أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / وقفة صلاة وتأمل في اسبوع الالام على ضوء ايات الكتاب المقدس

وقفة صلاة وتأمل في اسبوع الالام على ضوء ايات الكتاب المقدس

وقفة صلاة وتأمل في اسبوع الالام على ضوء ايات الكتاب المقدس

جرت العادة بأن يسمى اخر اسبوع من اسابيع الصوم الكبير باسبوع الالام.  خلال هذا الاسبوع نصلي ونتامل في اخر الاحداث التي رافقت الايام الاخيرة لحياة يسوع الزمنية والتي تكللت بقيامته المجيدة.

ان ربنا والهنا يسوع المسيح له المجد والاكرام والسجود اشار بصورة واضحة الى ما كان ينتظره خلال الاسبوع الاخير من حياته الارضية، نراه يتكلم امام تلاميذه عن الامه وصلبه وقيامته كما جاء في الانجيل المقدس، لنسمع ونتامل:”وبدا يسوع في ذلك الحين يظهر لتلاميذه انه يجب عليه ان يذهب الى اورشليم ويعاني الاماً شديدة من الشيوخ وعظماء الكهنة والكتبة ويَقتل ويقوم في اليوم الثالث”(متى16/20). نعم ان يسوع كان يعي وعياً كاملاً بأن ساعة الامه وموته قد اتت وقبلها بكامل حريته لانه رائ فيها ارادة الاب السماوي الذي ارسله من اجل خلاص العالم. حينما كان يصلي في بستان الزيتون قبل ان يلقي اليهود القبض عليه قال :”يا ابتاه، لتكن مشيئتك لا مشيئتي”(لوقا 22/42).

نقرأ في الانجيل المقدس، بأن ربنا والهنا يسوع المسيح في اليوم الذي سبق موته على الصليب اي يوم خميس الفصح، وهب لنا ذاته في سر القربان المقدس ليبقى معنا حتى نهاية العالم. لنسمع ونتأمل:”وبينما هم يأيكلون اخذ يسوع خبزاً وبارك ثم كسره وناول تلاميذه وقال: خذوا فكلوا هذا هو جسدي، ثم اخذ كاساً وشكر وناولهم اياها قائلاً:اشربوا منها كلكم فهذا هو دمي دم العهد الجديد يراق من اجل جماعة الناس لغفران الخطايا”(متى26/28).

هذه الايات توكد لنا بأن سر القربان المقدس الذي هو احد اسرار الكنيسة السبعة وصلنا من ربنا والهنا يسوع المسيح نفسه وليس من اختراع الكنيسة ومن خلال هذا السر الذي نحتفل به كل يوم يوم احد اراد ان يكشف محبته لنا وبأنه يرافقنا طيلة مسيرتنا الارضية لحين بلوغنا اليه ومشاركتنا في الوليمة السماوية التي اعدها لنا.”ها انذا معكم طوال الايام الى نهاية العالم”(متى 28/20).

لذلك اشتراكنا في الذبيحة الالهية يجب ان يسبقه استعداداً لائقاً وان يكون علامة بارزة على ايماننا الثابت بحضور يسوع المسيح الحقيقي في البرشانة المقدسة التي هي جسده الحي والممجد وايضا علامة حبنا له ورجاءنا به. اذا لم تتوفر هذه الامور فأن تناولنا يكون باطلاً وسوف نحاسب عليه في اليوم الاخير. لنسمع ونتأمل بما يقوله بولص الرسول حول هذا الموضوع:”فمن اكل خبز الرب او شرب كأسه ولم يكن اهلاً لها فقد اذنب الى جسد الرب ودمه. فليختبر الانسان نفسه ثم يأكل من هذا الخبز ويشرب من هذه الكأس. فمن اكل وشرب وهو لا يميز جسد الرب اكل وشرب الحكم على نفسه”(1قورنثس 11/ 27-29).

اما يوم الجمعة العظيمة، فأن الكنيسة المقدسة تحتفل بخشوع كبير بارتفاع يسوع على الصليب وموته المقدس لاجل خلاصنا وخلاص البشرية جمعاء، لنتذكر بان يسوع كان قد قال:”ليس لاحد حب اعظم من ذلك الذي يبذل نفسه في سبيل احبائه، وان حبة الحنطة التي تقع في الارض ان لم تمت تبقى وجدها واذا ماتت اخرجت ثمراً كثيراً، والراعي الصالح يبذل نفسه في سبيل خرافه”(يوحنا 15/13، 12/24، 10/11). نعم، يسوع على الصليب جسدَ وعاش المحبة بعمله الفدائي، اي ببذل حياته من اجل خلاص العالم، انه لم يكتفي بالكلام عن المحبة بل مارسها في كل حياته الارضية حتى الموت على الصليب.

نحن غالباً مانتكلم عن المحبة لكن لا نمارسها في حياتنا اليومية، المحبة التي تكتفي بالكلام فقط ولا تترجم الى اعمال فأنها ليست حسب الانجيل ولا قيمة لها.

ان الكنيسة المقدسة امنا ومعلمتنا، تدعونا يوم الجمعة العظيمة الى ان نرفع عيوننا نحو الصليب المقدس وننظر نظرة ايمان وحب ورجاء الى ذلك الذي طعن بالحربة، كما ورد بالكتاب:”سينظرون الى من طعنوه”(يوحنا 19/37)، ولنتأمل ايضاً فيما قاله يوحنا المعمذان حينما رائ يسوع قادماً اليه:”هذا هو حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم”(يوحنا1/29). نعم، نحن نؤمن بأن يسوع بموته على الصليب غفر خطايانا ومنحنا نعمة الخلاص والحياة الابدية، موته هو شهادة حية وملموسة على محبته اللا متناهية لنا، لكنه من على صليبه المقدس يدعونا الى التوبة والعودة اليه بقلب نادم على الخطيئة. لنتذكر ونتأمل فيما قاله حينما بدأ حياته العلنية ورسالته التبشيرية:”توبوا قد اقترب ملكوت السماوات”(متى4/17). نعم، تأملنا في موت يسوع ربنا والهنا يجب ان يخلق فينا حب التوبة والعيش حسب تعاليم الانجيل الخلاصية. من دون التوبة الحقيقية النابعة من القلب موت يسوع لا ينفعنا شيئاً، انه مات من اجلنا لكي نحيا حياة جديدة، حياة النعمة، حياة بنات وابناء الله، لنتأمل ايضاً في احدى الكلمات التي لفظها يسوع وهو معلقاً على خشبة الصليب حينما قال:”انا عطشان”(يوحنا 19/28)، لنتساءل قائلين، كيف يعطش يسوع وهو الذي قال للمراة السامرية :”من يشرب من هذا الماء يعطش ثانية، واما الذي يشرب من الماء الذي اعطيه انا اياه فلن يعطش ابداً، بل الماء الذي اعطيه اياه يصير فيه عين ماء يتفجر حياة ابدية” والذي قال ايضاً:”ان عطش احد فليقبل الي ومن امن بي فليشرب”(يوحنا 4/13-14، 7/37-38). لعلنا نجد جواب هذا السوال في مكان اخر من الانجيل حيث يسوع يقول:”جئت لالقي على الارض ناراً، وما اشد رغبتي ان تكون قد اشتعلت”(لوقا12/49) لا ننسى ان النار هي احد رموز الروح القدس في الكتاب المقدس، هذا مانقراه في سفر اعمال الرسل الذي يروي لنا حادثة نزول الروح القدس على الرسل اذا يقول:”ولما اتى يوم الخمسون كانوا مجتمعين كلهم في مكان واحدة، فانطلق من السماء بغتة دوي كريح عاصفة، فملا جوانب البيت الذي كانوا فيه، وظهرت لهم السنة كأنها من نار قد انقسمت فوقف على كل منهم لسان، فامتلاوا جميعاً من الروح القدس”(اعمال الرسل 2/1-4). اما الروح القدس كما يعرفه اباء الكنيسة فهو تلك المحبة الازلية التي تجمع الاب والابن اي انه جوهر الحياة الالهية والتي يشترك فيها اقانيم الثالوث الاقدس، وذلك لان الله محبة (رسالة يوحنا الاولى 4/8، 16). نعم، ان عطش يسوع هو ان يرى هذه النار اي نار المحبة الالهية قد اشتعلت وولجت كل القلوب كي لا يحرم احد من نعمة الخلاص والحياة الابدية التي استحقها لنا بالامه وموته وقيامته، كما انه ينتظر منا نحن المؤمنين به واعضاء جسده المقدس اي الكنيسة المقدسة، ان نكون الاوائل في نشر هذه النار المقدسة من خلال صلاتنا واعمالنا وشهادة حياتنا. انه يقول لنا في انجيله الطاهر:”انتم نور العالم……هكذا فليضئ نوركم للناس ليروا اعمالكم الصالحة فيمجدوا اباكم الذي في السموات”(متى 5/14-16)

لنصل الى الروح القدس لكيما لا تنطفئ هذه النار المقدسة التي اضرمها في قلبنا يوم عماذنا المقدس لكي نستطيع نحن ايضاً ان نضرمها في قلوب الاخرين، وهكذا نروي عطش ربنا والهنا يسوع المسيح.

اما يوم سبت النور الذي يسبق احد القيامة، اي اليوم الثالث، فأن الكنيسة المقدسة تدخل في صمت عميق متأملة موت راعيها الصالح بخشوع ووقار، منتظرة برجاء كبير بزوغ فجر الاحد لكيما تصرخ بكل قوتها وبفرح عميق: المسيح قام، حقاً قام له المجد والاكرام والسجود الى الابد، امين.

نعم، نحن المسيحين، نؤمن ايماناً ثابتاً وغير متزعزعاً بأن يسوع حقاً قام من بين الاموات وهو بكر الذين ماتوا وبقيامته وهب رجاء القيامة لكل الذين يؤمنون به، قال له المجد:”ان كل من رائ الابن، وامن به كانت له الحياة الابدية، وانا اقيمه في اليوم الاخير”(يوحنا6/40) وايضاً قال:”الحق الحق اقول لكم: من سمع كلامي وامن بمن ارسلني فله الحياة الابدية ولا ياتي الى الدينونة بل قد انتقل من الموت الى الحياة”(يوحنا5/24) وقال ايضاً:”من اكل جسدي وشرب دمي فله الحياة الابدية وانا اقيمه في اليوم الاخير”(يوحنا6/54). ان يسوع بقيامته من بين الاموات يريد ان يقول لنا بأن الموت ليس اخر حدث سوف نصادفه في حياتنا والقبر ليس اخر مكان سوف نوضع فيه، لان الله الذي هو محبة خلقنا لكي نعيش معه حياة ابدية ملؤها السعادة والسلام الدائم، انه اله الاحياء وليس اله الاموات(راجع متى 22/32). فلنسمع ونتأمل بما يقوله يسوع:”ياأبت، ان الذين وهبتهم لي اريد ان يكونوا معي حيث اكون فيغاينوا ما وهبت لي من المجد لانك احببتني قبل انشاء العالم”(يوحنا 17/24) وهو يقول لنا ايضاً “لا تضطرب قلوبكم، تؤمنون بالله فأمنوا بي ايضاً، في بيت ابي منازل كثيرة ولو لم تكن، لقلت لكم اني ذاهب لاعد لكم مكاناً؟ واذا ذهبت واعددت لكم مكاناً، ارجع فأخذكم الي لتكونوا انتم ايضاً حيث انا اكون”(يوحنا14/1-3).

طبق هذه الايات، يسوع يريدنا ان نكون معه لنشاركه المجد في ملكوت الاب السماوي، وهذه هي بشرى عظيمة جداً جداً يجب ان تهيئنا لنستقبل الموت لا بالخوف والفزع بل بأيمان كبير ممزوج بفرح عميق لان يسوع المسيح ربنا والهنا وعدنا بالقيامة وهو وفي وامين لوعده،

يطيب لي ان انهي هذا التامل بترتيلة ((لاخومارا دخلا مودينن، لاخ ايشوع مشيحا مشبحينن، اتو منحمانا دبغرين، واتو باروقادنوشاثن)) التي نتلوها كل يوم في القداس الالهي وبقية صلواتنا الطقسية، المنسوبة الى الشهيد الكبير البطريرك الجاثليق مار شمعون برصباعي والتي تعبر عن ايمانه وايمان رفاقه الشهداء بالقيامة من بين الاموات والذين اعدمهم شاهبور الثاني ملك الفرس في القرن الرابع الميلادي، وذلك من اجل بقائهم ثابتين غلى ايمانهم بيسوع المسيح الحي والمنتصر على الموت.

لنصلي ونطلب الى الروح القدس لكي تظهر في حياتنا الزمنية علامات القيامة والحياة الجديدة ويؤهلنا لكي نموت موتاً يتمجد به يسوع ربنا والهنا

ارجو من الذين يقرأون هذه الاسطر ان يصلوا من اجلي كي اعيش ما تبقى لي من الحياة على هذه الارض بالايمان والرجاء والمحبة وشهادة الحياة حتى النهاية، مع الشكر ولنبق متحدين بالصلاة، رباط المحبة الذي لا ينقطع

+ رمزي كرمو

اسطنبول 24/03/2020

عن Maher

شاهد أيضاً

سلسلة جثالقة – بطاركة كنيسة المشرق – الحلقة السابعة

سلسلة جثالقة – بطاركة كنيسة المشرق – الحلقة السابعة الكاردينال لويس روفائيل ساكو   أحَّا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *