أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات /   قلب المخلص المجروح علامة عظمة محبة الله لنا

  قلب المخلص المجروح علامة عظمة محبة الله لنا

  قلب المخلص المجروح علامة عظمة محبة الله لنا

 

الأب سمير الخوري / إينشكي

مقدمة:

في هذا الشهر المخصص لأكرام قلب مخلصنا يسوع المسيح، والذي تحتفل الكنيسة  فيه أيضا بعيد الجسد وعيد القلب الأقدس، هو فرصة لكي نتعمق لاهوتيا بعظمة سر القربان المقدس وقلب المخلص الذي تجري منه ماء الحياة. إن القربان المقدس هو خبز الحياة وهو قلب يسوع الحي. إن قلب المخلص الذي طُعن بحربة هو علامة حية وملموسة على مدى محبة الله لنا ولا زالت هذه العلامة حية وحاضرة من خلال الأوخارستية. إن المجمع الفاتيكاني الثاني في وثيقة ” Gaudium et Spes “، ” فرح ورجاء” يؤكد بأن : ” في قلب المسيح لدينا الله الذي يحب، ولكن يُحب بقلب أنسان“. فيه ينبض الحب الألهي وكل الحب البشري الكامل. ندرك عندما نتـأمل فيه لماذا هذا الحب الألهي والبشري ينبغي أن ينفجر في قلب المسيح الجسدي. أنها الرحمة الألهية سبب قلبه الممزق،  وسبب قلبه المثقوب والمجروح.

مجروح بسبب جروحاتنا

 لقد صار المسيح أنسانا حقيقيا وبطواعية ” تجرد من ذاته” ومات على مثال البشر حاملا خطاياهم. وهو البريء كليا ، كإله وإنسان في وقت واحد لم يعرف الخطيئة، لكنه أختبر بألامه وموته على الصليب المعاناة الرهيبة للشر والخطيئة والفوضى: ” أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها. ونحن حسبناه مصابا مضروبا من الله ومذلولا. وهو مجروح لأجل معاصينا. مسحوق لأجل أثامنا. تأديب سلامنا عليه، وبجرحه شُفينا ” (أش 4:53-6 ). أي أن حياتنا وسلوكياتنا أحتاجت الى تأديب وتكفير لكي ننال سلام القلب والنفس، وهذا السلام تحقق بدم يسوع وبه فقط نقدر أن ننال الغفران والفرح ونحيا برجاء . لكم تعجبني كلمات ترتيلة ” جايي الفرح من جرحك”  للمرنمة اللبنانية رانيا يونس، التي تتكلم فيها عن الفرح الذي يأتي من جرح المسيح، الفرح الذي يمر بألام الموت ويتحقق بقيامة المسيح، الفرح الذي رجاءه القيامة. إنه الفرح والراحة التي نجدها في قلب يسوع، وهو بفمه يقول لنا : ” تعالوا الي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم، أحملوا نيري عليكم وتعلموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم، لأن نيري طيب وحملي خفيف”. ( متى 28:11-30 ). ويسوع قبل هذا الكلام يؤكد بأن هذه الحقيقة التي كشفها الله الآب بيسوع،  تتطلب قلوب بسيطة وأن نكون كالأطفال الواثقين بأبيهم . لذلك يشكر الرب يسوع الآب لأنه أخفى كنوز قلبه الحكماء والفهماء المتكبرين والمتكلين على ذواتهم وأعمالهم وأعلنها للذين كالأطفال  يتكلون على الله أبيهم قبل ذواتهم. والنير الطيب والهين واالذي سيكون خفيف بنعمة المسيح والذي يتكلم عنه المسيح والذي يُضع على الأعناق  ليس هو إلا الصليب ” صليب الحياة والأتباع” هو النير الطيب الذي نحمله ونتبع معلمنا ربنا يسوع المسيح.

القلب الممزق سبب موت المسيح

أن إكرام قلب المسيح والتأمل اللاهوتي به، ليس مسألة تقوية وعاطفية وحسب، بل سببه لاهوتي عميق مربوط بسر الفداء الذي تم بلحظة وحالة موت المسيح على الصليب. فالمسيح يوم خميس الفصح أستبق حدث موته بكلمات الفصح الجديد تحت شكلي ” الخبز والخمر”، وجعل نفسه هو الحمل الجديد الذي سيُذبح ويصبح دمه الذي سيسيل من قلبه ” قلب الله” مركز حبه الذي سيتمزق ويسيل منه دم العهد الجديد لغفران الخطايا.

 إن الموت العنيف الذي حدث في حالة من الوعي الكامل، مع الأرهاق الشديد، عادة يسبب حالة التخشب والموت . لذلك كانت العادة بكسر سيقان المصلوبين، ما عدا يسوع فقد طعن في جنبه الأيمن وخرج الدم بغزارة، ويكون فعلا ك ” الحمل المذبوح” والدم هذا هو الدم المتراكم في الغشاء البلوري وهذا أشارة ودليل على أن سبب الموت هو تمزق عضلة القلب. وبعد فترة وجيزة بعد الموت، تجمعت خلايا الدم الحمراء في الجزء السفلي العلوي من الغشاء. لذلك بعد طعن جنبه بالحربة تدفقت سريعا خلايا الدم الحمراء ثم تبعتها البلازمة الشفافة، فكان كما رأى وشهد وكتب القديس يوحنا الذي كان واقفا تحت الصليب هو ومريم : ” وللوقت خرج دم وماء” ( يو 34:19).

في هذه التجربة والمعاناة الرهيبة بسبب خطيئة البشر والموت، كان يسوع مطيعا للآب تماما. وبسبب هذه الطاعة المثالية تغلب على لعنة الخطيئة والموت. وصلت ألام يسوع ذروتها وقت أحتضاره على الصليب، حينها صرخ المخلص قائلا ” الهي الهي لماذا تركتني” (متى 46:27) . بآلامه يصل يسوع هنا الى المرحلة التي تعمل فيها الخطيئة المدمرة من الشعور بالترك والضياع والظلام والأبتعاد عن حنان الله، ولكن يسوع تغلب عليها بقوة محبة الأبن اللامتناهية وطاعة الآب. بمحبته الكاملة وطاعته للآب وغفارنه لصالبيه تغلب يسوع بموته وقيامته على الموت والخطيئة وأسباب الشر.

يقدم المسيح إلى كل إنسان شركة في هذا الأنتصار للحصول على معجزة مغفرة الخطايا. والأنسان أمام هذا القلب الألهي الجروح لأجل الحب مدعو أن يقر بخطاياه وأن يثق ويفتح قلبه لرحمة الله اللامتناهية.

الله يُحبنا بقلب أنسان  

لقد كان الله الى زمن بعيد قد ظل كائن متسامي ” trascendente  ” ولا متناهي، بعيد، وكل ما هو آخر ، والأنسان كان يقدر أن يفكر بأن يكون غير مهتم به، كان يقدر أيضا أن لا يؤمن بكلام الأنبياء الذين كانوا قد وصفوا الله كراعي، وصديق وأب وعريس. ولكن كان حدث تاريخي غير مفصل التاريخ ، أثبت وبرهن محبة الله بطريقة لا يمكن دحضها: وهو حدث تجسد المسيح. الله أقترب الى الأنسان بطريقة لا يمكن تصورها: صار أنسان بأبنه ، أحب الله الأنسان بقلب أنسان ” قلب بشر”.

القديس يوحنا يقدم هكذا سرد العشاء الأخير” أما يسوع قبل عيد الفصح، وهو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب، إذ كان قد أحب خاصته الذين في العالم ، أحبهم إلى النهاية” (يو 1:13) . تلك كلمة ” نهاية” أو ” المنتهى” تعني بكل التعابير والطرق الموجودة. لقد أظهر بأنه لا يمكن أن يكون حبا أعظم من هذا، بشكل يتجاوز كل التصورات والرغبات. ويسوع أيضا يقول : ” ليس لأحد حب أعظم من هذا: أن يضع نفسه لأجلأحبائه” (يو 13:15) . وعلينا أن نقول: من أعطى الحياة ووضع نفسه لأجل أحبائه بشكل عظيم غير يسوع نفسه ! ونحن كنا لا نزال حياتنا تعادي فكر الله .  يجب أن نتذكر بأهتمام وشكر بأن هذا الفعل كان حاضرا في العهد القديم ولكن كُشف وظهر بشكل وتعبير أقوى وأكثر تأثيرا في العهد الجديد: بأن الله أصبح مثلنا ووضع نفسه بجنبا ومعنا ” عمانؤيل” .  

يسوع يُحبنا بقلب أمه مريم

إن روحانية القلب الأقدس تتأسس مباشرة على حقيقة التجسد. والتجسد يجعلنا ضرورة أن نفكر بمريم التي أعطت جسدها للمسيح.

فأن التأملات والصلوات ” العبادة والأكرام ”  لقلب يسوع تشكل لنا حالة روحية تجعلنا بأتصال حميمي أكثر مع قلب مريم، الأم العذبة التي أُعُطيت لنا تحت أقدام الصليب والتي أصبحت لنا أم الكنيسة ” جسد المسيح” . فكيف لا نفكر بدقات قلب يسوع وقلب أمه، وبشهقات نفسه ونفحات روحه عندما رأي يسوع أمه، والتلميذ الذي كان يُحبه فيقول يسوع ليوحنا  ” هذه هي أمك” ، ومن ثم متجها نحو مريم أمه يقول ” هذا هو أبنك” (يو 26:19).

إن مريم بعد صعود يسوع الى السماء، كانت الى جانب الرسل الأولين في الكنيسة الناشئة.ولا زالت الى يومنا هذا ترافق وتتبع من قريب كل واحد من المؤمنيين. ولمعرفة ربنا يسوع المسيح بالصعوبات التي سيواجهونها المؤمنيين في العالم ولأجل خلاصنا، فأن قلب يسوع لم يريد فقط أن يبقى معنا في الأوخارستيا، ولكن يريد أيضا أن يُعطينا قلب أمه الحبيبة مريم لمساعدتنا.

مريم هي العطية الأجمل من قبل يسوع بعد عطية روحه القدوس. هي الورث الثمين الذي تركه لنا، وهي الوصية الأغلى لكل من يحب الرب ” هذه أمك” . لقد أوصانا بها الرب لنغمرها بحبنا وتعلقنا وعطفنا وهي بدورها تغرقنا بحنانها وأهتمامها الأمومي.

من يتعمق في سر قلب الرب وفي قلب مريم فلا يستطيع أن يفعل أقل من أن يشعر في ذاته بأن يتحد بمريم بدون أنفصال في نفس الحب الذي نحمله تجاه يسوع. فيسوع يوحدنا بمريم إمه، ومريم توحدنا بيسوع أبنها. فعلينا إذا أن نسأل الرب بأن نحب السيدة العذراء بقلب المسيح وبأن نحب المسيح بقلب مريم.

محبة القلب الألهي محبة منو فوق

في القديم كان الحب عادة يأتي من الأدنى والأضعف: كان الجاهل يُحب الشخص المتعلم والمثقف، الضعيف يُحب الأقوى، القبيح يُحب الجميل، الفقير يشعر بانه مجذوب الى الغني ومحتاج اليه. ولكن ما هو مختلف جدا ومثير للذهول والأعجاب في الكشف الألهي هو أن الحب أتي من أعلى. لهذا السبب إن محبة الله يسميها الأنجيل ب ” agape ” أي الحب الكامل، والنقي، أنه الحب المملوء حنانا والذي يأتي من فوق، من الآب وتجسد في المسيح يسوع . وبعد صعود المخلص الى السماء وعودته الى الآب لم يتوقف من محبته للكنيسة، عروسته بالحب المتقد الذي ينبض ويخفق في قلبه. لأجل ذلك كل القديسين ينغمسون في سر قلبه لكي يستقوا من كنوزه العديدة. منها الرحمة الألهية، فالرحمة تعني محبة رؤوفة وشفوقة، حب لأنه خاصة له قلب بشري، قادر على أن يتفهم ويشفق ويُسامح ويتحنن، وأن يصبح بمستوى من هو في حالة مثير للرحمة والشفقة. ندرك الأن لماذا هذا الحب الألهي والبشري ينبغي أن ينفجر في قلب المسيح الجسدي .هذا هو سبب قلبه الممزق، هذا هو سبب قلبه المثقوب والمجروح. يقول بادري بيو” ليس لقلب معلمنا الإلهي شريعة أكثر تحببا من شريعة الطيبة والتواضع والمحبة”. فلنصلي في عيد قلب مخلصنا كما يصلي بادري بيو قائلا:” يا يسوع، عذوبتي، كيف لي أن أعيش بدونك؟ تعال وامتلك أنت وحدك قلبي” ، ” أنت حلاوتي، أنت حُبي، أنت الحُب الذي يسندني” ، ” يا يسوع، أحبك كثيرا،..، أني أعبدك أيها الحُب، الحُب، أنت وحدك ..ولك وحدك يليق المديح” .  

الأب سمير الخوري / إينشكي

عن Maher

شاهد أيضاً

مار توما والتطويبة العاشرة

مار توما والتطويبة العاشرة الاب بولس ساتي   إحتفلت الكنيسة الكاثوليكية عامة والكنيسة الكلدانية خاصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *