أخبار عاجلة
الرئيسية / اخبار البطريركية / الروحانية المشرقية – الحلقة 1

الروحانية المشرقية – الحلقة 1

الروحانية المشرقية الحلقة 1

الروحانية المسيحية بحاجة الى الصَحوة

الكاردينال لويس روفائيل ساكو

فَقَدَ معظمُ المسيحيين اليوم، البعد الروحي في أولوياتهم، بالرغم من كونه أساسيّاً، وينبغي ان يَظلَّ أول الأولويات.

هذا هو التحدي الأبرز لنا كرعاة. لذا علينا ان نبحث عن لغة تناسب زماننا ومعاصرينا، الذين تغيروا كثيراً بتأثير العلمانية التي تعد القيم الدينية نسبية وأقل أهمية، ودور وسائل التواصل الاجتماعي والحجر المنزلي بسبب جائحة كورونا فصرنا امام ثقافة مختلفة، وعالم افتراضي مخيف. خطابُنا التقليدي وبراهيننا النظرية لم تعُد تؤثر فيهم. لذا يتحتَّم علينا ان نهتم بالتنشئة المسيحيّة الشاملة، عبر إرساء البنية التحتية الايمانية والروحية والانسانية والثقافية والاجتماعية بلغة جذابة ومفهومة وبصوابية مقبولة، وايجاد أدوات فعالة تشجع على عيشها، وخصوصاً ان المسيحية ليست عصيّة على التأوين والحداثة. حتى يغدو الانسان المسيحي شخصاً مبدعا ومؤثراً وناجحاً في محيطه. هذه نقطة رئيسية في خدمتنا الرسولية،

لهذا السبب أرتأيت ان اقدم خلاصة للروحانية المشرقية عساها تنفع لهذا التأوين الضروري اليوم.

روحانية كنيسة المشرق

الانسان تركيب عجيب (الانتروبولوجيا)

افلاطون وافلوطين: الانسان جسدٌ ونفسٌ وروحٌ. ويُعَدُّ الروح العنصر الحيوي الخالد. هذه الثُلاثية منتشرة عند الآباء الشرقيين.

ارسطو: الانسان جسدٌ ونفسُ على قاعدة ثنائية المادة والشكل. اعتمدها اللاهوتيون الغربيون. هذه ثقافات وطرق مختلفة، لكن الحقيقة هي ان الانسان واحدٌ في كلتا الحالتين، واحدٌ بكُلِّيته integrity. له بعدٌ روحي واجتماعي فعّال وخلاّق، وليس مجرد كائن استهلاكي.

الكتاب المقدس

 في العهد القديم، الانسان صورة الله ومثاله (تكوين 1/ 26). في العهد الجديد، الانسان ابن الله، “الذين آمنوا باسمه مكَّنهم ان يَصيروا ابناء الله” (يوحنا 1/ 12). وصلاة المسيحيين تبدأ بـِ ” ابانا الذي في السموات” (متى 6/ 9). من هذا المنطلق نستعمل في القداس الكلداني عبارتي (الوجوه  المكشوفة – ܐܦܐ̈ ܓܠܝܬܐ) و (الدالة البنوية – ܦܪܝܣܝܐ)، في وصف  العلاقة مع الله. 

في الاسلام: الانسان عبدُ الله.

جهد الانسان: خلق التناغم

امام نزعة الانفصال والاستقلال والقطيعة، الانسان العاقل يُحارب الشر (الفوضى)، وينجح في خلق التوازن والانسجام والوحدة والتناغم  في داخله، ويعكسه في العلاقة مع الخارج فيتمتع بالسلام والفرح.

يقدم لنا الكتاب المقدس مثال آدم وحواء عندما إنجرّا الى نزعة الانفصال – الاستقلالية، تعرَّيا من تناغمهما الطبيعي (تكوين فصل 3)، وكذلك الابن الضال في انجيل لوقا (فصل 15) فقدَ بنوَّته، وصار عبداً لشهواته التي لا تُشبع.

التوبة. الخطيئة هي الانفصام، اي فقدان التوازن. التوبة محاولة لاستعادة الوحدة الداخلية والتناغم والعلاقة. يقول اسحق النينوي (القرن السابع) : “إن التوبةَ هي السفينة، والمخافةَ رُبَّانُها، والحبَّ هو الميناء الإلهي. تُركبنا المخافةُ في سفينةِ التوبة وتَعبُر بنا البحرَ النَتنْ لهذا العالم، وتوصِلنا إلى الميناء الإلهي الذي هو الحبّ؛ ومن هذا الميناء نَنظرُ إلى جميعِ الأتعابِ الشاقَّة التي هي في التوبة. لأننا ما أنْ نصلَ إلى الحبّ حتى نكون قد وصلنا إلى الله”1.

الانسان في نظر الآباء المشرقيين.

الإنسان في نظرِ الآباء ثُنائي بشكل عام: جسد ونفس. واحياناً ثُلاثي: جسد ونفس وروح، لكنه واحدٌ في كلِّ الاحوال، فالجسد يشير الى الانسان بكل أوجهه، وكذلك النفس. يقول ططيانس (+189): خلقه الله بفعل حرّ ومجاني وليس بالمصادفة (الخطاب7). ونرساي (+503) “خلقه ذكراً وأنثى، وهو مركز الخليقة” (المقالة الثانية).

الطبيعة (كيانا ܟܝܢܐ)، هي الطبيعة الاصيلة: الكون، والجنس البشري والطبيعة الشخصية، التي خلقها الله صالحة في حدِّ ذاتها: ” ورأى الله إن كلَّ شيٍء كان حسناً” (تكوين 1/4 – 10).  الانسان مدعوٌ الى التسامي- الارتقاء (ܠܥܠ ܡܢ ܟܝܢܐ  فوق الطبيعة)، أي الى البنوَّة الإلهية، بينما الخروج عن الطبيعة (ܠܒܪ ܡܢ ܟܝܢܐ)، هو نزع الإنسانية والبنوَّة الإلهية (افراهاط الحكيم+346). يقول مار افرام: “ان الشر، يكمن بكل وضوح، في استعمال الانسان للحرية، فآدم والشيطان بحريَّتهما وارادتهما أدخلا الشر” (ضد البدع 22/7). وفي مكان آخر يقول “إن الانسان لا يحصد الا الخير الذي يزرعه” (البتولية 34/15).  ويؤكد برديصان (+ 222) أن “الصلاح من طبيعة الانسان، والشر شذوذ” (شرائع البلدان عمود 533 ).

مصطلح الروحانية

تشير الروحانية في المفهوم المسيحي الى الروح القدس، روح الله. هذا واضح من قول يسوع” روح الرب عليَّ” (لوقا 4/ 8)، كذلك تشير الى الجزء الأعمق في الانسان.

 الروحانية مشروع تقديس حياة بأكلمها،  يُتيح المجال للروح القدس ان يُدخل تدريجياً شيئاً من عالم الله (الحياة الالهية) الى حياتنا الطبيعية، لنتحد به ونتحول اليه. يقول يسوع: “خذوا الروح القدس” (يوحنا 20/ 22)، نأخذه ليُعطينا شيئاً من قداسته وقوته وخلوده، ولهذا نُرتِّل: ” قدوسٌ الله، قدوسٌ القوي، قدوسٌ الذي لا يموت، ارحمنا”. للتجاوب مع الروح القدس يحتاج المؤمن الى النور الالهي حتى تكون “عينه الداخلية” مستنيرة.  يقول مار افرام: “العين التي تستطيع ان ترى الاشياء المحجوبة” (أناشيد الايمان 65/ 10). يتكلم الغربيون عن الحبِّ الالهي في الروح القدس، والشرقيون عن الحياة الالهية.

 ثمة طريقتان للروحانية المسيحية: الاولى حفظ الوصايا ومن خلالها يمنح الروح القدس النعمة ليحيا المؤمن في حضور الله  في أعماقه، ويقدّس حياته. والطريقة الثانية هي التكريس الرهباني في عيش العفة والفقر والطاعة. وما التصوّف الا وجود الله في قلب الانسان. تقول هذه الترتيلة المتداولة في كنائسنا:

سلمتُ قلبي، خصصتُ حُبّي قدمتُ ذاتي، لك يا ربي 
أنا لك، كلي بجُملتــــــــــي وأنت لي هنا في غربتي

 

الفعاليات التي ينبغي أن يتمرَّن عليها المؤمن كالرياضي هي: الصلاة والصمت، والتأمل وقراءة معمقة للكتاب المقدس وشيء من الزهد وخدمة المحبة. الروح، القلب، الفكر، الجسد، عناصر أساسية في الروحانية.

الروحانية مشروع الهي وانساني. فيها تظهر كلُّ الأشكال التي يُجسِّد فيها الانسان حضور الروح القدس فيه. الروحانية حياة الهية، أي الحياة في الثالوث، تُحقق فينا صورة الله عبر ابنه يسوع المسيح، وبفعل الروح القدس.

 المسيح في الروحانية المسيحية هو المثال الرئيسي  archetype لنقتدي به. مثالٌ حسيٍّ ( واقعيٌّ)، وليس نظري،  هو صورة الله والانسان. في القداس الكلداني: “مثال الله والانسان”.  لقد جعل الله الآب معرفة مجده في “وجه يسوع المسيح” (2 قورنثية 4/ 6). جاء في موشحات سليمان القرن الرابع: “صار شبيهاُ بي، لكي استقبله. بالشكل صار مثلي، لاتَّشِح به، لم أخفْ لما رأيته، لانه صار لي من يُحبُّني بحنانه”2.

نستلم “الروح القدس” ونختبر حضوره فينا لكي نسلمه بدورنا الى الآخرين. والسؤال المطروح علينا هو: كيف نُعدّ أنفسنا لهذا الاستقبال، والتفاعل معه حتى تتغير حياتنا؟ ثم كيف نقدر ان نشهد لهذا الاختبار الذي هو أحلى ما في حياتنا، للاخرين ونشجعهم على إختباره.

المسيحيون الاوائل والروحانية

 فَهِم المسيحيون الاوائل ان الروحانية هي اتّباع يسوع في كل ماعمله، لكي يكونوا “حنطة” لا “زؤاناً” (متى 13/ 14-30)، ونوراً لا ظلاماً وموتاً كما جاء في كتاب ديداكيه (نحو سنة 100) الذي يعدد محطات طريق النور (2/ 2-10).

من هذا المنطلق العملي تتقدم الروحانية المسيحية بشكل بسيط عبر تطبيق الوصايا، وأولها وصية المحبة “بهذا يعرفون انكم تلاميذي” (يوحنا 13/ 35).

 لم يفتأ آباء الكنيسة عن التأكيد على المحبة.  يقول سهدونا: “أرأيتَ كيف ان كلَّ القداسة التي تاتي من حفظ الوصايا، تكتمل بالمحبة؟ وكيف أن من له المحبة، يُصبح هيكلاً للثالوث الأقدس، ويتمتع بالمشاهدة الالهية contemplation بشكل خفي؟ فطوبى لمن هو جديرٌ بهذه المشاهدة”3.

آباء الكنيسة الشرقيون بعيدون عن تنظير وبلاغة الفلاسفة اليونان. انهم  ينتقدون الذين يتفحصون الامور ويُعللونها، ولا يكتفون بالأعمال الصالحة. يقول يعقوب السروجي (+520): “على النفس العاقلة ان تندهش أمام المسيح لانه المعجزة، وأن تكفَّ عن التفحص” (الرسائل ص 73).

يميل اليونان بسهولة الى التأمل النظري Theory والمشرقيون الى الممارسة praxis. بالنسبة لافغاريوس البنطي (+399) حفظ الوصايا هو المرحلة الاولى من المسيرة الروحية. هدفها تنقية النفس، وتَحييد الحواس، وعدم التأثر بالاهواء الشريرة،  للبلوغ الى ملءِ المحبة، أي الحبّ النقي وليس الحبّ الاناني. هنا يشدد الآباء على آهمية المواظبة حتى النهاية.

 يعتبر الروحانيون الأوائل واللاهوتيون الجسد بؤرة فساد بسبب شهوة غريزة الطعام والجنس. وبناء عليه ينبغي تحييده وتشفيفه لتحرير الروح الذي يُعدّ العنصر النقي والخالد. هذا غير مقبول، لان جسدي هو أنا، لكن عليَّ أن اُسيطر عليه.   وراحوا يدعون الى الانعزال في خلوة داخلية وخارجية لتعميق العلاقة مع الله وتعزيز الشركة معه بناءً على قول الانجيل: “أمَّا أنتَ فمتى صليتَ، فأدخل الى مخدعك وأغلق بابَك” (متى 6/ 6)، ودعوة يسوع: هلمَّ وانظر” (انجيل يوحنا 1/ 46)، اي الاتصال المباشر به، والبقاء معه وبقربه للتتلمذ على يده.

تتيح هذه التمارين للانسان التأمل في الطبيعة (كيانا) ليكتشف الكلمة Logos  علة كل المخلوقات “في البدء كان الكلمة .. به كان كل شيء” (يوحنا 1/ 1-2). ويتخطى الروحاني الطبيعة الى الروح، أي من الصور الحسيّة الى اللاهوت، ويتأمل عبر نور العقل في الثالوث. والبرنامج  الذي يقترحه الآباء هو: أهرب، أسكت، اهدأ. يقول ابراهيم النثفري: ” هناك صمت اللسان، وصمت الجسد، وصمت الحواس، وصمت العقل، وصمت الروح. صمت الروح هو عندما لا تستقبل اغراءات الارواح المخلوقة، بل تبقى مطبوعاً بالكائن الأزلي نفسه، وتستجيب لنداءاته” (آبآونا السريان ص 252).

 يركّز الروحانيون على انتباه الفكر ويقظة القلب، أي الوعي الروحي. القلب هو مركز العواطف، لذا وجوب صونه من الافكاررغير النافعة.

من المؤسف ان هذه النزعة اخذت منحى مبالغاً به عند تيار المصلين (ܡܨܠܝ̈ܢܐ) في القرن السادس، الذين لا يستسغيون اي نعمة إن لم تكن محسوسة ومدرَكة. صحح مكاريوس المنحول أخطاء المصلين في مواعظه، لكنه احتفظ باهمية الشعور بالامور الالهية. أهمية هذه العملية هي في تمييز الارواح وتحليل التعزيات والاحزان. رشقهم البطريرك حزقيال بالحرم في مجمع  سنة 576.

ثمة انطباع عن إهمال الروحانيين المشرقيين للرسالة – التبشير. هذا غير صحيح فالاديرة لم تنسَ ابداً خدمة المحبة والتعليم، واحتضان الغرباء (ܐܟܣܢ̈ܝܐ). جاء في القانون 7 لسينودس البطريرك اسحق سنة 410: “ينبغي ان يشيد في كل الكنائس داراً لاستضافة الغرباء” كما اهتموا بالتراث ونسخ المخطوطات.

المشاركة في الحياة الالهية

طبيعيٌّ ان هذه المشاركة ليست في مستوى طبيعة الله وجوهره (الانتولوجي)، انما في المستوى الروحي. انها تختلف عن كمال قداسة الله، “أنت وحدك قدوس” (الرؤيا 15/ 4). هذه المشاركة هِبة (نعمة) من الله لاكتساب الفضائل. في القداس الكلداني نُجيب، عندما ينادي الكاهن” القدس يليق بالقديسين بالكمال: الآب وحده قدّوس، الابن وحده قدوس، الروح وحده قدوس”. يبقى واضحاً الفرق بين المستويين، كما يعلن المجمع اللاتراني الرابع: “إن كان ثمة شبه بين الخالق والخليقة، فالفرق أكبر”. الروحانية المشرقية ترتكز على سرٍّ الله، نتذوق شيئا من “أسرار بيت الله”4. يعتمد الاباء المشرقيون لاهوت النفي التام apophatic   واستوعبوه بعمق. فالله هو غير منور وغير مدرك… موقف المؤمن كما يقول يوحنا الدلياتي هو” انذهال وصمت عميق ( الرسالة16/2).

بحكم ان الايمان المسيحي هو الايمان بالله الثالوث، هذا يعني ان كلَّ النعم تصدر من الآب، بواسطة الابن، وبفعل الروح القدس الذي تصفه صلواتنا  بـِ”الروح المحيي”. بهذا الاتحاد يبلغ المؤمن كمال دعوته.

المسيحيون القدامى لم يعرفوا سبيلاً آخر للاتحاد بالله سوى الارتقاء بنعمة الروح القدس عبر مراحل تطهير الذات والاقتداء بالمسيح الاله والانسان. يقول بولس “حياتي هي المسيح” (فيليبي 1/ 21). الحياة الروحية الاصيلة  ليست شيئاً آخر غير الحياة في المسيح ومعه.

النعمة

عندما يتكلم آباء اليونان الاوائل عن النعمة، انما يتكلمون عن مواهب الروح القدس. المشرقيون يتكلمون عن النور الالهي: “أشرق النور على الابرار والفرح على مستقيمي القلوب” (مار افرام).

عمل الروح القدس هو الاندماج في المسيح عبر تنقية الذات من الخطيئة، وحفظ الوصايا. الروح القدس يمنح القوة للقيام بهذا الجهد. هذا التحول نشاهده في الافخارستيا (القداس) “ليأتِ روحك القدوس ويحل على هذه القرابين ويباركها ويقدّسها ويحوّلها الى جسد المسيح ودمه لغفران الخطايا والخلاص ونيل الحياة الابدية” (القداس الكلداني). هذا التحول هو من اجل ان  يتحول من يتناول القربان الى المسيح. 

الحياة الابدية

يصف الكتاب المقدس الله انه “الحيّ” ويمنح الحياة.

تُفهم الحياة الابدية بمعنيين:

  1. الحياة بعد الموت وهو المفهوم الشائع.
  2. الحياة التي يمنحها المسيح للمؤمنين منذ الآن (قولسي 3/ 3)، “الحياة الأبدية هي ان يعرفوك انك الاله الحق وحدك والذي ارسلته يسوع المسيح” (يوحنا 17/ 13). هذه معرفة خبرة حياتية كما يفهمها الكتاب المقدس، وليست معرفة نظرية.

المسيحي متحد بالمسيح بالمعمودية. الروح القدس يجعل الانسان في المعمودية إبنا لله في المسيح. الحياة الروحية تبدأ من المعمودية وصعوداً حيث يرفعنا الروح القدس الى الله ، لنشاركه حياته الالهية  خصوصاً في الافخارستيا. المسيح هو الرأس نتحد به، ويتحد بنا، ونتحد ببعضنا. هذا الاشتراك عربون الحياة الابدية واستذواق لها. يقول يوحنا الدلياتي: “نحن كلنا بوجوه مكشوفة، نرى مجد الله كما في المرآة. ونتحول الى تلك الصورة، من مجدٍ الى مجد حسب فعل الروح القدس. هو الذي أشرق في قلوبنا لكي نستنير بمعرفة مجد الله الذي على وجه المسيح” ( الرسالة 50/ 19 و39/ 1).

الخلاص هو موضوع كرازة يسوع (الانجيل). اجاب يسوع على سؤال الشاب: كيف أرث الحياة الآبدية:  “واحدة تنقصك، اذهب وبِع … وتعال اتبعني” (لوقا 18/ 18-23). التخلي عن كل شيء وعن ذاتنا وتسليمها لله لتكون لنا معه علاقة وجدانية تقوم على الحب والانجذاب والانبهار. هو كنزنا وعليه نراهن حياتنا، هو “يكفينا”، وعلينا بالتالي أن نكون مستعدين لاستئصال كل ما يعيق دعوتنا: عيناً كانت أو يداً أو رِجلاً (متى 5/ 29-30)، أو مالاً أو منصباً أو صداقةً!

ليس للروحانية المسيحية هدف آخر غير الخلاص. يشدد معظم الآباء ان الطريق للخلاص هو الاندماج في المسيح. جاء في موشحات سليمان “لاني أحب ذلك الابن، صرت إبناً. من انضم الى من لا يموت، صار هو أيضا غيرَ مائتٍ. ومن يَسُرُّ بالحياة يُصبح حيّاً” (موشحات ص 97). كذلك يقول يوحنا الدلياتي: ” يا من تحبّ الله.. انظر اليه بالدهشة التي تُحدثُه عظمته فلا تموت. أنظر اليه في نفسك، وأبصره في داخلك. أشخص الى قلبك ومنه يشرق على نفسك. هذا يعني انك تجد في داخلك الله الذي هو ملكوتك، ان اشخصت وان كان قلبك نقياً من اية شائبة” (الرسالة 50/ 17).  

الحياة الطوباوية السعيدة مرتبطة بعلاقتنا مع الله واندماجنا فيه وبعلاقتنا مع بعضنا البعض.

نص لابراهيم  النثفري القرن السادس عن طريقة قراءة الكتاب المقدس

“اجمع آولاً افكارك، وطهّر قلبك من كل اعتبار غريب. وعندما تكون مستعداً تماماً، ادخل الى اعماق قلبك، واشعل بزيت الايمان سراج عقلك، فيضيء في هيكل “انسانك الباطن”، واشْدد حقوَي ضميرك بنار المحبة. لا تقرأ لمجرد القراءة وانما اقرا حتى تفهم.لا تقرأ وفكرك قلق. لا تقرأ للمتعة. لا تقرأ في جمع كثير، انما مع واحد أو اثنين. لا تقرأ من باب الشهوة .لا تقرأ من دون رغبة، لئلا تفقد حكمك الصائب. لا تقرأ جملاً عديدة، وتناقشها بسرعة، بل اقرأ جملة بعد جملة، وحلّلها واكتشف معناها. لا تقرأ في سبيل أن يمجّدك الآخرون. اذا صادفت جُملاً بسيطة لا ترذلها، واذا رأيت جُمَلاً أصيلة لا تتعجب، فهناك حقيقة واحدة تقود الى الرب… واذا صادفتَ جُمَلاً متناقضة، لا تخجل من إيجاد حلول لها.

ليكن لك حس للكتب المقدسة، وشاهد الآراء المتضاربة، ولكن ابق هادئاً، فلكل فضيلة مقياسها الخاص والعقلاء ينصحون الذي يود الصعود الى الأعلى بالنزول، والذي يود النزول الى العمق بالصعود. على كل حال، بالنسبة اليك خذ هذه النصيحة وتَسلَّح بها: ان لم تعرف السباحة فلا تلقِ نفسك في البحر (آباؤنا السريان ص 253-254).

__________________

  1. نصوص سريانية: الله رحمة، الله محبة، بيروت 2002، ص 102.
  2. الاب افرام سقط موشحات سليمان، دار المشرق، بيروت ط2  2006.
  3. لويس روفائيل ساكو اباؤنا السريان، دار المشرق 2012، ص 296.
  4. الاب روبيرت بولاي،  مجموعة الرسائل الروحية ليوحنا الدلياتي، ترجمة الاب سليم دكاش اليسوعي، دار المشرق 1986، الرسالة 12/4.

عن Ekhlass

شاهد أيضاً

مقالات عن القيادة الراعوية في ظلَّ جائحةٍ كورونا اللقاء العاشر: تجاوز المُعارضةِ

مقالات عن القيادة الراعوية في ظلَّ جائحةٍ كورونا اللقاء العاشر: تجاوز المُعارضةِ المطران بشار متي وردة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *