أخبار عاجلة
الرئيسية / اخبار البطريركية / سلسلة جثالقة – بطاركة كنيسة المشرق – الحلقة 30

سلسلة جثالقة – بطاركة كنيسة المشرق – الحلقة 30

سلسلة جثالقة – بطاركة كنيسة المشرق – الحلقة 30

الكاردينال لويس روفائيل ساكو

 

مراغا: كنيسة منفتحة وكرسيّ بطريركي متنقل

يهبالاها الثالث المغولي (1281-1317)

المراجع: سيرة ذاتية بالسريانية، الكاتب غير معروف، لكن بما انه يذكر وفاة يهبالاها ومذبحة أربيل، فيجب أن يكون معاصراً له. ثمة احتمال ان يكون الكاتب الأخير البطريرك طيمثاوس الثاني الذي خلفة سنة 1318، لان يهبالاها هو من رسم طيمثاوس اُسقفاً، وانه التقى به في أربيل وبقي معه فترة المحنة وهذه السيرة تتضمن فصلاً مهماً عن مذبحة قلعة أربيل التي كان لها طيمثاوس شاهد عيان، قد يكون استعان بمذكرات الربان صوما واضاف اليها حوادث السنوات الأخيرة ليهبالاها. وعلى الأرجح كان ضمن الوفد الذي قاده الربان صوما كلاهوتي خبير! ويستبعد ان يكون الربان صوما من كتبها لانه مات سنة 1294، اي قبل يهبالاها بثلاث وعشرين سنة.

  لقد نشرهذه السيرة بالسريانية الأب بولس بيجان، بعنوان: ܬܲܫܥܝܼܬܐܵ ܕܐܲܒܼܐܵ ܕܲ ܐܲܒܼܗܵܬܵܐ ܘܪܸܫܵܐ ܕܪܵܥܵܘܵܬܐܵ ܡܵܪܝ ܝܲܗܒܐܲܠܵܗܐܵ ܦܲܛܪܵܝܵܪܟܝܼܣ ܕܡܲܕܢܚܵܐ ܘܲܕܪܲܒܵܢ ܨܲܘܡܵܐ ܣܵܥܘܪܵܐ ܓܵܘܵܢܵܝܵܐ، باريس،1888 و1895 وطبعت ترجمة السورث التي قام بها الشماس متي بيت بطرس في كركوك سنة 1961.

هذه السيرة هي المصدر الاول لمعرفة حياة البطريرك يهبالاها ومساعده الربان صوما ومعرفة العديد من حوادث ذلك الزمان، كما ان كتاب عمرو – صليبا يُعَد أيضاً معاصراً ليهبالاها لان به يختم كتابه المجدل.

اختيار بطريرك خارج التقليد وخارج الجغرافية أمر في غاية الأهمية، لانه يُظهِر مدى انفتاح كنيسة المشرق وحكمتها وتقديرها للظروف. فاختيار يهبالاها المغولي كان من اجل فتح باب الحوار مع المغول وكسب ودهم لحماية المسيحيين.

وبالرغم من انه لم يكن بالمستوى اللاهوتي المطلوب كما يقول، لكنه أدار الكنيسة بجدارة، وحقق أعمالاً جبارة في ظروف متقلبة وصعبة، وبجهود مساعده الربان صوما. من المؤسف ان الكرسي البطريركي انتقل من مكان الى آخر مع يهبالاها وخلفائه بحسب الظروف.

 لا اعلم لماذا لم تنفتح كنيسة المشرق على جماعة الملابار التابعين لها منذ القدم، واختارت بطريركاً منهم، لربما كانوا قد بقوا ثابتين في علاقتهم مع كنيسة المشرق.

شاهد قبر أحد ابناء كنيسة المشرق في غوانغزهو، جنوب شرق الصين

اسمه مرقس واصله من بلدة كوشنغ القريبة من العاصمة خان باليق (بكين) الصينية. ولد عام 1245. كان والده اركذياقون كنيسة البلدة، وكان له اربعة اولاد، ومرقس أصغرهم. عزم مرقس الانخراط في دير للرهبان، لذلك قصد بكين للقاء الراهب صوما والترهب على يده. لبس الاسكيم الرهباني من رئيس الاساقفة نسطوريوس، مطران بكين. وبعد زمن راودت الراهبين فكرة زيارة الكنيسة الام ببغداد للتبرك من البطريرك، ثم مواصلة الرحلة الى الارض المقدسة لزيارة الاماكن المقدسة المسيحية. واجه الراهبان خلال سفرهما مشقات جمَّة ومخاطر السلب والقتل.  

التقيا البطريرك دنحا في مدينة مراغا الايرانية التي اتخذها المغول مقراً لهم، حيث كان في زيارة عمل للقاء السلطات المغولية. بعده كملا سفرهما الى بغداد بحماية جنود مغول، وزارا كنيسة كوخي العظمى، ودير قني حيث ضريح مار ماري الرسول. ثم واصلا زيارتهما لكركوك وأربيل والموصل.

لدى عودتهما الى بغداد، طلب منهما البطريرك دنحا ان يمكثا بقربه في المقر البطريركي، لحاجته اليهما في متابعة شؤون المسيحيين لدى السلطات المغولية لمعرفتهما لغتهم وعوائدهم. ومن اجل ذلك رسم مرقس مطرانا باسم يهبالاها، وبرصوما كاهناً وعينه زائراً عاماً ܣܵܥܘܪܐܵ ܓܵܘܵܢܵܝܐܵ ̤ بعد وفاة البطريرك دنحا في 24 شباط سنة 1281، توجهت انظار الاساقفة والجماعة في بغداد الى يهبالاها ليكون بطريركاً بسبب أصله المغولي ومعرفته لغة الحكام الجدد وعاداتهم.

سُرَّ الملك أباقا خان باختيار الأساقفة رئيساً لهم من قومه، وأيّد الاختيار وزود البطريرك الجديد بمرسوم البراءة وخلع عليه العديد من الهدايا.

سلطة البطريرك لم تكن تقتصر على الامور الدينية فحسب، بل على كافة الامور المتعلقة بالمسيحيين. وكان البطريرك يعد بحسب البراءة منذ عهد العباسيين انه المرجعية لكل الكنائس المسيحية من سريان ارثوذكس وروم وأرمن، كما شاهدنا.

جرت مراسيم الاحتفال بالتنصيب في كنيسة كوخي العظمى، في الأحد الاول من موسم تقديس الكنيسة، سنة 1281، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، وارتدى قبعة فختية اللون. وهو الثالث بهذا الاسم. وقام بعد التنصيب برسامة عدد من الشمامسة الانجيليين، ثم زار ضريح مار ماري بدير قُني، وفقاً لما جرت عليه العادة.

يقول عنه عمرو: “كان هذا الأب شاباً، مليحَ الصورة، مخنجرَ اللحيّة، ثم عمَّرَ في الكرسي حتى صار شيخاً هيوباً” (المجدل ص 123). وأطرأه المفريان ابن العبري قائلاً: كان رجلاً مطبوعاً بالخير وعلى محبة القريب”. ولما توفي ابن العبري اثناء سفره الى مراغا، اقام له يهبالاها مجلس عزاء.

لم تكن احوال المسيحيين في عهد المغول على وتيرة واحدة، فمن التعاطف والاحترام الى الشدة والاضطهاد بحسب ميل ملكهم الى المسيحية أو الى الاسلام، لكن بشكل عام كانوا يحسنون الى المسيحيين.

خلف أباقا أخوه أحمد ابن هولاكو في 21 حزيران 1282، وعلى أثر قيام اسقفين مغوليين باتهام البطريرك بالانحياز الى أباقا، استدعى أحمد يهبالاها وبعض وجهاء المسيحيين للتحقيق معهم حول الوشاية، وأمر بتوقيفهم، ثم اُطلق سراحهم. فذهب البطريرك يهبالاها الى اورمية ثم الى مراغا، حيث بنى كنيسة مار شليطا ودير مار يوحنا كمقر استقر فيه.

صورتان لكنيسة مراغا صورها صديق لي

الربان برصوما سفيرا الى الغرب

عندما جاء ارغون الى الحكم، كان يميل الى المسيحية (يقال انه عمد أولاده)، اراد ان يقيم تحالفاً عسكريّاً وسياسيّاً مع الغرب لمواجهة العرب. وطلب من البطريرك ان يُعيِّن شخصاً مقتدرا ليوفده الى الغرب ليتفاوض مع المسؤولين هناك، فوقع الاختيار على الربان صوما. فاوفده الملك مع حاشية كبيرة وهدايا كثيرة لملوك البلاد التي كانوا سيزورونها.

 سفر الربان صوما والوفد المرافق الى الغرب

 

سافر برصوما الى القسطنطينية، وقابل الملك أندرونيكس الثاني، وحاوره في موضوع قدومه، ثم زار كاتدرائية آيا صوفيا. بعدها أبحر الى روما حيث التقى بكرادلة الكوريا (الدوائر) الرومانية، اذ كان البابا هونيروس الرابع قد توفي 1287. وفي روما سأله الكرادلة عن ايمانه فكان جوابه: “ايماني هو ايمان الرسل مار توما ومار اداي وماري..”.  ومن هناك توجه الى باريس حيث استقبله الملك فيليب الرابع، ثم قصد انكلترا والتقى الملك ادوارد الاول. أخيراً عاد الى روما وقابل البابا الجديد نيقولاوس الرابع 1287- 1292. وحضر الاحتفالات الفصحية وتناول القربان.

 في الختام رجع الوفد الى الشرق وقدم تقريراً الى الملك أرغون مع العديد من الهدايا الثمينة التي ارسلها له ملوك الغرب. ان مساعي الربان صوما لم تأت بنتائج بسبب البعد الجغرافي وتضارب المصالح وتعب الغرب من الحملات الصليبية.

من الملفت للنظر ان في هذه الفترة زار الرحالة الايطالي المشهور ماركو بولوMarco Polo (1254-1324) الشرق وقابل قبلاي خان وآخرين وكلَّفه ان يُفاتح البابا حول التعاون مع المغول!

 توفي ارغون سنة 1294، وانقلبت الامور وساءت أوضاع المسيحيين. وتعرض مسيحيو مراغا الى اعتداءات، وهدمت كنيسة مار شليطا ونهب المقر البطريركي وقبضوا على البطريرك يهبالاها وبعض الوجهاء المسيحيين واهانوهم وعذبوهم وطلبوا منهم اما ان يشهروا اسلامهم او يدفعوا الجزية تماما كما فعل عناصر الدولة الاسلامية (داعش) بمسيحيي الموصل وبلدات سهل نينوى في 2014. فدفعوا جزية باهضة. على إثره هرب البطريرك خوفا من بطشهم، الى عدة مدن الى ان وصل قلعة اربيل.

 اما الربان صوما فنزل في مطلع سنة 1294 من مراغا الى بغداد، وتوفي في العاشر من شهر كانون الثاني من نفس السنة، ودفن في كنيسة دار الروم.        

 احرق المقر البطريركي في مراغا سنة 1297 مع الاثاث والارشيف وسرقت الاواني الكنسية، لكن الملك غازان أعان البطريرك يهبالاها على إعادة بنائه.

في سنة 1303 ذهب البطريرك يهبالاها من أربيل الى بغداد واحتفل بعيد الدنح في السادس من كانون الثاني في كنيسة دار الروم وأمضى هناك ما تبقى من الشتاء، ثم عاد الى مراغا وتوفي في ليلة الاحد 15 تشرين الثاني سنة 1317 ودفن في الدير الذي كان قد بناه.

في آخر سني يهبالاها الثالث ساءت أحوال المسيحيين في بغداد والجنوب، والعديد من العائلات المسيحية لجأت الى أربيل والموصل وبلدات سهل نينوى وقرى الشمال (اقليم كردستان حالياً). نهبت كنائس مراغا، فقام المسيحيون بنقل رفات مار يهبالاها الى دير مار ميخائيل ترعيل في اربيل.

الكاتب المعاصر البارز عبديشوع الصوباوي

هو عبد يشوع بن مبارك بن يوسف بن داود الجزري. أبصر النور في منتصف القرن الثالث عشر. ومن الأرجح كان راهباً عندما رسم اسقفاً على ابرشية سنجار وبيت عربايي سنة 1285. واذ توسم فيه رئيسُه الاعلى البطريرك مار يابالاها الثالث المغولي، توقد الذهن وحسن الادارة وتنوّع النشاط، رقّاه سنة 1290 الى كرسي رئاسة نصيبين وارمينية. من هنا اتاه لقب (الصوباوي) أو (النصيبيني). وظلّ يشغل هذا الكرسي الى ان وافاه الاجل في الخامس من تشرين الثاني سنة 1318.

مؤلفاته:  فقد سردها هو بنفسه في جدوله الشهير الذي حصر فيه المؤلفين السريان وكتاباتهم نظماً، يقول: “أما الكتب التي وضعتها انا عبد يشوع الصوباوي الضعيف فهي: كتاب تفسير الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، والكتاب الجامع في التدبير العجيب، كتاب الاشعار المسمى “جنة عدن”1 وكتاب مختصر القوانين المَجمعية، وكتاب شهمرواريد2 الذي وضعته بالعربية، كتاب الجوهرة في حقيقة الايمان، كتاب الاسرار الغامضة في فلسفة اليونان، وكتاب مدرسي لدحض الهرطقات كلها، وكتاب الأحكام والشرائع الكنسية، وتراجم وحوتامات وتعازٍ وخطب في مواضيع شتى وشرح رسالة ارسطو العظيم الى الاسكنـــدر في الصناعـــة الكبيرة. (جدول المؤلفين بالسريانية، قليتا الموصل 1924 ص 83 وترجمة الاب يوسف حبي، بغداد 1986 ص 235-236).

كتابه الجوهرة

وضع عبد يشوع الصوباوي كتابه هذا باسلوب مشوّق ولغة سلسة غير انها صعبة، نظراً الى المواضيع الفلسفية واللاهوتية التي تناولها وفق منهج مدرسي موضوعي سنة 1298. جاء الكتاب تلبيّةً لطلب بطريركه مار يابالاها الثالث، ليكون خلاصةً لاهوتيًّة للتعليم الرسمي لكنيسة المشرق في مرحلته الأخيرة. وسمّاه “الجوهرة” لصغر حجمه وعمق فحواه وغزارة مواده. وقد اعتمد هذا الكتاب للتعليم المسيحي في كنيسة المشرق.

لأهميّة الكتاب

قمتُ بترجمته الى العربية ونشره في بغداد 1978 ثم طبعة ثانية منقحة، بغداد سنة 2013.

 

_______________

1هناك رسالة دكتوراه بعنوان “قصائد عبديشوع الصوباوي من خلال كتابه “جنة عدن” قدمها الطالب صلاح عبد العزيز محجوب، في جامعة القاهرة.

2 لفظة فارسية تعني “قصة ملك مرو”.

عن Ekhlass

شاهد أيضاً

المحاضرة السادسة والاخيرة – الصراعات في الكتاب المُقدس وعالم اليوم

برعاية غبطة ابينا البطريرك الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو الكلي الطوبى، تقدم اللجنة الكتابية لابرشية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *