أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / العذراء مريم وصلاة الوردية المقدسة وشهر تشرين أول من كل عام

العذراء مريم وصلاة الوردية المقدسة وشهر تشرين أول من كل عام

العذراء مريم وصلاة الوردية المقدسة وشهر تشرين أول من كل عام

نافع توسا
تحتل العذراء مريم في الإيمان المسيحي موقعًا سامياً لم ولن تبلغه خليقة أخرى غيرها. إنَّها تُدعى أم الله مع انها ليست الله، تُدعى ايضًا عذراء وبتول مع انـّها ولدت الرب يسوع المسيح الإله المتجسد.

جميع البشر يولدون حاملين الخطيئة الأصلية التي بها عاقب الله آدم وذريته بسبب عدم اطاعته الله والأمر الصادر منه مباشرة؛ باستثناء العذراء مريم التي كانت احشاؤها مسكنًا لحياة جنينٍ هو إلهٌ قدوس حبلت به بمعجزة إلهية: مدة تسعة أشهر ثمَّ وُلد طفلاً طبيعيا كباقي الأطفال. (يرجى مراجعة انجيل متى 1: 20-22 وانجيل لوقا 1/ 26-36).

هناك عقيدة أخرى يؤمن بها المسيحيون وتتعـلق ايضًا بالعذراء مريم، تلك هي انتقالها إلى السماء بالنفس والجسد مباشرة بعد موتها فأنظمت إلى ابنها يسوع الذي سبقها بدخوله السماء بجسده الممجد الذي قام به بعد موته على الصليب ودفنه في قبر موجودٍ في اورشليم. ذكرنا في أعلاه انَّ للعذراء مريم مكانة سامية وفريدة لم ينلها غيرها ولا حتى الملائكة والانبياء ولا الرسل وباقي القديسين. للعذراء مريم دور رئيس وأساسي في تحقيق مصالحة الجنس البشري مع الله وإعادة العلاقة التي انقُطعت اواصرها بسبب سقوط آدم في الامتحان الذي امتحن به بتدخل الشيطان اللعين الذي اغوى حواء لتأكل من أثمار ألشجرة المحرّم أكلها -شجرة معرفة الخير والشر.

 
يؤمن المسيحيون بإله واحد في ثلاثة أقانيم: آبٌ وابنٌ وروح قدس. ويؤمنون أيضًا انّ الله هو خالق الكون بما فيه من احياء: نباتاتٌ وحيوانات وفوقها الأنسان الذي خلقه على صورته، أي عاقل وناطقٌ وله ارادة ويتمتع بتمام الحرية في حياته. خلقه ذكر وانثى ليواصل ويشارك الله في الخلق عن طريق الإنجاب.

في الأصل، لم يكن الله بحاجة لخلق الكون والإنسان، لكنه بسبب محبته الغير محدودة للإنسان، اراد ان يخلقه ُليشاركه سعادته مجانًا ودون استحقاق فوضعه بعد خلقه في فردوسٍ أرضي ليكون دومًا قرب خالقه ويحي في نعيمه ونعـمه بحرية شبه مطلقة دون قيود او قوانين متفق عليها. ما اراده الله من الإنسان فقط هـوان يُبادله حبٌا بطاعة مؤسسة على محبة فيثبت بذلك اعترافه بالجميل وشكره لخالقه بتمجيد ورفع حمد دائم. (تك 1: 27 -30)

امتحن الله طاعة الإنسان بمنعه من أكل ثمار شجرة واحدة فقط معينة المكان والنوع موجودة بين اشجار الفردوس. ثمَّ حذره من عصيان هذا الأمر-اي في حالة عدم الطاعة ستكون النتيجة الموت الأبدي. كانت نتيجة الامتحان فشل قاتل فسقط الجنس البشري كلـّه المتمثل بــ” آدم وحواء ” في الامتحان، على أثـر ذلك طُــُردا الأثنان من نعيم الفردوس الأرضي وخسرا نعمة القرب من الله والمشاركة في سعادته الأبدية، وكان ذلك وفق ما أُشترط عليه منذ بداية الامتحان. (تك 2: 16 -18). كانت وستبقى محبة الله للإنسان غير محدودة وفاعلة رغم عصيان الانسان – آدم وحواء – وعدم طاعتهم لأمر الله. وقبل ان يخرج آدم وحواء من الفردوس حسب العقاب الإلهي اعطاهما عهدًا بالخلاص من خلال حوار اجراه معهما (تك 3: 9 – 20). بموجب هذا العهد، تهيأت الفرصة للإنسانية لمجيء وسيط مساوٍ لله من جهة ومساوٍ للإنسان من جهة أخرى يرضى في تحمل استحقاقات عقاب عدم طاعة آدم لأمر الله – استحقاقات ارتكابه الخطيئة – لتعود الأمور إلى مجاريها ويعود الإنسان ليحيا في نعيمٍ سماوي أبدي ثانية.

بقيت الإنسانية التي كبر حجمها وتنامت بتوالي الاجيال والقرون فأصبحت اممًا وشعوبا منتشرة في ارجاء العالم تنتظر مجيْ هذا الوسيط. بسبب طول مدة الانتظار كان الله يرسل بين الحين والحين رسلاً عُرفوا بـ “الأنبياء” لتذكير الإنسانية بأن الله لا زال ملتزمًا بتنفيذ عهده الموعود به، فكانوا يُعطون اشارات ويتكلمون برموز صعب ادراكها وفهمها.

ولما حان وقت الإيفاء بالعهد حسب التدبير الإلهي تجسد الله الابن – الكلمة – (الذي يُعرف لدى بعض الأديان بـ “روح الله” حسب كتبهم) فحبلت به فتاة عذراء أسمها مريم حبلاً بمعجزة الهية نتج عن نزول الروح القدس عليها وقدرة العلي ضلـّلتها، لذلك كان المولود قدوسًا وابن العلي دُعي” (متى !: 20 – 22 ولو 1: 26 – 36). هكذا تحقق مجيْ وسيط هو الله ذاته من جهة وتجسد من خلال حبلٍ إلهي لفتاة عذراء طاهرة ونقية ومنزهة من اية خطيئة اسمها مريم فولدته انسانًا كاملاً سمّته يسوع وكانت له أمًا. موضوع طهارة ونقاوة العذراء مريم من الخطيئة الأصلية موضوع مهم واساسي لأن الله قدوس ولا يمكن ان يحي في جسم فتاة أثناء حبلها يه وهي واقعة تحت حكم الخطيئة الأصلية.

 
عدا ذلك يستند ايمان المسيحيين على اسرار ثلاثة هي اركان ايمانهم الأساسية وهي: سر الثالوث الأقدس وسر التجسد وسر الفداء.

سر الثالوث يُعزى له خلق الله الكلي القدرة للإنسان وسقوطه في الامتحان وصدور العهد بالمصالحة وإعادة العلاقة مع الله بعد نيل الغفران للخطيئة الأصلية وكل الخطايا التي يرتكبها الانسان. باستحقاقات الام وموت وقيامة كلمة الله وابن الله الحبيب الذي اتخذ له جسدًا بواسطة العذراء مريم التي حبلت به وولدته ولذلك استحقت ان تُدعى أم الله. إنَّ المسيحيين لا يعبدون العذراء مريم لأنَّها ليست الله، ولأنَّ العبادة حقٌ واجب لله فقط.

يبدأ دور العذراء وعلاقتها المباشرة مع الله في سرٍّ التجسد الذي كانت بدايته بمجيء الملاك جبرائيل عارضًا عليها رغبة الله لتكون امًّا للأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس الذي رضى انْ يقوم بما يلزم بتجسده. في البداية اضطربت العذراء من عرض الملاك ولم تـفـهم ما المقصود، ولكن عندما بيـّن الملاك بوضوح وتركيز كيف سيحدث ذلك قلقت لأنه ليس من السهل فهم التدبير الإلهي وغاياته. غير أنَّه بعد انْ راجعت مريم إيمانها القوي بالله وثقتها الثابتة به وبصلاحه الغير المدرك ومحبتها الشديدة للإنسان أجابت بقبولها العرض مسلمة ذاتها بكليتها لإرادة الله ومحبته. في الحال حصل لها الحبل الإلهي العجيب وتكون الجنين في احشائها ليولد طفلاً جميلاً وانسانًا كاملاً بعد تسعة أشهرٍ. مرّت ايام واسابيع وأشهر الحمل بسلام، والعذراء مريم تواصل الصلاة الحارة وتضاعفها دون قلق او خوف من هذا الحبل الغريب الغير المقنع لمجتمعها. ولكن وجود يوسف خطيبها إلى جانبها والذي اهتز لسماعه بحبلها في بادئ الامر بحسب المفهوم البشري، فصمّم على التخلي عنها سرًّا ودون اشهارها لكونه رجلاً بـارًا. عند ذاك تدخل الله في الموضوع فأرسل رسوله الملاك جبرائيل الى يوسف ليطمئنه ليعلمه ان الحبل إجراء إلهي وانْ لا يخاف شيئًا، فسلم يوسف هو ايضًا الأمر لمشيئة الله. بعد ذلك أضاف الملاك يقول منبهًا يوسف انْ عليه لا فقط ان لا يقلق ويخاف بل أيضًا المشاركة الفعلية في الموضوع فأضاف عليك ان تسمي الطفل “يسوع” لأنه هو الذي يُخلّص شعبه من خطاياهم. بهذا تحققت النبوة القائلة: “ها انَّ العذراء تحمل فتلد ابنًا يُسمّونه “عمانوئيل أي الله معنا” (متى1: 18-24)

الأمر المحيّر في ميلاد الطفل يسوع هو كون يوسف ومريم يعيشان في الناصرة البلدة الواقعة في أقصى الشمال من البلاد بينما النبوءات ذكرت انَّ ميلاد الوسيط المنتظر سيكون في بيت لحم الواقعة في الجنوب البعيد عن الجليل حيث الناصرة. فما الحلّ؟ قبل انْ تتم فترة الحبل الاعتيادية، صدر في تلك الأيام امر من اغسطس قيصر لإحصاء أعداد شعبه وبشرط ان يسجل كل فرد في موطنه الأصلي لذا اضطرّ يوسف ومريم للسفر من الشمال من الناصرة – في الجليل – إلى اليهودية في الجنوب للوصل إلى بيت لحم ليكتتبا فيها لأنهما كانا من بيت داود وعشيرته. يا له من إشكال مقلق وحـلأّ إلهيٌّ مدهش كل ذلك ليتم ما جاء في أقوال الأنبياء والمدونة في أسفر الكتب المقدسة قبل ذلك قرونًا عديدة !!!

لما وصل يوسف مع مريم بيت لحم لم يجدا لهما منزلاً للمبيت فبه بسبب زحام القادمين للاكتتاب فاضطرا للمبيت في مغارة كانت تستخدم اسطبلًا لإيواء الحيوانات. عندئذٍ حلّـت ساعة ولادة طفل مريم فولدته في ظروفٍ أتعس من ظروف لاجئين زماننا والنازحين قسرًا من اوطانهم. لم تحزن مريم ولا يوسف لوضعهما المزري وفقرهما المدقع بل على العكس فرحا فرحاً شديدًا بقدوم الوليد الجديد حيث كان المبشرين به في الداخل رعاة بسطاء علموا الخبر من ملائكة سماوين أمَّأ في الخراج فكانوا ملوكاً غرباء عرفوا الخبر بواسطة علومٍ فلكية. وقد استقبلت مريم هؤلاء المبشرين دون تميزْ او تفريق بسبب فقر الأولين وغنى الأخرين. بعد ميلاد الطفل يسوع بفترة جدًا قصيرة اضطرت مريم لشد الرحال مع يوسف والطفل يسوع للهرب إلى مصر بأمر سماوي لأن هيرودس ملك اليهودية علم بخبر ولادة المسيح المنتظر بواسطة الملوك -المجوس- القادمين من الشرق. وبعد تدقيق وتحري دقيق أخبره علماء الدين والشريعة، انَّ بيت لحم هي مكان مولد المسيّا – المسيح -المنتظر، لذا أمر بقتل كل أطفال ذكور ولدوا في بيت لحم من عمر سنتين فما دون، هكذا ظنَّ هذا الطاغية اللئيم انه سيقضي على المسيا المولود وهو لا يزال يرضع حليب امه. لكن الله كان أسرع منه فخيـّب خططه التي لا تستطيع مواجهة التدبير الإلهي. هربت العائلة المقدسة باتجاه مصر ليلاً بناء على توجيه الملاك ليوسف ونجل الطفل يسوع وذهب لاجئاً ليعيش هناك.

هذه المرحلة من حياة مريم وهي لا تزال في ريعان شبابها مرحلة قاسية بسبب ما واجهته من مطبات وقلق اجتماعي وديني واقتصادي وضبابية في رؤية مستقبل باهر كما كانت تتوقع ان تبلغه بعد لن سلمت ارادتها لإله قدير ورحوم يُحبها كما تحبه هي منذ البداية. (متى 2: 13 – 18).

بقي يوسف وعائلته المقدسة مقيمين في مصر حتى وفاة هيرودس. وعند ذاك جاءه الملاك ليخبره بموت هيرودس، ثمَّ أمره بالعودة مع مريم والطفل إلى اسرائيل، لأن الذي كان يريد هلاك الطفل قد مات. أطاع يوسف أمر الملاك، فأخذ مريم وأبنها في طريق العودة، لكن لا إلى اليهودية بل إلى الناصرة في الجليل خوفا من اذى محتمل يصدر عن أرخلاوس ابن هيرودس الذي تسلم السلطة خلفًا لأبيه، فسكنوا هناك، ليتم ما قيل في الكتب، إنَّه يـُدعى ناصريًا. تربى يسوع في احضان عائلته وترعرع وأشتد حكمة وكانت نعمة الله عليه. ولما بلغ يسوع الثانية عشرة من عمره رافق الصبي يسوع يوسف ومريم في صعودهما الى أورشليم في زيارتهما السنوية المعتادة بمناسبة عيد الفصح. ولما انتهت أيام الزيارة رجعا دون ملاحظة تغيبه من أمام أنظارهما وبقائه في اورشليم. وعند الاستراحة بعد مسيرة اليوم الاول طلباه لدى الأقارب والمعارف الذين ظـنـّا أنه معهم، لكن ظنـّهما خاب فقلقا وقررا العودة إلى اورشليم للبحث عنه. بعـد وصولهما إليها بقيا يبحثان عنه قلقين وخائفين مدة ثلاثة أيام. أخيرًا وجداه في الهيكل جالساً بين المعلمين يستمع إليهم ويسألهم. فلما أبصراه دهشا، فقالت له أمـه: ” يا بُنيّ لِما صنعتَ بنا ذلك؟ كنـّا أنا وأبوك نبحث عنك متلهفين””. فأجابها: لِمــا كنتما تبحثان عني؟ ألم تعلما أنَّه يجب عليّ أنْ أكون عند أبي؟” فلم يفهما ما قال لهما. (متى 2: 13-23 ولوقا 2: 41 – 49).

عند هذا الحد نتوقف عن دور العذراء في حياة ابنها الذي أصبح صبيًا يتصرف بحسب توجيه إرادته الشخصية ولا يسمح لأحد النيل منها عندما جابه أمه عندما عاتبته على تصرفه اي بقائه في أورشليم دون ان يُخبرها ويوسف بأن عليه واجب البقاء عند ابيه السماوي. بعد ذلك رجع معهما وسكن معهما في بيت الناصرة. لا أخبار عن يسوع بعد ذلك سوى انه كان في طاعتهما احترامًا لهما كوالدين، يـعـمل مع يوسف كنجار ويساعد أمه في شؤون البيت، حتى بلوغه سـنّ الثلاثين، حيث عندئذٍ سيبدأ التبشير برسالته لإنجاز المهام التي تجسد من أجلها.

افتتح الرب يسوع حياته العلنية بأول معجزة يحققها بناء على طلب العذراء أمِّه وبعضٌ من تلاميذه. حصل ان حضرت العذراء مريم عـرسًا في قانا الجليل، يعود لأقارب لها. حضر يسوع هذا العرس مع مريم أمِّه. هناك علمت مريم بنفاذ الخمر، فجاءت تخبره بذلك لأتها كانت متأكدة أنْ يسوع هو الشخص الوحيد الذي يمكنه أن يجد حلاً لهذه المشكلة المزعجة للجميع. مريم لم تطلب شيئًا في حديثها معه بل اكتفت بإخباره بما هو حاصل. لكن يسوع وصلته الرسالة وفهم رغبة امه المبطنة لذا أجابها: ما لي وما لكِ أيّــتـها المرأة، لم تأتِ ساعتي بعد”. (لم تهتم مريم بجواب يسوع بل قالت للخدم: “مهما قال لكم فافعلوه”. يوحنا: كم عظيمة هي محبتك ليسوع ابنك الكلمة المتجسد وفعـّالة فجعلته يُبادلك بمثلها وبطاعة لا تقبل المناقشة. لذا نراه يأمر الخدم ليملئوا ستة أجران بالماء الطبيعي العادي إلى الأعلى، ثمّ امرهم ليغرفوا منها خمرًا لذيذة ادهشت المدعوين وصاحب العرس الذي كان يجهل مصدرها.

هذا ملخص دور العذراء مريم في سر التجسد الذي به بدأت المصالحة بين الإله الخالق والجنس البشري الخليقة التي عصت أمر الله بغواية الشيطان وحيلته الأثيمة. حواء الأولى سقطت مع جميع اولادها في الامتحان أمَّا مريم التي تبنتنا عند اقدام الصليب بأمر من يسوع المنازع عندما نظر إليها وإلى جانبها التلميذ الحبيب إليه فقال لامـه: “أيتها المرأة هذا ابنكِ” ثمَّ قال للتلميذ: “هذه أمك”. (راجع انجيل يوحنا 19: ” 26 و27) بذلك أصبح كل من يؤمن بالمسيح إلهًا لأنه كلمة الله وابن الآب وإنسانًا لأنه ابن العذراء مريم التي استحقت ان تكون ام الله.

جاء في اعلاه انَّ للعذراء مريم مكانة سامية في تاريخ خلاص البشرية لم ولن يبلغها ايّ مخلوق بسب دورها في سر التجسد وصبرها الجميل والمدهش الذي يمكننا تحسسه في ثنايا سر الفداء، فاستحقت ان يكون لها شفاعة لا يمكننا أدراك ابعادها بمقياسنا البشري. من شدة تعلّق البشر بشفاعة العذراء الكلية القدرة، يظنَّ البعض انَّ المسيحيين يعبدون العذراء، وهذا خطأ كبير واتهام ظالم. نعم نُسمي العذراء مريم امَّ الله ولكنها ليست الله. شفاعتها ذات المقدرة ثابتة وبراهينها نراها مثبتة من خلال المعجزات والنعم التي نالها من طلب شفاعتها بإيمان شرط ان تكون موازية للتدبير الإلهي ولصالح طالب الشفاعة.

نظرًا لأهمية شفاعة العذراء مريم في حياة المسيحيين درس بعض أباء الكنيسة المشهورين الموضوع وأسسوا رهبانيات اعتمدت قوانين وبرامج صلوات يصلونها حسب اوقات ومناسبات محددة. من بين هؤلاء نذكر القديس عبد الاحد مؤسس رهبنة الآباء الواعظين – والمعروفين بـ “الدومنيكان” واعتمد فيها صلاة الأبـــانـــــا الشهيرة أيضًا بـ “الصلاة الربية” التي علمها الربّ يسوع نفسه لتلاميذه وعلى صلاة استعـار نصوصها من تعاليم انجيلية خاصة بالعذراء مريم سمّاها السلام الملائكي لأنها تبدأ بتحية السلام التي وجهها الملاك جبرائيل للعذراء، يوم بشرها بالحبل الإلهي ثمَّ نظمها في مجموعات. تتكون كل مجوعة من تلاوة الصلاة الربية مرة واحدة وعشر مرات السلام الملائك وسمّى هذه المجموعة بــ “سرّ”. ثمَّ وحـد كل خمس مجموعات -أسرار-سمّاها مسبحة وخصصاها لمرحلة من مراحل حياة العذراء: وعنوانها: أسرار الفرح واسرار الحزن وأسرار المجد. أخيرًا جمع كل ثلاث مسابح بباقة سمّاها وردية تيمنًا بالوردة العطرة التي يستخدمها الناس كهدية يقدمونها للأهل والأقرباء وإلى الأصدقاء بمناسبات الأفراح أو التعازي. غالبًا ما يغرف الرهبان الدومنيكان بالمسبحة الطويلة المتكونة من المسابح الثلاث وهي سلاحهم الروحي في الحل والترحال. علينا الانتباه انَّ صلاة الوردية لا تعني تلاوة هذه الصلوات -وتكرارها عشرات المرات كما تفعل الببغاء. هذا اعتقاد خاطئ. في الأصل يجب ان تكون هذه الصلاة المكررة مصحوبة مع تأمل في أحدث حياة يسوع الارضية وكذلك احداث حياة العذراء.

في السر الاول من اسرار الفرح نتأمل في بشارة الملاك للعذراء وفي السر الثاني نتأمل في زيارة مريم لقريبتها وفي الثالث في ميلاد الطفل يسوع وفي الرابع نتأمل في تقدمته لله في الهيكل وفي الخامس وجد ان يسوع في الهيكل مناقشًا علماء الشريعة. هكذا صلاة وتأمل يُعمقان جذور الإيمان في المؤمن ويزيدان فهمه وادراكه لعقائده.

عن Maher

شاهد أيضاً

الروحانية المشرقية – الحلقة 3

الروحانية المشرقية – الحلقة 3   الكاردينال لويس روفائيل ساكو مار أفرام، العين المستنيرة ولد مار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *