أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / شهداء الرجاء في أزمنة الوباء، الآباء الدومنيكان مثالاً -الحلقة الثانية-

شهداء الرجاء في أزمنة الوباء، الآباء الدومنيكان مثالاً -الحلقة الثانية-

شهداء الرجاء في أزمنة الوباء، الآباء الدومنيكان مثالاً –الحلقة الثانية-

الأب سمير بطرس الخوري – إينشكي

وكما قلنا سابقا إن الفايروسات التي تعزل الإنسان اليوم وتقتله في روحه وإنسانيته وتعامله بدونية، كعقلية إعتبار النساء عورة وأقل مكانة وغيرها من العقليات والنفسيات،هي أخطر من الطاعون والبَرَص والسعال الديكي وشلل الأطفال والتيفوئيد ولذلك سعى الدومنيكان لخلق أجواء مجتمعية صحية، وقاموا بما يقول عنه البابا فرنسيس “بتعميذ المجتمع بأفكار المسيح الشافية”، وهذا ما يؤكده البابا مراراً، وروحانية القديس فرنسيس، هي كانت الداعي الذي جعله يختار أسمه عنوانا لحبريته، لكي يُعلن من اللحظة الأولى بأن العالم في هذه الأزمنة بحاجة الى كنيسة تمر من جديد بهذه الروحانية الجريئة المنطلقة نحو الأمام ونحو الجميع عابرة الأسوار والحصون ومتحدية الرفض.

وهنا كم يُصبح كلام ربنا يسوع المسيح واضحاً وواقعياً ومفهوماً عندما يُوصي تلاميذه الذين كانوا يخالطون المصابين الذين كانوا يأتون إليهم لكي ينالوا الشفاء بإسم المسيح، والذين كانوا يُضطهدون أيضاً وكانت حياتهم مهددة بالقتل بسبب رسالتهم، إذ كان يوصيهم قائلاً: “لا تخافوا الذين يقتلون الجسد، بل خافوا الذي يقتل الروح والجسد معا” أليس هناك الكثير من الأسباب والأساليب التي تؤدي بحياة الإنسان أن يخسر حياته وإنسانيته. ولا ننسى اليوم آفة المخدرات التي تفتك باجساد وأرواح الكثير من الشباب، قبل أيام قرأت خبر أن انسان مدمن دخل في صيدلية في بلد ما، طالباً دواءاً يستعمله كمخدر وعندما رفض الصيدلاني اعطاءه، قام بجرح نفسه وتمزيق جسده بشكل مرعب. كم من عوائل هاجرت وهربت لتُنقذ أبنائها من خطر الأرهاب وقتل الأجساد، ولكن لم يستطيعوا أن ينقذوا أبنائهم مما يقتل أجسادهم وأرواحهم ، وكلامي هذا ليس تعميم، بل هو على سبيل المثال، وليس إدانة ونقد للهجرة، بل للتوضيح بأن على الآباء والأمهات أن يحموا أبنائهم وبناتهم من أنواع  أخرى من الأرهاب الذي هو أشد خبثاً وأسرع تدميراً، وفي أغلب الأحيان تحت أنظار القانون وفي أجواء الديمقراطية وقوانين حقوق الأنسان.

لقد سعى الأباء الدومنيكان الى نشر الوعي الصحي والثقافي لكي يتخلصوا من أوبئة كانت أوربا متقدمة في التخلص منها. في الثلاثينيات إنتشر وباء السعال الديكي في قرى صبنا، ومات في وقتها أطفال كثيرون بسبب جهل الناس عن مسبب هذا المرض، وللأسف كان أخي الكبير يونان أحد ضحاياه، بعمر ستة سنوات. آنذاك حملته والدتي مع إحدى الأقارب وركضوا سيراً على الأقدام الى مستشفى الأنكليز في كلي العمادية وعندما وصلت هناك بدأت صحته تتدهور، فأخذه الأطباء الأنكليز والممرضات وسعوا الى إنقاذه ولكن كان قد وصل متأخراً فمات في اليوم التالي، وكانت الممرضة تبكي لموته إذ كان جميل الوجه وهي كانت خسارة مؤلمة ولا زالت والدتي تتذكر دموع تلك الفتاة الأنكليزية الجميلة وهي تقول ما تُرجم لها “مع الأسف أن يموت هذا الطفل”، وفي الأيام التالية توفوا 4 أطفال أخرين في إينشكي فقط، نفس الكلام ينطبق على القرى الاُخرى حيث مات العديد من الأطفال. وبعدما سمع الآباء الدومنيكان سعوا للوصول الى كل القرى لأيجاد علاج لهذا الميكروب الذي كان غامضاً ولم يكن قد وجدوا له لقاح بعد، فأستمر فترة يفتك بأطفال القرى في منطقة صبنا، وفي سعيهم حرص الآباء على نشر الوعي للوقاية وعدم إختلاط الأطفال ببعضهم وبالكبار، مبادرات وجهود بطولية، أنقذت الكثيرين بعدها الى أن وصل متأخراً العلاج وأنتشر.

إذا تصفحنا كتب التاريخ في العالم فسنجد قصص الآلاف من الأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات والأطباء والممرضين الأبطال من الذين واجهوا الأوبئة والأمراض الخطرة باجسادهم وإيمانهم ومعرفتم، وكأنهم يخوضون حروب يومية وفصلية. كم من نساء ورجال ضحوا بصحتهم ووقتهم وكرسوا حياتهم  وقضوا عمرهم في المختبرات لكي يجدوا دواءً وعلاجاً لبعض الأمراض، ومن العلماء من لم يتزوجوا ليتفرغوا حباً بالإنسان وخيره، وكم من هؤلاء العلماء كانوا قديسين تسبق الصلاة تفكيرهم، والتأمل وعمل الخير تجاربهم.

هذا ما شجع الكنيسة على مر التاريخ  أن تقوم بتأسيس الجامعات والكليات، لكي تخدم الإنسان لا روحياً فقط  بل جسدياً أيضاً، وهذا من صُلب رسالتها الإيمانية والاجتماعية. فالمسيح جاء لخلاص الأنسان كله، فعندما علم المسيح الجموع وزرع فيهم كلمة الله وثم شعر بهم جائعين،  قال لتلاميذه “اعطوهم انتم ليأكلوا” ، ونبه التلاميذ من تجربة “اللجوء الى منطقة الراحة”، أو في لغة اليوم “شعلينا”، “هذا مو شغلنا”، إذ قالوا للمسيح “لنصرفهم إلى القرى المجاورة ليأكلوا”، ألم يقع الكثير منا في تجربة “المكان والوضع الآمن” وجلس خلف المكتب أو تحجج في أزمة النزوح والظروف الصعبة التي يمر بها شعبنا منذ 1991 وحتى 2003 وبعدها مروراً بأحداث داعش وبعدها؟

إن رسالة مؤسسة “كاريتاس” وغيرها هي تجسيد لهذا الجانب. والكنيسة سعت من خلال الجامعات والإديرة، أن لا تُعطي فقط غذاء الفكر والروح، بل عملت لعلاج الجسد والنفس بتثقيف العقل. فكم من أسماء رهبان يسوعيين ودومنيكان لامعين سطعوا في مجال الطب والمختبرات وسُجلت اكتشفات باسمهم. فالبعودة الى الآباء الدومنيكان، عندما بدأ العديد من النساء والفتيات يلجئون برفقة رجالهم الى مستوصفات الآباء في دير مار ياقو وفي دير الآباء في الموصل، وإذ كانت العقلية الشرقية  (والتي ما زالت موجودة مع الأسف) لا تسمح بأن يتعالجون من قبل رجل، أو لاحظوا بأن البعض كان يستصعب رؤية أمرأته أو بنته يكشف عليها رجل، ولكن لا يستصعب تركها تموت في البيت، فيأتون فقط كرجال وذكور ليتلقوا العلاج، فقط لأنه الآباء من صنف الرجال. فأستدرك الآباء هذه العقلية غير الصحيحة وغير الصحية، إذ كانت الأمراض والأوبئة تعششُ في بيوتهم وخاصة عندما بدأ مرض التيفوئيد والكوليرا بالأنتشار بشكل مخيف. فقام رئيس الأرسالية الأب لويس ليون وبمساعدة الأب بطرس دوفال والأب هياست بيسون الفنان العالمي المشهور والأب جاك سكافهاوسر بمعالجة المسألة وذلك بطلب راهبات فرنسيات من فرنسا من راهبات التقدمة وكان عددهم ستة فتيات، جاؤا الى العراق لكي يهتموا صحياً أولاً بالنساء والفتيات المريضات وعلاجياً وثم فكرياً وأستغرق وصولهم الى الموصل 53 يوم، وكانوا متخصصين في مجال التمريض، ووصل في تلك السنة  أيضا الأب دوناسيان كوليه الذي كان طبيباً ولقد قدم الأب لويس ليون الثروة التي ورثها بعد وفاة أبيه لدعم مشاريع البناء في بناء المستوصف وتوسيع كنيسة الدير.

ثم أسس الآباء بالتعاون مع الراهبات مدرسة للفتيات وشجعوا العوائل الموصلية، بأرسال بناتهم لتعلّم التمريض واللغات وباقي العلوم، فكانت أول مدرسة للبنات في تاريخ الموصل، وقامت العوائل الموصلية المسلمة والمسيحية واليهودية المعروفة كعائلة الجليلي والجلبي والخياط والعُمَري بأرسال بناتهم لكي يتعلموا ويتثقفوا ويواصلوا مسيرة الراهبات في خدمة المجتمع. وتخرجت منها أسماء كانت لامعة بعدها في مجال الطب والصيدلة والهندسة، وعندما كنتُ في الموصل، كان لا يزال بعض كبار المدينة يذكرون بإعجاب أولئك الراهبات الأجنبيات “أهل الطيارات”، لأن غطاء رؤوسن يشبه جناحي الطائرة، بما قدّمنه من خدمات إنسانية للبلد وأهله.

وفي تلك الفترة التي أنتشر وأشتد مرض التيفوئيد وكانت الكوليرا مستمرة في الأنتشار معا، توفوا وأستشهدوا أبطال الإيمان وشهداء الرجاء في أزمنة متقاربة بعد نالت منهم الأوبئة والأمراض وأكلت جسدهم وهم في أوج شبابهم، ماتوا باذلين حياتهم على صليب الرسالة والشهادة على مثال معلمهم ومنهم في نفس عمر المسيح، شهداء محبتهم وتفانيهم وألمهم لبؤس الحال الذي كانت عليه المنطقة أنذاك ومنهم:

  • الأب جاك سكافهاوسر: توفي ودفن في دير مار ياقو سنة1/12/ 1860 إثر جولة رسولية قام بها في المناطق الجبلية، ليتفقد وضع الناس ويقدم لهم العون والمساعدة والأرشاد، مات وعمره 33 سنة على عمر المسيح.
  • الأب هياست بيسون : توفي ودفن في دير مار ياقو في يوم 4/5/1861، بعد سنة من وفاة الأب جاك. إذ أسهم في معالجة المئات من الناس الذين أصيبوا بالتيفوئيد (الوجع الحار) والذي كان قد أنتشر في الموصل ومناطق عديدة. وعندما خارت قواه النحيفة قصد دير مار ياقو للراحة، ولكن بسبب قضاءه لفترة كثيرة بين المرضى، ساءت حالته وتوفي في الدير شهيد محبته للناس، توفي وعمره 45 سنة.
  • الأب بطرس دوفال : توفي في 31/7/1904 ودفن في مزار سيدة لبنان بحريصا. في حلقة قادمة سنتكلم عن الأب بطرس دوفال الذي خدم 37 سنة في العراق والذي سيصبح مطراناً لاحقاً قاصداً رسولياً على لبنان وسوريا، وقصة تمثال حريصا في سيدة لبنان الذي كان قد جلبه معه من فرنسا بهدف إيصاله لكنيسة الآباء الدومنيكان في الموصل ولكن حدث ما منعه عن تحقيق ذلك.

في هذه الأيام نسمع ونرى عبر التلفزيون الأخبار التي تأتينا من بلدان أنتشار الفايروس والتي تُذكرنا بما كان يقوموا به أبطالنا الدومنيكان، وخاصة ما يحدث في إيطاليا وبالأخص من منطقة اللومبرديا ومدن ميلانو وبيركامو، عن أطباء وممرضين بالمئات يخوضون حرباً حقيقية ومنهم من يموت وهم في صراع مع الفايروس من جهة ومع الوقت من جهة أخرى، وخاصة في عملية إعطاء الأوكسجين للمصابين، إذ أن أسوأ ما في هذا الفايروس، إنه يضرب الجهاز التنفسي ويدمره. أطباء وممرضين ينامون في المسشفيات ولا يريدون حتى أن يذهبوا ولو لساعات الى بيوتهم، لسببين أوله: لا يرديون ترك زملائهم فهناك نقص بالكوادر وحاجة لأن الأعداد المصابة كثيرة، وخاصة أن الأنتشار في إيطاليا متجه نحو ما يسميه الأطباء “قمة الموجة”، وثانياً: خوفاً من أن ينقلوا الفايروس ويُصيبوا أحبتهم أطفالهم آبائهم وأمهاتهم وأجدادهم. أثر مناشدات أطلقها أطباء إيطاليا وصل اليوم مئات الأطباء من أمريكا وبعض الدول الأوربية التي فيها الأنتشار لا يزال خفيفاً.

عن Ekhlass

شاهد أيضاً

تذكار مار ماري الجمعة 31 تموز 2020

تذكار مار ماري الجمعة 31 تموز 2020 إعلام البطريركية كما هو معلومٌ ان ماري الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *