أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / قلب الأم مريم يحفظ، يجمع ويتأمل

قلب الأم مريم يحفظ، يجمع ويتأمل

قلب الأم مريم يحفظ، يجمع ويتأمل

الأب سمير الخوري / إينشكي  

مقدمة

في هذا الشهر المبارك والمحبب لدى الكثيرين من المسيحيين، أحببت أن أقدم بعض المقالات عن لاهوت قلب العذراء مريم وقلب أبنها يسوع ، الذي هو قلب الله من أجل البشر والخليقة. إذ إن شهري أيار وحزيران هما مخصصان للتأمل في حياة أمنا العذراء مريم أم المسيح المخلص وفي قلب المسيح الوديع لنجد راحة فيه وخلاصا. مريم التي فتحت باب الخلاص للبشرية بقبولها كلمة الله الخالقة والمخلصة، كلام الله الذي قبلته في قلبها وعقلها وفكرها، قبل أن تقبله في أحشائها. فجعلت ممكنا أن يقدس الله قلب البشر ويأخذ مكانا في تاريخنا ويُشعرنا ويُغمرنا بحبه العظيم المجاني من خلال قلب أبنه يسوع المسيح. فقول الانجيل “الكلمة صارت بشرا وسكنت بيننا ” اي صارت لحما ، ف ” بشرا” هي بالأصل ” بسر” من دون التنقيط ، فتعطي معنى اللحم والدم. فالله من خلال مريم صارا لحما ودما من خلال يسوع، إذ كتب كلماته لا على لوحين من حجر، بل كتب كلمته ” اللوغس” على قلبين من لحم .

القلب الموسوم بالألم والحب

القلب هو عضلة لحمية نحمله في صدرنا، ويحميه القفص الصدري، ويعمل كمضخة يدفع الدم في الجسد كله انقباضا وانبساطا. ولكي يكون هناك حياة يجب أن ينبض القلب وعندما يتوقف يحصل الموت. فالحياة تقف من دون وظيفته المهمة والرئيسية في نقل الدم وضخه وأرساله الى الأعضاء التي تنقيه وتصفيه وتجعله ناقلا للغذاء والأوكسجين ، فالدماغ والمخ يموتنان من دون وظيفة القلب . هو عضو من اللحم، فإذا مائت، ولكن بسبب الوظيفة التي يقوم بها يولى معنى الحياة ويرمز للحياة. هو باختصار مكان المشاعر والعواطف، الأفكار والتاثرات، العلاقات والقرارت لذلك يرمز الى الحب والأرادة. ولكن للقلب أنواع وممكن القول حالات. فيوجد قلب اناني و قلب غير اناني. يوجد حالات للقلب : قلب مغلق – وآخر مفتوح ، قلب تملكي – صنمي ، أسير- حر ، مسرور ومغبوط- حزين- منقسم – كامل .

هذه هي الميول والتوجهات التي تنير الوجه والجانب الرمزي للقلب ، حتى في الكتاب المقدس.  فنجد سليمان يطلب من الله أن يعطيه  “قلبا فهيما، قلبا مطيع” ، “مستقبلا” قلب حكيم وذكي”، قلبا قادرا على أن يميز بين الخير والشر ، لكي يقدر أن يحكم شعب الله . (1 ملوك 3: 7-14) . فأعطاه الله ” قلبا حكيما ومميزا”.

وعلى فم حسقيال يعد الله : “ساعطيكم قلبا جديدا، وانزع قلب الحجر من لحمكم، وأعطيكم قلب لحم ” (حز36 ،26). الأنبياء يتكلمون عن قلب متصلب، عنيد، غير مخلص ، أو يتكلمون عن قلب تقي ، نقي ، مطيع حي. أرميا يتلكم عن قلب من السنة اللهب : ” فكان في قلبي كنار محرقة محصورة في عظامي ، كنت أحاول أمساكه ولم أستطيع” (أرميا  9:20).

إن قلب يسوع يُكلمنا عن حبه : ” تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب” (متى 29:11) ، ولكن أيضا يكلمنا عن الماساة التي أجتازها: “واحد من الجنود طعن جنبه بحربة، وللوقت خرج دم وماء” (يوحنا 34:19). وكذلك قلب مريم يُكلمنا عنها : “وأنت أيضا سيجوز سيف في نفسك (قلبك)” (لوقا 35:2). يبلغها بهذا شمعون الشيخ مكلما اياها عن أتحادها ومشاركتها في الام الأبن، فقلب الأم والأبن مرتبطان ومتحدان في مستويات عديدة ولقد ولدتنا مريم جميعا بالألم والحب. فمن قلب مريم نشأ الجواب الذي غير مصير العالم : “هأنذا أمة للرب” ، وهكذا كل الأجوبة الأخرى التي خرجت من قلبها، من أفكار وأختيارات ، أقتراحات ، وصلوات. إن قلب مريم مصبوب ومتمثل في قلب المسيح. وهذا جعلها تستحق لقب ” شريكة في الفداء”.

الأسم يشرح فعل القلب

وحتى أسم  مريم يكلمنا عن شخصها وحياتها وفعلها الإيماني الذي عاشته في قلبها  فاسمها اسم آرامي مزجي مرخم أصله (ماري + أما) والمقطع الأول يعني بالآرامية (الرب)، والمقطع الثاني (أما) ويعني بالآرامية ما تعنيه (الأمة) بالعربية أي ” الخادمة” ، فيكون الأسم: أمة الرب ، قدم فيه المضاف إاليه على المضاف ، تعظيماً لاسم الرب، وكان ينطق في زمن المسيح : (ماريأما) كاملاً ، ولكن المزجية سهلت الهمزة، فأصبح ماريما ، ثم رُخم بحذف ألف المد الخاتمة ، فأصبح مريم طبق الأصل من نطقه اليوناني (Mariam) في الأناجيل اليونانية ، وهكذا أيضا يلفظ في القرآن.

ففي لغة الكتاب المقدس دائما الأسم يشرح شخص حامله ورسالته. وهكذا أيضا في معنى أسم “يسوع” ، الذي يعني الله يخلص. وكما يسوع هو خلاص الله للأنسان، هكذا مريم صارت حاملة ” تابوت” العهد الجديد، إذ كتب الله كلمته على قلب من لحم. فصارت هي ” كرسي الحكمة” و ” باب السماء” إذ أنشقت السماوات وسُمع صوت الله فيها. فلقبت ب” جرة المن الألهية”، مذكرة بالجرة التي حُفظ فيها بعض المن السماوي الذي جلبوه معهم الشعب الأسرائيلي ووضعوه في الهيكل.

مذود القلب

إن حفظ الأمور في القلب، أي الأعتزاز والتمسك بها وتأملها ، لن تكون فظيلة متقطعة ووقتية لأم يسوع، بل فظيلة تميز وجودها، ونرى هذا من خلال ذكر الأنجيلي لوقا مرتين له، تقريبا مع نفس الكلمات، أي الأعمال والأمور التي كانت مريم عادة تكملها وتحققها في مذود قلبها السري .

بالأحرى، تجعل مريم حضور الله كلمة متجسدة في كل كيانها. ففي ليلة ولادة يسوع في بيت لحم: عند إثارة الرعاة، الذين بعد أن رأوا الطفل يشيرون اليه وعن ما قيل فيه، مثيرين بذلك دهشة عند كل الذين كانوا يسمعون اليهم ، بينما يصنع تباينا الفعل بأن: “وأما مريم  فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكرة به  في قلبها” (لوقا 19:2) .

فقبل أن يصير كلمة الله جسدا في أحشاء مريم، فأنه وجد أستقبال وقبول في هيكل جسدها وقدس قلبها الطاهرين .هنا هي تحافظ على طابع ختم السلام المستلم من الملاك جبرائيل، صدى ذلك الحوار، فالطريق أنجز لكي يصل الى الموافقة المختومة بكلمات دقيقة : “هأنذا أمة الرب ليكن لي كقولك” (لوقا 38:1) . يعني هذا أن الذي يحدث في ليلة الميلاد في بيت لحم هو إكمال وأتمام لما بُشر به في ساعة البشارة في الناصرة.

إن الذاكرى الميلادية لمريم تركب وتجمع هكذا مجموعة من الحقائق اللاهوتية العميقة ،مؤلفة اياها بشكل متناغم مع أحداث حاضرة : البحث عن مكان “المذود”، وهنا أستباق لاهوتي لكلام المسيح عن نفسه بأن أبن الأنسان ليس له موضع يسند عليه رأسه ، وبهذا مريم تشارك يسوع منذ البداية ألام الرسالة والتجسد وألام الرفض. وثم حدث الولادة، رؤية وجه الغير المرئي، ولمس جدس صانع الأجساد، القماط واللفاف (اشارة الى كفن المسيح)، المذود الخشبي (خشبة الصليب)، يوسف المربي (يوسف أبن يعقوب مفسر الأحلام ويوسف الرامي الذي سيضعه في قبر فارغ) ، نشيدة الملائكة ( الملائكة عند القبر الفارغ)، زيارة الرعاة (يسوع الراعي الجديد الصالح لبني البشر) . (لوقا 1:2-20) .

قلب مريم الذي يجمع ويستقبل

إن حفظ مريم هو فعل لاهوتي وحياتي نشط : النص الأنجيلي يقول أن مريم كانت تحفظ جميع الكلمات والأقوال التي تقال عن أبنها يسوع وعنها، متأملة بها في قلبها ، باللغة اليونانية عبارة”sumbàllousa ” ، تعني وضعها معا، أي جمعها معا لأستخلاص فكرة ، أي تكوينها وتشكيلها معا في قلبها ، ومواجهتها ببعضها بالأخير لأستخلاص المعنى منها. فالفعل اليوناني sumbàllo  تعني ” توضع معا” و ” تجمع معا”، ومن هذه الكلمة يأتي المصطلح symbol / simbolo ، أي ” الرمز” ، أي شيء يجمع فيه المعنى و كل المعاني. كالقلب الذي هو رمز يجمع فيه معاني كثيرة منها ” الحب ” و ” الحنان” و ” القوة ” و ” الأرادة ” و ” المشاعر” وغيرها. وعكس الذي يجمع sumbàllo  هناك كلمة diabàllo  ، أي “يقسم” و “يشتت”، ومنه هذه الكلمة يأتي مصطلح واسم diavolo /evil أي الذي يقسم ويشتت الأنسان والأفكار وكل المعاني. لذلك صارت العذراء تلك المرأة التي أفشلت المجرب وداست راس الحية (تجارب الحياة)، عندما جمعت كلمة الله ومعانيها معها ولم تشتت كلامه. وسارت بأقدامها الى بيت لحم “بيت الخبز” خبز الله الذي صار لنا في يسوع المسيح.

إن التأمل الميلادي للعذراء مريم لم يشتت شيئا، ولا يهمل جرئا: كلمات سمعت وقيلت، أصوات وصمت، وجوه معروفة وأشخاص مجهولة ، نبوءة وأكتمال، أمتلاء للزمن وأنتظار للأبدية، استقبال ورفض، حضور ورجاء، لقاء السماء مع الأرض. كل هذا يجد مكانا ومجالا في قلبها الأموي والبتولي. ليس فقط عقلها يعمل، وليس فقط ذكائها وقابلياتها الذهنية، ولكن الحب الذي يملأ قلبها وفكرها وكيانها هو الذي يعمل كل شيء، ليس فقط جزءا منها، بل كل شخصها، وكل كيانها، نفسا وروحا وجسدا.

فالقلب في لغة الكتاب المقدس يشمل الكيان كله ومركزه الذي فيه تتححق المعرفة الأنجيلية الطبيعية . فالقلب هو اللوح المحفوظ ، لوح الوصايا الجديد الذي يحفظ فيه الله كلامه. المكان الذي يُعاش فيكتب، ثم يُكتب لكي يُعاش.

لنعمل لكي يتجذر في قلبنا ذاك الحب الذي كان مشتعلا في قلب مريم الطاهر لأجل أبنها يسوع المسيح مخلصنا.

عن Maher

شاهد أيضاً

خدبشبا دشبعا دشليخا (88) الاحد السابع من الرسل

خدبشبا دشبعا دشليخا (88) الاحد السابع من الرسل تث 4: 10-24 / اش 5: 8-25  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *