أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / الصلاة مفتاح كنز الانجيل

الصلاة مفتاح كنز الانجيل

الصلاة مفتاح كنز الانجيل

المطران رمزي كرمو

اسطنبول 15/06/2020

الذي يصلي يجد المفتاح، والذي لا يصلي لا يجد المفتاح.

يكلمنا ربنا والهنا يسوع المسيح له كل المجد والاكرام والسجود في انجيله الطاهر والمقدس عن (الكنز) الذي حينما وجده رجل ذهب وباع كلما له واتى ليشتريه. لنسمع ونتأمل:”مثل ملكوت السماوات كمثل كنز دفن في حقل وجده رجل فأعاد دفنه، ثم مضى لشدة فرحه فباع جميع ما يملك واشترى ذلك الحقل”(متى13/ 44).

نعيش اليوم في عالم يعج بكنوز كثيرة ومتنوعة. هناك من يجد كنزه في جمع الاموال والثروات المادية، واخر يجد كنزه في ارضاء شهواته ولذاته الجسدية، واخر يجد كنزه في البلوغ الى قمة السلطة للتسلط على الاخرين، وهناك من يجد كنزه في الحصول على الشهادات الجامعية والالقاب العلمية وغيرها…….. كل هذه الكنوز يستطيع الانسان ان يحصل عليها بذكاءه، وجهده الشخصي لكنها لا تستحق ان يتعلق بها ويضع ثقته فيها لان نهايتها الحتمية هي الزوال والندامة. لنتذكر بأن ربنا ومخلصنا يسوع المسيح قد حذرنا من غباوة الانجراف وراء هكذا كنوز والاتكال عليها، لنسمع ونتأمل:”لا تكنزوا لانفسكم كنوزا في الارض حيث يفسد السوس والعث، وينقب السارقون فيسرقون، بل اكنزوا لانفسكم كنوزا في السماء حيث لا يفسد السوس، ولا ينقب السارقون فيسرقوا، فحيث يكون كنزك يكون قلبك”(متى6/ 19- 21)، وفي رسالة يوحنا الاولى نقرأ ما يلي :”لا تحبوا العالم. من احب العالم لم تكن محبة الله فيه لان كل ما في العالم من شهوة الجسد وشهوة العين وكبرياء الغنى ليس من الاب بل من العالم. العالم يزول هو وشهواته اما من يعمل بمشيئة الله فا يبقى مدى الابد”(2/15- 17).

اما نحن المسيحيون فكنزنا الحقيقي والاوحد هو انجيلنا المقدس الذي يحوي كلام الحياة الابدية التي لا تزول ولا تفنى ولا تنقرض. لنسمع ونتأمل:”فقال يسوع للاثني عشر: افلا تريدون ان تذهبوا انتم ايضاً؟ اجابه سمعان بطرس: يارب الى من نذهب وكلام الحياة الابدية عندك”(يوحنا6/ 17- 18).

لكن ليكن واضحاً للجميع بأن العثور على مفتاح كنز الانجيل والاستمتاع به لا يتحقق فقط بذكاءنا وجهدنا الشخصي بل اننا بحاجة الى نعمة من السماء للبلوغ الى هذا الهدف السامي والغالي وهذه النعمة لا ننالها الا بواسطة الصلاة. من يصلي  ينال هذه النعمة ومن لا يصلي لا ينالها. لنسمع ونتأمل:”في ذلك الوقت تكلم يسوع فقال:”احمدك يا ابتِ، رب السماوات والارض، على انك اخفيت هذه الاشياء على الحكماء والاذكياء وكشفتها للصغار. نعم يا ابتِ هذا ما كان رضاك”(متى11/ 25- 26).

ان الصغار الذين يتكلم عنهم يسوع هم اولئك الذين تعلموا بواسطة الصلاة ان يضعوا ثقتهم الكاملة بالله ويستسلموا لارادته في حياتهم اليومية، هولاء هم الذين وجدوا مفتاح كنز الانجيل واغتنوا به. لا ننسى ايضاً بأن الذين كتبوا لنا الانجيل المقدس والذي يكشف لنا الحقيقة الكاملة والنهائية عن الله والانسان كانوا من عامة الناس واغلبهم كانوا صيادي السمك، لكن بقوة الصلاة سمحوا للروح القدس ان يقودهم ويكشف لهم معنى كل ما قاله وعمله يسوع خلال حياته الارضية ويقدموا لنا الانجيل برواياته الاربع كأسمى واغلى كنز لكل مؤمن مسيحي.

اما بولص الرسول المعلم الكبير وشهيد الحب الالهي في رسالته الى اهل افسس يقول ما يلي لنسمع ونتأمل:”اقيموا كل وقت انواع الصلاة والدعاء في الروح، لذلك تنبهوا واحيوا الليل بالدعاء مواظبين على الدعاء لجميع القديسين ولي ايضاً ليوهب لي ان اتكلم وابلغ بسرعة سر البشارة وفي سبيلها انا سفير مقيد بالسلاسل عسى ان اجرؤ على التبشير به كما يجب ان اتكلم”(6/ 18- 20).

سر البشارة الذي يتكلم عنه رسول الامم هو كنز الانجيل الذي عثر عليه بنعمة مجانية اعطيت له من السماء وهو سائر في الطريق الى دمشق ليضطهد المسيحيين (راجع اعمال الرسل9/1- 30).

بواسطة الصلاة والتأمل تعمق بولص الرسول في هذا الكنز الثمين ليكشف اكثر فأكثر جماله وغناه والفرح الذي يكمن فيه حتى انه قال:” الا ان ما كان في كل ذلك من ربح لي عددته خسراناً من اجل المعرفة السامية، معرفة يسوع المسيح ربي، من اجله خسرت كل شي وعددت كل شي نفاية لاربح المسيح”(فيلبي3/ 7- 8) وايضا قال في نفس الرسالة:”الحياة عندي هي المسيح والموت ربح”(1/ 12).

في رسالته الثانية الى اهل قورنثس يقول: لنسمع ونتأمل:”على ان هذا الكنز نحمله في انية من خزف لتكون تلك القدرة الفائقة لله لا من عندنا…….نحمل في اجسادنا كل حين موت المسيح لتظهر في اجسادنا حياة المسيح ايضاً”(4/7 و 10).

ان تاريخ الكنيسة يعلمنا بأن كل الذين وجدوا مفتاح كنز الانجيل ومن اجله تركوا كل شي وتبعوا المسيح بفرح كانوا رجالا ونساءاً جعلوا من الصلاة اليومية والمشبعة بكلام الله الحي غذائهم الاول والاساسي، لنذكر على سبيل المثال: المتصوف الكبير عاشق الصلاة والمغرم في اكتشاف سر الله والتعمق به مار اسحق القطري (النينوائي) الذي عاش في القرون الاولى، مار فرنسيس الاسيزي الذي ترك كل شي ليقتني كنز الانجيل والذي عاش في القرون الوسطى والقديسة الام تيريزا التي بواسطة الصلاة وخاصة الاشتراك في القداس الالهي اليومي جسدت في حياتها انجيل المحبة وذلك من خلال الخدمات الكثيرة التي قدمتها للفقراء والمهمشين والمتالمين في الهند وفي عدد كبير من بلدان العالم والتي عاشت في القرن الماضي.

ان احدى الميزات التي تميزت بها كنيستنا المشرقية وجعلتها ان تحمل كنز الانجيل الى شعوب كثيرة في العالم هي اهتمامها بتنشيط وتشجيع الحياة الرهبانية والمبنية على الصلاة والصمت والتأمل. يذكر لنا المؤرخون ان هذا النوع من الحياة المسيحية ازدهر ازدهاراً مذهلاً في القرون الاولى حيث كانت الاديرة مليئة باعداد كبيرة من الرهبان الذين بواسطة الصلاة والتعمق في كلام الله اكتشفوا فرح العيش حسب تعاليم الانجيل مقتدين بيسوع المسيح كنزهم الوحيد.

من المؤسف جدا ان تكون كنيستنا المشرقية فقدت اليوم موهبة الحياة المكرسة للصلاة والصمت والتأمل.

انها خسارة كبيرة واحدى نتائجها الخطيرة هي ان تنشغل الكنيسة بأمور كثيرة وتهمل او تنسى ماهو جوهري وضروري بالنسبة لرسالتها المقدسة التي اوصاها بها ربنا والهنا يسوع المسيح له كل المجد والاكرام والسجود. لنسمع ونتأمل:”مرتا مرتا، انكِ في هم وارتباك بأمور كثيرة، مع ان الحاجة الى امر واحد، فقد اختارت مريم النصيب الافضل ولن ينتزع منها”(لوقا10/ 1- 41 – 42).

“الويل لي ان لم ابشر”(1قورنثوس9/ 16). “نحن نواظب على الصلاة وخدمة الكلمة”(اعمال الرسلوذل 6/ 4).

لنصل ونحن في سابوع الرسل الذي ابتدأ بعيد العنصرة، اي حلول الروح القدس على التلاميذ ومعهم امنا مريم العذراء الدائمة البتولية وبعض الاخوة وهم يصلون في العلية، وذلك لكي نتأكد ونكون على يقين من ان النشاطات الراعوية والفعاليات الكنسية مهما كان نوعها او حجمها اذا لا ترتوي بماء الصلاة التي هي عطية الروح القدس فأنها غير مجدية ولا تستطيع ان تفتح كنز الانجيل لكي تغني به الناس وتجذبهم الى نور الايمان بالمسيح المخلص ابن الله الحي.

يمكننا ان نشبه الكنيسة التي لا تهتم باحياء وانعاش الحياة الرهبانية المبنية على الصلاة والصمت والتأمل ببستان من دون ماء، “من له اذنان ليسمع، فليسمع”.

ارجو من الذين يقرأون هذه الاسطر ان يصلوا من اجلي لكي اعيش ما تبقى لي من الحياة الزمنية بالايمان والرجاء والمحبة واعطاء الشهادة حتى النهاية.

مع الشكر ولنبق متحدين بالصلاة رباط المحبة الذي لا ينقطع.

عن Maher

شاهد أيضاً

مار توما والتطويبة العاشرة

مار توما والتطويبة العاشرة الاب بولس ساتي   إحتفلت الكنيسة الكاثوليكية عامة والكنيسة الكلدانية خاصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *