أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / مقالات عن القيادة الراعوية في ظلَّ جائحةٍ كورونا اللقاء الثالث: أخدُم لا أُخدَم

مقالات عن القيادة الراعوية في ظلَّ جائحةٍ كورونا اللقاء الثالث: أخدُم لا أُخدَم

مقالات عن القيادة الراعوية في ظلَّ جائحةٍ كورونا

اللقاء الثالث: أخدُم لا أُخدَم

المطران بشار متي وردة

رئيس أساقفة ايبارشية أربيل الكلدانية

المُقدمة

القيادة الراعوية قيادةٌ منفتحةٌ وخلاقةٌ وصوتٌ مُعزٍ وقت الأزمات، إيماناً بالله الرحوم والرؤوف كثير الرحمةِ (يو 4: 2)، والأساقفةُ والكهنةُ والمكرسون يعرِفون أنهم مُختارون في خدمةِ تدبيرِ الله، القائد الأوحد لشعبهِ، وهو الذي يمنُّ عليهم بنعمةِ خدمةِ هذا التدبير، واعينَ لمكانتهِم في هذا التدبير: “إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ. لأَنَّنَا إِنَّمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَا” (لو 17: 10). فليس لهم إذاً برنامجٌ شخصي بقدرِ إستعدادهم ليكونوا تحتِ أُمرةِ الله في الوقت الذي يشاءُ هو من أجل إتمامِ مهامِ يُريدها هو منهم.

قبلَ أن يُواجهَ الربُّ أعداءَهُ، إنحنى خادماً يغسِل أقدامَ تلاميذه (يو 13: 1- 17)، ويُطهِر قلوبهم من نزعةِ التسلّطِ التي تدفعهم إلى مخاصمةِ بعضهم البعض، ويُنقي أفكارهم من فكرّة قيادة تسلطية نحو خدمةَ قيادية. ربّنا يعرِف أن محبّة التلاميذ له ستدفعهم إلى الغيرة والحسد والدخول في صراعاتٍ حول: مَن يُحبُّ المعلمَ أكثر، وكذا الحال إن تحدّثنا عن “مخافة الله”، فسيحاول الجميع أن يُبرِهن للاخرين أنه خادمُ الله المُطيع. صحيح أن النفس تسمو إلى الله بجناحينِ: المحبّة والمخافةّ، ولكنها جناحانِ يقودان الجماعة إلى المُخالفةِ والإنقسامِ، وحدها خدمةُ الآخر هي التي تهبُ الحياةَ للنفس التي لها جناحين: محبّة الله ومخافتهُ.

القيادة الراعوية: خدمة

القيادة الراعوية قيادةٌ تجذُب الناسَ إلى العلاقة مع الله، والجذبُ يفترِضُ ضرورةَ تعلّمِ أساليبَ الترغيب والإقناعِ لا الترهيب، فخدمةُ القيادة الراعوية تتطلّب من الرُعاةِ شجاعةَ القلعِ والهدمِ، وإجتهادِ البناء والغرس أيضاً (أرميا 1: 10)، مواقف مترابطةٌ معاً فلا يُمكن القبول بقيادةٍ تفرِض رؤيتها وبرنامجها الشخصي، فتقلعُ من دون أن تغرُس، وتهدمُ من دون أن تبني. بمعنّى آخر: تتميّز القيادة الراعوية بوعيها لمكانتها ومسؤولياتها في تحقيق تدبير الله الخلاصي على الأرض: “أَنا أَمَةُ الرَّبّ فَليَكُنْ لي بِحَسَبِ قَوْلِكَ” (لو 1: 38). هذا الوعي يؤسِس ويقودَ جميعَ أنشطتها وفعّاليّاتها الراعوية، فإنّ كان الله ينتظر من الكنيسة الإنطلاق نحو المعوزين والمرضى على نحوِ خاص، مع أنه يبقى دوماً أحد أهم الأنشطة الراعوية لها. أن تكون حاضرة إلى جانبِ ذوي المتوفين في محنتهم حضورَ ربّنا يسوع إلى جانب مريم ومرتا الحزانى لفقدان أخيهم لعازر (يو 11).

فعلى الكنيسة أن تُسرِعَ الخُطى في ذلك، وأن تكون خلاّقة ومُبدعةً في الوصول إليهم والتواصل معهم حيثما هُم من خلال مُبادراتٍ وفعاّليات تتوافق والحالِ الذي يختبرونهُ، فتكون بذلك جزءً من الحلّ في حياتهِم، مؤمنةً بكلمةِ ربّنا يسوع الذي يوجهها قائلاً: “أَعطوهُم أَنتم ما يَأكُلون” (مر 6: 37)، فإذا كان الربُّ والمعلمِ يؤمِن أنَ لنا القُدرة على مساعدةِ الآخر المُحتاج، فلنبحث في جعبتنا ما الذي يُمكن لنا أن نُقدمه له؟ فربّنا يدعونا إلى الإبداع من خلال البحث عن حلولٍ في غيرِ الأمكنةِ التي ركّزنا إهتمامنا فيها، فأحياناً تكون رؤيتنا وأفكارنا وقناعاتنا هي المُشكلةِ.

تعي القيادةُ الراعوية إذاً أنَّ اختيارَها جاءَ من أجل مواصلةِ نشرِ البُشرى السّارة: أونكاليون (إنجيلُ) ربَّنا يسوع المسيح. فليست هي الألفِ والياء لهذه الإرساليةِ، ولا يُمكن أن تنغلِقَ على نفسها ضمن منهجٍ راعويٍ واحدٍ، فالمنهج قد يتحوّل إلى “جهنم” (قراءة معكوسة لكلمة منهج)، في حياة الآخرين إن أصبحَ هو غايةُ النشاط الراعوي. فكلُّ مَن يستجيب لنداءِ الله في الخدمةِ الراعوية يعرِف لماذا اختارهُ الله، أيّ، لأي غرضٍ هو مُختارٌ وما الخدمةُ المطلوبةُ منه؟ إلهنا، وبتدبيره الأبوي، يرى أنَّ لهذا أو ذاك من المُختارين للخدمةِ الراعوية إسهاماً إيجابياً له أن يُنعِش حياة الإيمان في الكنيسة، وهذه الحقيقةُ هي “البُشرى السّارة” أيضاً. فعندما يتأمل المُختار للخدمةِ في معنى أختياره للخدمة، سيتخلّى عن تفكيره النرجسي حول ذاتهِ، ويبدأ في التفكير في الآخر ويتواصل معه، والتواصل لا يعني الحديث معهُ، بل الإصغاء إليهِ، وسيشكُر الله على نعمةِ الاختيار: “أشكُرُك يا ربُّ لأنّك اخترتني لأُساهِم في إنعاش حياة الإيمان. أعِرف أني لستُ مؤهلاً لذلك (لو 1: 34)، ولكنّي واثقٌ بأنّك ستكون معي وتُدلّني على ما تُريده منّي في هذه الخدمةِ، أنا تحتَ أُمرتِك”، فيواصِل مسيرة قيادة الخدمة التي بدأها موسى عبدُ الربِّ (تث 34: 5)، بكل تواضعٍ: “وَأَمَّا الرَّجُلُ مُوسَى فَكَانَ حَلِيماً جِدّاً أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ الذِينَ عَلى وَجْهِ الأَرْضِ.” (عدد 12: 3)، وتحققتَ في شخصِ ربنا يسوع الوديع والمتواضع القلب (متّى 11: 29)، “ابنَ الإِنسانِ لم يَأتِ لِيُخدَم، بل لِيَخدُمَ ويَفدِيَ بِنَفْسِه جَماعةَ النَّاس” (مر 10: 45)

يقينا، أنَّ لنا خبراتٍ سلبية في هذا المجال، مدعوون ومختارون توهموا أن لهم إمكانياتٌ خارقة ومهارات قيادية فذّة جعلتهم يقولون لله: “نعم لدعوتِك، وأنا أعرِف أين هي أخطاء الكنيسة، أترُك الأمرَ لي”، فتسلّطوا. آخرون إستغلوا هذا الاختيار لمصالحهم الخاصّة فأهانوا الإرساليةِ، فيما قَبِلَ غيرهم الدعوةَ بطاعةٍ كاملةٍ ولكنهم تنفيذيين أكثر منهم مُبدعين وخلاّقين. وكلُّ هذه الخبرات لا تُعبّر عن مفهوم القيادة الراعوية التي ينتظرها الله من الذين يختارُهم للخدمةِ. 

القيادة الراعوية التي تعرِف مكانتها ودورها ومسؤولياتها في خدمةِ التدبير الإلهي: “خادمة”، ستجتهِد في ترجمةِ في كلِّ أنشطتها وفعّالياتها منتبهةً لحاجاتِ مَن تخدُمهم، حتّى وإنَ لم يُفصحوا بها: “لَيسَ عِندَهم خَمْر” (يو 2: 3)، وتوجهُهم نحو مَن يستطيع أن يهبَ لهم الفرحَ وقت الأزمةِ: “مَهما قالَ لَكم فافعَلوه” (يو 2: 5). فحاجةُ الآخر هي التي تُوقِظ في القيادة الراعوية الرغبة كي تكون جزءً من الحل. التحليل والتقصي والإستغراق في إستكشاف ِالمُعطيات هو الطرق الأسهل، التنبّه إلى حاجةِ الآخرين هو الاختيار الأكثر تحدياً.

من هنا جاء تأكيدُ الله على لسانِ موسى بضرورة أن يقوم الملكُ بنسخِ نسخةٍ خاصّة لنفسه من الشريعة فتكون معهُ ويقرأها ليتعلّم أن يتقي الربَّ ولا يتشامخ على إخوتهِ (تث 17: 18- 20). فالقيادة الراعوية الخادِمة لا تستخِف بمكانةِ مَن تخدُمهم أو بتوجهاتهِم أو آرائهم، فإلهُنا هو الذي يقودُ مسيرة الكنيسة ويُرشدها، فلا يُمكن إستغلالُ دور “القيادة” الفاعِل في الجماعةِ وتحريف خدمتها. نحن نعرِف أن أي جماعةً تخلو من قيادةٍ ستكون جماعةٌ فوضويةٌ لا حياة فيها: “فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ لَمْ يَكُنْ مَلِكٌ فِي إِسْرَائِيلَ. كُلُّ وَاحِدٍ عَمِلَ مَا حَسُنَ فِي عَيْنَيْهِ” (قضاة 21: 25)، فالقيادة ضرورةٌ، وضرورتها تأتي من إمكانية أن يكون للجميع القٌدرة على الخدمةِ كلٌّ وفقَ الموهِبةِ التي وله، وإحترامِ مَن تخدُمهم، وتحفيزهم ليواصلوا مسيرة القداسة التي دُعيُّ إليها، مؤمنينَ أنَّ الربُّ هو بيننا فهذه كانت إرادتهُ دوما: “فَيَصْنَعُونَ لِي مَقْدِسا لاسْكُنَ فِي وَسَطِهِمْ. (خر 25: 8)، وحققها بربّنا يسوع المسيح: “وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً.” (يو 1: 14).

عن Maher

شاهد أيضاً

المحاضرة السادسة والاخيرة – الصراعات في الكتاب المُقدس وعالم اليوم

برعاية غبطة ابينا البطريرك الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو الكلي الطوبى، تقدم اللجنة الكتابية لابرشية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *