أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / التوبة وسرّ المصالحة

التوبة وسرّ المصالحة

التوبة وسرّ المصالحة

الشماس شاكر يوحنّان زيتونة

التوبةُ مهمةٌ جدًا، وهي موجودة في كلِّ الدياناتِ، لكن كثيرًا ما نسمع بأنَّ هناك نفورٌ منها في أيامِنا هذهِ، وأنَّ الدليلَ على ذلكَ هو ابتعادُ المؤمنِ يومًا بعد يومٍ عن كرسي الاعتراف. ها نحنُ أيضًا سندخُل في غضون أيامٍ قليلة في زمن الميلاد، ميلاد ربّنا يسوع المسيح – عمانؤئيل (الله معنا). سيقومُ العديد منّا، استقبالاً لهذا الحدَث العظيم، بشراء الملابس الجديدة، تحضير الحلوى اللذيذة، تحضير المأكولات الشعبيّة الشهيّة مع الأهل والأقارب؛ البعضُ الأخر سيقوم بتزين البيوت وأشجار الميلاد ومغارة الميلاد استقبالاً لهذا الحدث. لكن هل فعلاً قُمنا بتهيئة كلّ شيءٍ؟ هل فكّرنا يومًا ما بتحضير أنفسِنا وبتهيئةِ قلوبِنا لتصبح مذودًا يولدُ فيه ملك الملوك؟

التوبة وسر الاعتراف

إنَّ التوبةَ، هي الاقترابُ من اللهِ والتجدُّدِ من إنسانٍ خاطئ إلى إنسانٍ تائب؛ هي المصالحةُ مع اللهِ التي أتمَّها سيدُّنا يسوع المسيح بموتِهِ على الصليبِ، لأنَّ موتَهُ كانَ انتصارًا على الخطيئةِ وتَحطيمِ قيودِها. يُطلَقُ على سرّ التوبة أسماءٌ كثيرةٌ ومن أهَمُها: الهدايةُ، لأنَّ الشخصَ يُحقِّقُ سرّيًّا دعوةَ يسوع إلى الاهتداءِ (العودة إلى الآبِ الذي ابتعدنا عنهُ بالخطيئةِ)؛ التوبة وسرُّ الاعتراف، إنَّ الإنسانَ التائب يَقرُّ بخطاياهُ أمامَ الكاهِنِ، الذي يغفِرُ لهُ بواسطَةِ الحلَّةِ السريَّةِ، بذلك يُعطيه الغفرانَ والسلامَ. سرُّ المصالحة، إنَّ هذا السرَّ يَمنحُ للخاطئ حبَّ الله، ليحيا بحبِّ اللهِ الرحيمِ، من خلالِ المصالحةِ مع اللهِ ومع القريبِ.

ينبع سرّ التوبة والمصالحة (سرّ الاعتراف) مباشرة من السرّ الفصحي. في الواقع، عندَ مساء يوم الأحد، ظهر الرب للتلاميذ المختبئين في العليّة، وبعد أنْ ألقى عليهِم التحيّة قائلاً: ((“السلام عليكم!”، نفَخَ فيهم وقالَ لَهم: “خُذوا الرُّوحَ القُدُس. مَن غَفَرتُم لَهم خَطاياهم تُغفَرُ لَهم، ومَن أَمسَكتُم عليهمِ الغُفْران يُمسَكُ علَيهم”)) (يو20: 21-23). فالخطيئة هي الوضع الذي به نبتعد عن الله، لكن هذا لا يعني أن الله يبعد عنّا. وكلمة يوحنّا الرسول هي دليلٌ على ذلك: ((إِذا وَبَّخَنا قَلبُنا فإِنَّ اللهَ أَكبَرُ مِن قَلْبِنا)) (1يو3: 20). إنَّ محبّةَ الله هي عظيمة لدرجة أنّها تجعلنا نُصبِحُ أبناءَ لهُ، وعندما سنراه وجهًا لوجه سوف نكتشف المزيد من عظمةِ محبّتِهِ هذه (1يو3: 1-10، 19-22). ليس هذا وحسب! إن محبّة الله هي دومًا أكبرُ ممّا نستطيع تصوّره، وتتخطّى حتى أيّ خطيئة قد يوبّخنا ضميرُنا عليها. إنها محبّةٌ لا تَعرِفُ حدودًا؛ ليس لديها تلك العقبات التي عادة ما نضعها نحن أمام الشخص الآخر، خوفًا من أنْ يحرمَنا مِن حرّيتِنا. من المهمّ أنْ نَتَذكّر مغفرة الله، أن نتذكّر حنانه لاستعادةِ السلام والحرّية اللذين مررنا بهما. هذا هو محور الاعتراف: لا الخطايا التي نقولها، ولكن الحبّ الإلهي الذي نتلقّاه والذي نحتاجه دائمًا.

كيف نتغلّب على الخوف من كرسيّ الاعتراف، من سرّ الاعتراف؟

ليست مغفرة خطايانا، قبلَ كلِّ شيء، أمرًا يُمكننا أنْ نعطيَهُ لأنفسِنا، فأنا لا أمثّل المسيح شخصيًّا. أنا لا أستطيعُ أنْ أقول: ((أغفِر لِنَفسي خطاياي))، فالمغفرة تُطلب من آخر، من ممثّل المسيح (2كور5: 20). لذلك لا يكفي أنْ نطلب المغفرة من الرب في عقولنا وقلوبنا، إنما من الضروري أن نعترفَ بخطايانا لخادِم الكنيسة (الكاهن) بتواضعٍ وثقة، والكاهن بدوره يغفرُ لنا خطايانا (يُعطينا الحَلّة) في سرّ الاعتراف. فالكاهن، خلال الاحتفال بهذا السرّ (سر الاعتراف)، لا يمثل الله فقط وإنما يمثل أيضًا الجماعة بأسرها، التي تدرك نفسها في ضعف كل فردٍ من أفرادها والتي تُصغي بتأثرٍ إلى توبَتِه، تَتصالح معه، تُشجعه وترافقه في مسيرة التوبة والنضوج الإنساني والمسيحي. لهذا فَمِنَ المُهِم للغاية أنْ نَطلبَ الغفرانَ من الكنيسة ومن الإخوة الحاضرين في شخص الكاهن. مُهمٌّ للغاية، مِن الناحية البشرية، إفراغ القلبِ من خلال التكلم مع الكاهن عن بعضِ الأمور التي تُثَقّل القلب. يجب أنْ نعرِف بأنَّ المغفرة ليست ثمرة جهودنا، إنما هي عطيّة، هِبة من الروح القدس الذي يغمرنا بفيض من الرحمة والنعمة المتدفق بلا انقطاع من القلب المفتوح للمسيح المصلوب والقائم من بين الأموات.

“أبتي، أنا أعيد دومًا الخطايا نفسها عندما أذهب لأعترف. فلماذا يجبُ عليَّ أنْ اعترف؟” يجبُ أنْ نعلم بأنَّ سرّ المصالحة هو سرّ شفاء. فعندما أذهب للاعتراف فأنا أذهب لأُشفى، للحصول على شفاء روحي وشفاء قلبي من الأشياء السيئة التي فعلتها. الغفران أثناء سرّ الاعتراف (الحلّة)، يَمنحنا بداية جديدة ويجعلنا مخلوقات جديدة. إنَّ مَغفِرَةَ الله ليست أغنيةً تُعيدُ نفسها كلّما مررنا بكرسي الاعتراف. فنيل مغفرة الخطايا عبر الكاهن إنما هي تجربة جديدة على الدوام، أصيلة ولا تُعاد، تجعلنا ننتقل من كونِنا وحدَنا مع بؤسِنا إلى كوننا مُعزّين ومُشجّعين من قِبَلِ الربّ، الذي يجعلنا نبدأ من جديد. إنْ سَمَحنا للربّ يسوع بأنْ يصالحَنا مع الآب والإخوة سيُمكننا عندها أن نعيش بسلام حقًا. هذا ما يشعر به كل منّا في قلبه عندما يذهب للاعتراف، إذ نتقرّب من السرّ مثقَّلين وحزينين، لكن عندما ننال مغفرة يسوع نستعيد سلامنا، سلام النفس. الربّ يعرفنا، إنّهُ يَعلم أنَّ النّضالَ الداخليّ صعبٌ، وأنّنا ضُعفاءٌ ونميلُ للسقوط وغالبًا ما نعود إلى صُنعِ الشرّ. ويقترح علينا أنْ نبدأ في العودة إلى عمل الخير، في طلب الرحمة.

أثناء انتظارنا في الصف قبل الدخول لكرسي الاعتراف، نشعر بالعديد من المشاعر، بما في ذلك الخجل، لكننا عندما ننتهي من الاعتراف نخرج أحرارًا، فرحين، مجددين وسُعداء. في هذا يكمن جمال سرّ الاعتراف! على كل واحدٍ منّا الآن طرح هذا السؤال كما وعلى الكاهن طرحَهُ في بداية سرّ الاعتراف: ((كَمْ مَضى على آخرِ اعترافٍ لي؟ هل تَمّ مُنذُ يَومَين، اسبوعين، سنتين، عشرين سنة أو أربعين سنة؟)). إنْ كانَ قد مَضى زَمنٌ طويلٌ فلا تُضيّع المزيد من الوقت، قُمْ واذهب إلى الكاهن وتأكد من أن يسوع هناك؛ قُمْ وهيّء قلبَكَ وفكرَك ليكون مكانًا مُناسبًا لاستقبال ملك الملوك، الملك الذي لَم يولد في قصر ولكنّه ولد في مغارة متواضعة! ((فالمسيح ولد حتى نولد فيه ومعه لحياة جديدة، ولادةٌ جديدةٌ للناس أجمعين، من خلال المفاهيم الروحية والأخلاقية التي حملتها. يولد المسيح فينا عندما تَعتَمِرُ المحبةُ والرحمةُ قلوبَنا، ونختارُ الخير والاُخوّة والاُلفة، ونتخطى الشرَّ والعداء، فننال فرحَ السلام)) – (البطريرك مار روفائيل ساكو، رسالة عيد الميلاد لعام 2019). فتشّجع وتقدم من كرسيّ الاعتراف!

خطوات التوبة

  1. فحصُ الضمير: الاستعدادُ للاعترافِ والتوبةِ، وذلك بفحصِ ضمائرِنا (التأمل بما قد فعلناه).
  2. الندامة: لا معنى أبداً لسر التوبة ما لم ترافقه الندامة أي التوبة الباطنية والقصد الصادق في اتخاذ الوسائل اللازمة لمحاربة الخطيئة.
  3. الاعتراف: بعد التأمل بما قد فعلناه في فحصِ الضمير، سوفَ نقومُ الآن بالاعترافِ الكاملِ بكلِّ خطايانا، وذلك في منابر خاصة.
  4. القانون والحلّة: ينال التائب الحلّة بواسطة الكاهن بعد أن أعطاهُ الكاهن واجبًا يقومُ به.

دعوةٌ لنا

يقولُ البابا بندكتوس السادس عشر في مقابلتِهِ العامة مع المؤمنين يوم الأربعاء (18 تشرين الأول 2006)، متكلّمًا عن يهوذا ومتيّا: ((بُطرُس بعد سقطتِهِ نَدِم، فوجدَ الغفران والنّعمة؛ يهوذا أيضًا نَدِم، إلا أنّ ندَمَهُ أدّى إلى اليأس وتحوّل هكذا إلى تدمير الذات. لنتذكّر جيدًا ما يقوله القديس بندكتوس في نهاية الفصل الخامس من “قانونه”: “لا تيأس أبدًا من الرحمة الإلهيّة”. لنحتفِظْ في فكرنا بشيئين: الأول، يسوع يحترم حريتنا؛ الثاني، يسوع ينتظر جهوزيتنا للندامة والاهتداء. فيسوع غني بالرحمة والغفران)).

يمكننا نحنُ أيضًا أن نسلكَ في الطريق المظلم الذي سلكَهُ يهوذا الإسخريوطي وبطرس الرسول عندما نرتكب الخطايا، فلم يَعُد بإمكانِنا رؤية الحبِّ الأزلي، اللامتناهي ونعتقد بأنّهُ لا حاجةَ إلى التوبة، لا حاجة إلى كرسيّ الاعتراف. أثناء هذه المسيرة نكتشف بأنَّ هنالكَ ضوء يُنيرُ طريقنا، إذ يرشدُنا إلى طريقٍ آخر، إلى طريقِ التوبة. بالتأكيد من الصَعب رؤية هذا الضوء، إن كان الأنا يطغى عليه ونظرنا مُتّجهٌ نحو الأسفل. يهوذا فضّلَ اختيار “الأنا”، المسارُ الذي يوبّخنا باستمرار، الذي يجعلنا يائسين من وجود خلاص الربّ، يجعلنا ننطوي على أنفسنا ولا نريد اللجوء إلى الأنت، الأخر الذي يساعنا.

قصة قصيرة

سُئِلَّ أحدُ الكهنةِ عن حالةِ الإنسانِ قَبْلَ الاعترافِ وبعدَهُ، وهل من الضروري القيامَ بالاعتراف لطالما سوفَ يعودُ الشخصُ إلى الخطيئَةِ ذاتَها فيما بعد؟ فأجابَ الكاهنُ قائلاً: ((إنَّ اللهَ يُمسِكُ كلَّ إنسانٍ بخيطٍ، فعندما نخطأُ ينقطِعُ هذا الخيط، وعندما نتوبُ يَعقِدُ الرَّبُّ الخيطَ من جديدٍ، وهكذا من خطيئةٍ إلى أخرى، ومن توبةٍ إلى توبةٍ، ما الذي سَيحدُثُ بالخيط؟ يَقصِرُّ بسببِ العُقَدِ عليهِ وبذلكَ نقتربُ من اللهِ أكثرَ فأكثر إلى أنْ تُلغى المسافةُ الموجودةُ بينَهُ وبيننا)).

للتعمّق أكثر:

  1. الأب يوحنا تابت – وغيره، الأسرارُ (سلسلةُ محاضراتِ)، ط1، جامعة الروح القدس-لبنان، سنة 1987، ص: 172-174
  2. الأب فادي مسلِّم الأنطوني، وكلَّمهُم بالأمثالِ، ط2، مؤسسة دكَّاش للطباعة- بيروت، سنة: 2006، ص: 46.
  3. Papa Francesco, Udienza Generale, (19 febbraio 2014).
  4. Papa Francesco, Omelia del santo Padre Francesco, (9 marzo 2018).
  5. Papa Francesco, Omelia del santo Padre Francesco, (29 marzo 2019).

عن Maher

شاهد أيضاً

خَدبشَبًا قَدٌمًيًا ددِنخًا (15) الاحد الاول من الدنح: “1 دنحا”

خَدبشَبًا قَدٌمًيًا ددِنخًا (15) الاحد الاول من الدنح: “1 دنحا” خر 3: 1-15 / اش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *