أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / الصـــــــــــــلاة مدرسة التطويبـــــــــــــــــــات

الصـــــــــــــلاة مدرسة التطويبـــــــــــــــــــات

الصـــــــــــــلاة مدرسة التطويبـــــــــــــــــــات

      + رمزي كرمو

         اسطنبول 15/08/2020

عيد انتقال العذراء مريم الى السماء

من يصلي يختبر فرح الحياة حسب التطويبات، من لا يصلي لا يختبر فرح الحياة حسب التطويبات.

لا نبالغ اذا قلنا بأن عظة يسوع الكبرى على الجبل (راجع متى فصل 5-7)، هي من اهم التعاليم التي علمنا اياها ربنا والهنا يسوع المسيح له كل المجد والاكرام والسجود.

انها خارطة الطريق وبرنامج حياة لكل مسيحي ولا يمكن الاستغناء عنها. انها حقاً درس في اللاهوت الادبي والاخلاق المسيحية التي يجب على كل مؤمن مسيحي ان يسعى الى تحقيقها في حياته اليومية ليكون شاهداً معتمداً وموثوقاً به للرب يسوع المسيح الحي.

لنسمع ونتأمل:”هكذا فليضئ نوركم للناس ليروا اعمالكم الصالحة فيمجدوا اباكم الذي في السماوات”(متى5/ 16).

بدأ يسوع خطبته الطويلة وذات المعاني العميقة والسامية بالتطويبات التسع والتي تشكل الجزء الاساسي من تعليمه. ان التطويبات التي يدعونا يسوع الى التمسك بها والعيش بموجبها هو اول من عاشها وجسدها اثناء حياته الزمنية. انه عاش فقيراً وديعاً، رحوماً، عفيفاً، ساعياً الى السلام ومضطهداً من اجل البر، فرحاً مبتهجاً رغم الشتائم والافتراءاتوالاكاذيب التي نسبت اليه من قبل اعداءه. لنسمع ونتأمل :”طوبى لكم اذا شتموكم واضطهدوكم وافتروا عليكم كل كذب من اجلي، افرحوا وابتهجوا ان اجركم في السماء عظيم، فهكذا اضطهدوا الانبياء من قبلكم”(متى5/ 11- 12).

ان الطبيعة الانسانية المجروحة بالخطيئة والميالة الى الشر لا تستطيع من ذاتها ان تلبي دعوة يسوع بخصوص العيش حسب التطويبات.

كلنا صادفنا تجارب في حياتنا وسقطنا فيها: تجربة جمع المال والثروات المادية والتعلق بها، تجربة حب الظهور والاستعلاء والتكبر والتسلط على الغير، تجربة ارضاء الشهوات الجسدية والانجراف وراء اللذات الدنيوية، تجربة الغضب والعنف وحب الانتقام وعدم المسامحة، تجربة البحث عن الحياة المرفهة البعيدة عن الالم والاضطهاد وغيرها من التجارب التي تشوه حياتنا المسيحية وتفقدها جمالها وجذابيتها وتجعلنا شكوك وعثرة للناس. لنسمع ونتأمل:”اما الذي يكون حجر عثرة لاحد هولاء الصغار المؤمنين بي فأولى به ان تعلق الرحى في عنقه ويلقى في عرض البحر، الويل للعالم من اسباب العثرات، ولابد من وجودها، ولكن الويل للذي يكون حجر عثرة”(متى 18/6- 7).

نعم، الخبرة تعلمنا بأن العيش حسب التطويبات الانجيلية يتطلب الصلاة. من دون الصلاة اليومية والنابعة من القلب، فأن مغريات هذا العالم الكثيرة وتجارب الشيطان العديدة تحرمنا من فرح العيش بموجب التطويبات الانجيلية، لنسمع ونتأمل:”وهذا الجنس من الشيطان لا يخرج الا بالصلاة والصوم”(متى17/ 21).

لنتذكر ايضاً وصية ربنا والهنا يسوع المسيح الى تلاميذه والموجهة اليوم الينا جميعاً حيث يقول:”صلوا لئلا تقعوا في التجربة”(لوقا 22/ 40، 46)، هو الذي اثناء صومه الاربعيني انتصر بواسطة الصلاة على تجارب الشيطان الذي حاول ان يغريه عن طريق اللذة والعظمة والمال (راجع متى4/ 10- 11).

ان العيش حسب التطويبات الانجيلية يدعونا الى جهاد روحي مستمر تغذيه وتدعمه الصلاة اليومية، والتعمق في كلام الله الحي لكي ننجو من عبادة الجسد والانقياد الى رغباته وشهواته التي تتعارض مع تعليم ربنا والهنا يسوع المسيح الذي يدعونا الى ان نجعل من الفقر والوداعة والعفة ونقاوة القلب واعمال الرحمة والمحبة والسعي من اجل السلام والصبر اثناء الضيق والاضطهاد وطلب ملكوت الله، العلامات البارزة والملموسة لتعلقنا به وحبنا وشهادتنا له واخلاصنا لرسالتنا المسيحية في عالم اليوم.

نقرأ في رسالة بولص الرسول شهيد الحب الالهي، مايلي:”المؤمنون بالمسيح صلبوا الجسد مع اهوائه وشهواته”(غلاطية5/4).

ان احد الالقاب الذي به تكرم الكنيسة المقدسة امنا مريم العذراء البتول هو لقب (الطوباوية) والذي يذكره الانجيل المقدس اكثر من مرة.

نعم، ان مريم تحتل المكان الاول بين اولئك الفقراء والمتواضعين الذين كانوا ينتظرون مجيئ المسيح المخلص. حينما قامت بزيارة خالتها اليصابات بعد ان بشرها الملاك بأن المسيح الموعود سوف يولد منها بقوة الروح القدس، وصفتها خالتها بالطوباوية لانها امنت بكلام الله، لنسمع ونتأمل:”من اين لي ان تأتي ام ربي الي، فما ان وقع صوت سلامك في اذني حتى ارتكض الجنين ابتهاجاً في بطني، فطوبى لمن امنت، فسيتم ما بلغها من عند الرب”(لوقا1/ 43- 45).

كما ان يسوع نفسه اعطى الطوبى لامه العذراء مريم اثناء قيامه برسالته الخلاصية، لنسمع ونتأمل:”وبينما هو يقول ذلك، اذا امراة رفعت صوتها من الجمع فقالت له: طوبى للبطن الذي حملك وللثديين اللذين رضعتهما، فقال: بل طوبى لمن يسمع كلام الله ويحفظه”(لوقا11/ 27- 28).

اناحدى الميزات الاساسية التي تميزت بها حياة امنا القديسة مريم الطوباوية هي ميزة الصلاة، وانها كانت تغذي صلاتها من الاستماع الى كلام الله والتأمل به والعمل بموجبه بواسطة الصلاة المستمرة جسدت مريم في حياتها الارضية تعليم يسوع ابنها عن التطويبات واصبحت بذلك الاولى بين اعضاء شعب الله الجديد، انها حواء الجديدة التي باطاعتها لكلام الله اعطت للبشرية جمعاء نعمة الخلاص والحياة الابدية بواسطة ابنها الحبيب ربنا والهنا يسوع المسيح له كل المجد والاكرام والسجود.

اليوم نحن ايضاً مدعوون الى الاقتداء بأمنا العذراء مريم الطوباوية لكي نختبر مثلها بواسطة الصلاة والتأمل في كلام الله، فرح العيش حسب التطويبات الانجيلية لنشهد شهادة حسنة لربنا والهنا يسوع المسيح ونساهم مساهمة فعالة ومؤثرة في احياء وتنشيط رسالة الكنيسة الراعوية والروحية وخاصة نحن نعيش اليوم في عالم سيطرت عليه  ثقافة الالحاد ونبذ القيم المعنوية والاخلاقية لتفسح المجال امام الحريات الاباحية التي مصيرها الفشل والكابة والانتتحار.

لنسمع يسوع قائلاً:”اما انتم فطوبى لعيونكم لانها تبصر ولاذانكم لانها تسمع. الحق اقول لكم ان كثيرا من الانبياء والصديقين تمنوا ان يروا ما تبصرون فلم يروا وان يسمعوا ما تسمعون فلم يسمعوا”(متى 13/16- 17)

ان العيون التي تبصر والاذان التي تسمع التي تكلم عنها يسوع هي تلك العيون وتلك الاذان التي ترى وتسمع مالا تستطيع ان تراه عيوننا واذاننا الجسدية.  انها تلك العيون وتلك الاذان التي تستمد قوة بصرها وسمعها من الايمان الذي زرعه الروح القدس في قلبنا يوم عماذنا والذي يتقوى ويتغذى ويتجذر ويثمر بالصلاة اليومية والتأمل في كلام الله الحي.

نعم، هذه العيون وهذه الاذان ترى بقوة الروح وتشاهد حضور الله الحي والحقيقي وتسمع صوته من خلال علامات الازمنة التي يعيشها عالمنا اليوم والتي تبشر بأقتراب ملكوته الذي وعدنا به.

ان الحياة بموجب التطويبات الانجيلية تدعونا الى ان نعيش ونختبر ((الطفولة الروحية)) التي تتميز بنقاوة القلب وصفاء الضمير والبراءة والتواضع والفرح والصدق والاتكال على العناية الالهية.

الاطفال من دون علمهم يعيشون التطويبات الانجيلية ولهذا يقول ربنا والهنا يسوع المسيح :”دعوا الاطفال ياتون الي ولا تمنعوهم، فلامثال هولاء ملكوت الله، الحق اقول لكم: من لم يقبل ملكوت الله مثل الطفل لا يدخله”(لوقا18/ 16- 17).

لنصلي ونطلب الى الروح القدس ان يمنحنا نعمة ((الطفولة الروحية)) لنجعل من تعليم يسوع عن التطويبات برنامج حياتنا اليومي لكي يتمجد الله باعمالنا وينتشر ملكوته في عالمنا.

ارجو من الذين يقرأون هذه الاسطر ان يصلوا من اجلي لكي اعيش ما تبقى لي من الحياة الارضية بروح التطويبات الانجيلية وشهادة الحياة حتى النهاية.

مع الشكر ولنبق متحدين بالصلاة رباط المحبة الذي لا ينقطع.

عن Maher

شاهد أيضاً

نحن بين عالمَين: حقيقي وافتراضي

نحن بين عالمَين: حقيقي وافتراضي + المطران د. يوسف توما كان عمري 12 سنة عندما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *