أخبار عاجلة
الرئيسية / اخبار البطريركية / سلسلة جثالقة – بطاركة كنيسة المشرق – الحلقة الخامسة عشرة

سلسلة جثالقة – بطاركة كنيسة المشرق – الحلقة الخامسة عشرة

سلسلة جثالقة – بطاركة كنيسة المشرق – الحلقة الخامسة عشرة

الكاردينال لويس روفائيل ساكو 

البطريرك سبريشوع الأول (596-604)

اتسمت سياسة الملك كسرى أبرويز بالتسامح مع رعاياه من المسيحيين. ويُذكر أن سبب هذا التحول يعود إلى موريقي ملك الروم، الذي سانده على تولّيه العرش عوض أبيه هرمزد الرابع، وعرفاناً بهذا الجميل، تعامل مع المسيحيين بالطيبة. كما لعبت إحدى زوجاته، شيرين المسيحية دوراً في التأثير على الملك من أجل ان يمارس المسيحيون شعائرهم الدينية بِحرّية.

حين اجتمع الأساقفة لاختيار خَلَف للبطريرك ايشوعياب الارزني، وجدوا أمامهم خمسة مرشحين، لكن الملك فضَّلَ اختيار سبريشوع اُسقف لاشوم (مدينة قرب داقوق في محافظة كركوك) الذي كان غائباً عن المجمع، فاُحضر ونُصِّب بطريركاً في كنيسة كوخي العظمى، وارتدى قبعة خضراء. حدث ذلك يوم خميس الفصح في 19 نيسان 596. ولِكبر سن البطريرك الجديد، عُيِّنَ له اُسقف معاون، هو ميلس اُسقف سنا (الواقعة على نهر دجلة).

 يقول عمرو: “كان شيخاً، قصيرَ القامة، ضعيفَ الجسم، قديساً فاضلاً، ابن رجل راعي غنم، من بلد باجرمي من قرية فيروزآباد” (المجدل ص 49). تُضيف بعض المصادر انه هو نفسه كان راعياً! التحق سبريشوع بمدرسة نصيبين، ودرس فيها، ثم رُسِمَ اُسقفاً على لاشوم.

وقد كتب حياته1 الراهب بطرس من دير بيث عابي (في منطقة عقرة شمال العراق) ونشرها الأب بولس بيجان ضمن سيرة البطريرك يهبالاها الثالث في ليبسيك – ألمانيا سنة 1895. ويبدو أن القصة مطعَّمة ببعض الخيال!

استثمر البطريرك الجديد علاقته مع البلاط الملكي وبخاصة مع الملكة شيرين، لإصلاح الكنائس المهدَّمة وتشييد غيرها.

عقد سبريشوع مجمعاً عاماً في شهر آيار 596، للتداول في شؤون الكنيسة وإصلاح أحواله (نشر اعماله شابو 452-470، حبي 442-457). تدارس فيه الآباء عقيدة كنيسة المشرق خصوصاً ما يتعلق بلاهوت المسيح. فشدَّدوا على طبيعتَيه والشخص الواحد، وشرحوا تبادل الخصائص فيه. كما أكد المجمع على أهمية تعليم ثيودورس، واعتماد تفسيره في كنيسة المشرق (هذا تكرار لما جاء في مجمع ايشوعياب الارزني)، وشنّ المجمع أيضاً حملة شديدة على بدعة “المصلين” التي عاثت فساداً في الكنيسة. وتناول الآباء خطورة قدوم مجموعة من المونوفيزيين (الطبيعة الواحدة) الى المملكة الفارسية، بسبب طردهم من قِبل الامبراطور الروماني زينون Zeno (474-491)، لرفضهم مرسوم الاتحاد Henoticon))، الذي أعلنه في تموز 482، وأسَّسوا لهم أبرشية في تكريت، ورُسِم “أحودامه” مطراناً لهم سنة 559. ازدهرت هذه الابرشية وغدت مفريانيّة. ومن أبرز مفريانيها العلامة الكبير غريغوريوس ابن العبري (1226-1286) الذي قبره في دير مار متى قرب بلدة بعشيقة في شمال العراق. كذلك شدَّد المجمع على أهمية دور “كنيسة كوخي العظمى”.

حصلت مشاكل في مدرسة نصيبين بين تيار المحافظين – التقليديين والمجددين بقيادة المعلم حنانا الحديابي2، الذي انتقده آباء المجمع. كما كان للبطريرك سبريشوع مشاكل مع غريغور مطران نصيبين ذي النفوذ الكبير نظراً لأهمية أبرشيته، ولوجود مدرسة نصيبين تحت سلطته، وهي أهم مؤسسة كنسية تربوية. على اثر هذه الصراعات، طلب ثلاثة أديار في منطقة سنجار (برقيطي) ان تكون أديارهم مرتبطة مباشرة بشخص البطريرك، وليس بالاسقف المحلي. قَبِلَ سبريشوع هذا الطلب خلافاً للأعراف المتبعة، حيث الاُسقف المحلي هو المسؤول عن الأديار الموجودة في حدود أبرشيته.

رافق سبريشوع الملك كسرى في حملته العسكرية ضد الروم سنة 603-604 وبسبب الشيخوخة وتعب الطريق وحرارة المناخ، توفي في نصيبين، يوم الأحد 4 آب 604 ودُفن فيها. يقال أن رُفاته نُقِلَت الى مقبرة البطاركة في الحيرة، عاصمة إمارة المناذرة المسيحية. رُفعَ سبريشوع الى مصاف القديسين في كنيسة المشرق.

 

غريغور (605-608)

ولد غريغور في بلدة بسمي ܒܣܡ̈ܐ (العطور) في مقاطعة ميشان، تلقّى علومه في مدرسة ساليق على يد المعلم “إيشاي”، ثم صار هو نفسه معلماً فيها.

بعد موت سبريشوع، أراد كسرى أن يُعيِّن الراهب “برحذبشبا” بطريركاً، لكن الأساقفة رفضوا، وأقنعوه باختيار غريغور، مطران نصيبين، المناوئ لحنانا رئيس مدرسة نصيبين، والذي رفضته الملكة شيرين هو الآخر، وأتت بغريغور المعلم في مدرسة ساليق، وقبِلَ به الملك.

 كان غريغور “شيخا تام القامة، حسن الصورة، ملفاناً من أهل ميشان” (عمرو ص 51). رُسِم في المدائن في شهر نيسان سنة 605 وعليه قبعة حمراء. يبدو أنه كان جشعاً يبحث عن المال، فابتعد عنه الناس (ماري، المجدل ص 60).

عقد البطريرك الجديد مجمعاً للأساقفة في ربيع 605 (نشر أعماله شابو 471-479، وحبي 463-472)، وحضره 26 اُسقفاً، فضلاً عن البطريرك نفسه. جدَّد المجمع الحرم الذي كان مجمع سبريشوع قد رشق به المعارضين على تعليم كنيسة المشرق الرسمي، وأكد تمسكه بشكل علني بتعليم ثيودوروس المصيصي، واعتماده في التدريس. كما قرر المجمع استخدام ثلاث تراتيل في الليتورجيا تنسب لنرساي الملفان (+503)، ولا نزال نستعملها اليوم:

  1. ܬܘܕܝ ܠܛܒܐ.. حمد للصالح، في حين شبيهتها ܫܘܒܚܐ ܠܛܒܐ المجد للصالح تعود الى ابراهيم النثفري (القرن السادس)3
  2. ܢܘܗܪܐ ܕܕܢܚܗ ܕܡܫܝܚܐ…. ܛܘܥܝܝ ܒܕܡܘܬ ܚܫܘܟܐ أشرق نور تجلي المسيح، في حين ܢܘܗܪܐ ܕܢܚ ܠܙܕܝܩܐ.. أشرق النور على الابرار والفرح على مستقيمي القلوب هي لمار أفرام. والاثنتان تُرتَّلان في صلاة صبح الآحاد والأعياد.
  3. ܟܠܢ ܒܕܚܠܬܐ ܘܐܝܩܪܐ.. كلنا بالتقوى والوقار، تتلى في القداس ضمن رتبة التوبة استعداداً لتلاوة صلاة : “الأبانا” وتناول القربان.

هذه المعلومات عن النصوص الليتورجية، أي معرفة مؤلفها وزمنها، مهمة جداً لعملية التأوين والتجديد. كذلك تطرَّق المجمع إلى أوقاف الكنيسة، وحدود الأبرشيات، وسُلطة الأساقفة.

واجه غريغور مضايقات من كسرى، ومن طبيبه جبرائيل السنجاري. وتوفي في المدائن سنة 608 ودُفن فيها. دامت بطريركيته أربع سنوات. بعده استولى كسرى على أملاك الكنيسة، ومنع الأساقفة من إختيار بطريرك جديد.

 

شغور الكرسي البطريركي (608-628)

شغر الكرسي البطريركي نحو 20 سنة بسبب قرار الملك كسرى أبرويز بمنع انتخاب بطريرك جديد. في هذه الفترة الحرجة أدار الراهب باباي الكبير (553-628) الكنيسة باقتدار وحكمة. ويعدّ باباي من مشاهير لاهوتي كنيسة المشرق. ولد في قرية بيث عيناثا4 وتلقَّى علومه في مدرسة نصيبين، ودرس فيها الطب ايضاً. ثم إنخرط في الحياة الرهبانية في دير إيزلا على أيام رئيسه إبراهيم الكشكري وخليفته داديشوع. وبوفاة الأخير تقلد باباي رئاسة الدير.

وبموت البطريرك غريغور طلب منه الأساقفة ان يدير البطريركية لحين سماح الملك باختيار بطريرك جديد. فأدار باباي الكنيسة ادارة رشيدة. لباباي مؤلفات عديدة أبرزها كتابه “ܚܘܝܕܐ الاتحاد” وهو كتاب لاهوتي مدرسي رسمي، حول لاهوت كنيسة المشرق5، كما لديه ترتيلة جميلة ܒܪܝܟ ܚܢܢܐ تبارك الله الحنَّان (حوذرا جزء1 ص 57-58)، تؤَدَى في زمن البشارة – الميلاد والدنح.

_____________

1 M.TAMKE, Der katholikus- patriarch Sabriso I und das Mönchtum, Frankfurt 1988, und OCA 236 Rome. 1990, pp.229ß235.

  1. تولى حنانا رئاسة مدرسة نصيبين من 572 وحتى موته سنة 610، وكان يجاهر بتعليم مختلف عن تعليم ثيودوروس المصيصي، و يميل الى تعليم القديس يوحنا الذهبي الفم (349-407)، مما خلق بلبلة في المدرسة وغادرها العديد من الطلاب، ومن بينهم بطريرك المستقبل ايشوعياب الثاني الجدالي. يذكر أن عدد الطلاب في عهد حنانا بلغ 800 طالب وكان لهم نظام تعليم، وعمل، وسكن دقيق. طالع المزيد في مدرسة نصيبين  الشهيرة، المطران أدي شير، بيروت 1905.
  2. ساكو، آباؤنا السريان، دار المشرق بيروت 2012 ص 247
  3. يذكر الأب فيي  أن بيث عيناثا  تقع في منطقة جزيرة ابن عمر (تركيا حاليا) في أعالي نهر الدجلة طالع: Fiey, Nisibe metropole syriaque orientale – et ses suffragants des origines à nos jours, CSCO 388/sub 54, Louvain 1977, p. 254-255.
  4. اما الدراسات الحديثة، وأفضل ما كتب عنه هو أطروحة الاب فيركيس جديات: The Christology of Mar Babai the Great, in OIRS, Kottayam, India,G. Chediath 1982

عن Ekhlass

شاهد أيضاً

Festa della discesa della Spirito Santo e la pandemia del coronavirus

Festa della discesa della Spirito Santo e la pandemia del coronavirus Il cardinale Louis Raffaele …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *