورين.. وقد عشقت الاغنية البغدادية.. والمنولوجات أيضا.”

وتحدث فيلم (معشوقة بغداد) على لسان احد الكتاب القدامى كيف ان اسم عفيفة اسكندر لمع بسرعة؛ ويعود الفضل في ذلك الى طلتها المشرقة وموهبتها القيمة ونطقها السليم لكلمات الاغاني وخاصة الأشعار ومنها اغنية البهاء زهير :(يا عاقد الحاجبين). وهكذا ضمها المجمع العربي الموسيقي إلى أعلامه تحت عنوان منولوجست (غنت المونولوج بالتركية والفرنسية والانكليزية والالمانية) مع تنويه المجمع بإجادتها ألوان الغناء والمقامات العراقية، إذ بلغ رصيدها الغنائي أكثر من 1500 أغنية.

ويحلل الاجتماعيون ومؤرخو الفن، أن سبب بروز عدد من نجوم الغناء، رجالا ونساءًا، بعد غنائهم في الكباريهات، النوادي الليلية، يعود إلى أن هذه الأماكن كانت آنذاك افضل من الكثير من النوادي الاجتماعية، وقبل أن ينفتح المجتمع إلى انشاء المسارح الغنائية والتمثيلية ذات البعد الثقافي الجاذب لذائقة المجتمع.

رائدة في البعد الثقافي- صالون عفيفة اسكندر:

وتأكيدا لما حصلت عليه من دور في المجتمع، سرعان مع تكونت للفنانة عفيفة اسكندر تقاليد خاصة في الفن والحياة، حيث كانت تملك صالونا في منزلها الواقع في منطقة المسبح في الكرادة، وضم مجلسها آنذاك ابرز رجالات السياسة والأدب والفن والثقافة.. ومن الرجالات الذين كانوا يحرصون على حضور النقاشات من رجال الدولة في الحكم الملكي.. نوري سعيد رئيس الوزراء السابق وفائق السامرائي عضو حزب الاستقلال وعضو مجلس الأمة، والنائب حطاب الخضيري، وحسين مردان وجعفر الخليلي والمحامي عباس البغدادي والعلامة الدكتور مصطفى جواد الذي كان مولعا بفنها وبشخصيـّتها المحبّبة، فكان مستشارها اللغوي، لتقرأ له الشعر قبل أن تغنيه. فضلا عن الفنانين حقي الشبلي وعبدالله العزاوي ومحمود شوكة وصادق الازدي والمصور آمري سليم وصديقنا المصوّر الراحل حازم باك.. وأسماء كثيرة أخرى..

 الراحة الابدية والخلود لواحدة من رائدات العراق في الغناء والثقافة، الفنانة العراقية عفيفة اسكندر اسطيفان.

عن Maher

شاهد أيضاً

ܥܐܕܐ ܕܕܢܚܐ  (9) عيد الدنح: “عِيذا دذنحا”: 6 كانون الثاني

ܥܐܕܐ ܕܕܢܚܐ  (9) عيد الدنح: “عِيذا دذنحا”: 6 كانون الثاني عد 24: 2-9 + عد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *