أخبار عاجلة
الرئيسية / اخبار البطريركية / سلسلة جثالقة – بطاركة كنيسة المشرق – الحلقة 13

سلسلة جثالقة – بطاركة كنيسة المشرق – الحلقة 13

سلسلة جثالقة – بطاركة كنيسة المشرق – الحلقة 13

الكاردينال لويس روفائيل ساكو 

البطريرك يوسف الأول (552 – 567 وتوفي سنة 570)

إنقسام آخر مؤلم

كان يوسف طبيباً ماهراً، درس في بلاد الروم، حيث أمضى سنواتٍ عديدة. ولما رجع الى البلاد، بقي ردَحاً من الزمن في نصيبين للدراسة الكنسية. وعاد الى العاصمة (المدائن)، حيث تمكن من إقامة علاقات متينة مع الحكّام وعُليَّة القوم من خلال ممارسة تخصصه. أشرف يوسف على معالجة الملك كسرى أنوشروان ((579-531 من مرضه وشفاه. لذلك وإعترافاً بجميله، ألزم الملك الأساقفة باختياره بطريركاً بعد وفاة مار آبَّا عام 552. وحصل هذا في شهر شباط من نفس السنة، ولا نعرف لون قبَّعته.

 يبدو ان البطريرك الجديد أظهر في البداية غيرة كبيرة على الكنيسة، لكن بعده ازدرى بالاساقفة وتكبَّر عليهم. يذكر عمرو انه “دبَّر البيعة ثلاث سنوات أحسن تدبير، وبعد ذلك تغيَّر” (المجدل41-42).

طلب الأساقفة من البطريرك الجديد عقد مجمع عام لتدارس أوضاع الكنيسة وتطبيق قوانين مجمع مار آبا سنة 544، والنظر في تحديد صلاحيات البطريرك وسلطة الأساقفة، ووضع حدّ لتدخل العلمانيين ومسؤولي الدولة في الشأن الكنسي الداخلي، لكن البطريرك تماطل.

في النهاية إستجاب البطريرك لالحاحهم، وعقد مجمعاً1 في ساليق (المدائن) سنة 554، حضره فضلاً عنه أربعة رؤساء أساقفة و13 اُسقفاً، لكن مجموع من وقّع على أعمال المجمع هو 36 اُسقفاً، على الأرجح وقَّعوا عليه لاحقاً. تطرق المجمع الى قانون إيمان كنيسة المشرق، نافياً إتهامها بالإيمان “بمَسيحَين: إلهي وبشري”. وأشاد آبآء المجمع بانجازات مار آبّا، كما تطرَّقوا الى المركزية في الكنيسة وسلطة البطريرك على الأبرشيات، وتحديد سلطة الأساقفة،  ومنع تدخل العلمانيين ومسؤوليّ الدولة في إختيار الرئاسات.

شرَّع المجمع 23 قانوناً في  الشؤون الكنسية: تنظيم رسامة القسس وتعيينهم، وكذلك إختيارالأساقفة، ومنع الأساقفة من  الإستيلاء على كرسي أبرشية اُخرى، وتحريم توريث أملاك الكنيسة وأموالها لأولادهم وزوجاتهم حتى “لا يذهب خير الكنيسة الى غيرها”، خصوصاً ان عدداً من اعضاء الاكليروس كان من أصلٍ مجوسي. وعالج المجمع وضع الأساقفة والكهنة المخالفين، وأخضعهم لفترات توبة قاسية. من المؤسف ان هذه القوانين لم تطبَّق على أرض الواقع،  وبقيت الفوضى تسود الكنيسة بسبب حالة تنافس الأساقفة على الكراسي والانشقاقات، واللجوء الى السلطة المدنية لحل مشاكلهم، كما سنرى في اختيار بطريرك جديد والبطريرك يوسف  لا يزال على قيد الحياة.

اعتمد البطريرك كثيراً على علاقته بالسلطة المدنية، فعامل الأساقفة بشكل مهين. تذكرالمصادر أنه القى شمعون مطران الأنبار في السجن حيث توفي، وطرد حزقيال ،(البطريرك الذي خلفه) اسقف الزوابي (النعمانية)، وملكا اُسقف ديركرد (فارس)، وأقام مكانهم أساقفة آخرين. وعاقب بعض القسس بحلق رؤوسهم وربطهم بالمعالف. ويروي التاريخ السعردي أخبارا مُخجلة عن تعامله مع من هم تحت سلطته2.

يسمّي المؤرخ ماري البطريرك يوسف بـ”المقثرس” اي المحروم (المجدل ص53)، لكنني أستغرب من هذا الوصف، لان وردت عبارات طيبة جداً في خطابه لمناسبة إفتتاح مجمعه: “الى إخوتنا المحترمين، محبّي الله.. محبُّكم المشتاق لرؤيتكم العزيزة، يوسف عبد الكل وخادمهم… بنعمة الله وشركة وإتفاق الأساقفة ورؤساء الأساقفة جميعاً، أؤتمنتُ برحمة الله جاثليقاً وبطريركاً، مع اخوتكم ومحبيكم الأساقفة الذين معنا في المقاطعة الكبرى للكرسي البطريركي والأبوي الذي في كنيسة كوخي العظمى سلوقية وقطيسفون، بالمسيح رجاء حياتنا، حفظكم من كل الاخطار، [لكم] سلام عظيم” (الاب حبي، المجامع ص 395).

أمام هذه الحالة المتشنجة، وجَّه فريقٌ مهم من الأساقفة رسالة شديدة اللهجة الى البطريرك  مستقبحين تعامله، ومطالبينه الالتزام بالقوانين الكنسية واحترامهم، لكنه لم يبالِ. وارسلوا وفوداً اليه، الّا انه لم يرد عليهم.

أخيراً اضطر الأساقفة الى اللجوء للبلاط لحل مشاكلهم من خلال وساطة طبيب متنفذ في البلاط يدعى موسى (قد يكون هو نفسه الذي رأيناه في اختيار البطريرك بابي، وكان من اقربائه). ويتكرر مشهد تدخل المسيحيين المتنفّذين في البلاط في إختيار البطاركة حتى في العهد العباسي. فأمر الملك بعزل البطريرك يوسف سنة 567 وبانتخاب حزقيال اُسقف الزوابي الذي كان يوسف قد طرده. ومن جديد انشقَّت الكنيسة، اذ إعترض أساقفة آخرون  على قرار العزل، مما دفع الملك لتعليق صلاحيات البطريركين حزقيال ويوسف. وأدار الامور في هذه الفترة “حامي الكرسي-ܢܛܘܪ ܟܘܪܣܝܐ) ماري، اُسقف كشكر. مات يوسف البطريرك سنة 570 في الانبار (فيروز آباد) ودُفن فيها، وخلَّفه حزقيال.

 يقال ان وباءً (ܡܘܬܢܐ) انتشر في زمانه وحصد ارواح  الكثيرين واستمر الى زمن حزقيال.

حزقيال (570-581)

 حزقيال تلميذٌ لمار أبّا الكبير. كان طويل القامة وشيخاً جليلاً. وقبيل أن يصبح اُسقفا على الزوابي ، كان يعمل خبازاً عند البطريرك آبَّا (عمرو، المجدل ص 439). كان حزقيال يجيد اللغتين الفارسية والسريانية. ورقّاهُ مار آبّا الى اُسقفية الزوابي (النعمانية).

تذكربعض الروايات ان الملك كسرى انوشروان أرسل حزقيال الى البحرين بحثاً عن اللاليء، وأفلح في جلبها، مما وثَّق علاقته بالبلاط. بعده قام البطريرك يوسف بطرده من كرسيّه وتعيين اُسقفٍ غيره.

على اثر استفحال الانقسام في الكنيسة وكثرة تشكّي الأساقفة، أمر الملك انوشروان بعزل يوسف واختيار حزقيال بطريركاً مكانه، لكن الوضع لم يهدأ فعمَدَ الملك الى تجميد حزقيال الى حين وفاة يوسف (+570). وكان حزقيال يرتدي قبعة خضراء. استقامت الامور نوعا ما في زمن حزقيال، لكنه فقَدَ بصرَه في أوآخر عمره مما أثَّر على طباعِه وتعامله مع الأساقفة.

 زار البطريرك الجديد سنة 573 مدينة نصيبين بمعية الملك آنوشروان، وأطَّلع على سير الامور في أكاديمية نصيبين اللاهوتية.

اثر تفشي وباء (ܡܘܬܢܐ) في المنطقة منذ أوآخر سني البطريرك يوسف، قام حزقيال بدعوة الناس الى الصيام والصلاة لمدة ثلاثة أيام ونظَّم الصلوات وسماها “باعوثا نينوى” تيَمُّناً بالصوم الذي ورد في سِفرالنبي يونان. يقال انه في اليوم الثالث اختفى الوباء تماماً. ولا تزال كنيستنا الى اليوم تمارس هذا الصيام وهذه الرتبة بانتظام تعبيراً عن التوبة وطلباً لمغفرة الله ورحمته.

اهم ما قام به حزقيال هو أنه عقد مجمعاً عاماً في شباط سنة 576 وشرَّع 39 قانوناً (شابو ص 378-389 وحبي 320-346)، تتعلق بالايمان والعقيدة (الثالوث والتجسد والفداء) ومحاربة بدعة المصلين3 وتحريم السيمونية (بيع المقدسات) وتنظيم امور الكنيسة وأموالها وتعيين القيِّمين عليها. هذه القوانين تكرار لقوانين المجامع السابقة.

مات حزقيال سنة 581 في الحيرة ودُفن فيها.

____________

1Chabot, Synodes Nestoriens , Paris 1902, pp 352-357 الاب يوسف حبي، مجامع كنيسة المشرق ( ترجمة) الكسليك- لبنان 1999 ، ص 295

2 التاريخ السعردي جزء 2 ص 85-86

3 المصلّون (ܡܨܠܝܐܢܝ (Messalianism بدعة خطيرة تشوه الصلاة. بدأت في مطلع القرن الخامس وانتشرت سريعا بين الناس وبعض النُخب الروحية وفي مناطق عديدة. كان مروِّجوها متجولون يعتقدون ان الشر مستفحل في العالم، وللقضاء عليه لابد من التجرد الكامل من خيرات العالم وممارسة الصلوات الطويلة حتى تتمكن النفس من بلوغ حالة الكمال الروحي، عندها لا يبقى ما يحسب انه خطئية، فتنتفي الحاجة الى الصوم والصلاة، مما فسح المجال للانغماس في لذات الجسد. حرم مجمع افسس 435 هذه البدعة واعتبرها هرطقة.

 

 

عن Ekhlass

شاهد أيضاً

Church of the East and the National Theme

Church of the East and the National Theme Cardinal Louis Raphael Sako We hear from …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *