أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / توما وصعوبة الإيمان: بين الظلال والنور

توما وصعوبة الإيمان: بين الظلال والنور

توما وصعوبة الإيمان: بين الظلال والنور

الشماس الإنجيليّ شاكر يوحنّان زيتونة

 

مقدّمة

العدسة التي يجب أنْ نرتديها للنظر إلى شخصية توما يقدّمها لنا الإنجيل الرابع، في يو20: 19-29، خاصةً الآيات 24-29. فهو نصٌّ فصحيٌّ بارز؛ يبدو من أولِ وهلة، أنّه مكتوبٌ على وجهِ التحديد للكلامِ عنه توما الرسول، أو بالأحرى عمّا سيعنيهِ توما لجماعة المؤمنين في العصور القادمة وحتى وقتنا هذا.

من هو توما الرسول؟

توما شخصية مأخوذة من الإيمان الفصحي أو بالأحرى من الإيمان الكريستولوجي، فهو يُعَد بناء يوحناويّ أصيل في العهد الجديد. اسمه يأتي من جذر يهوديّ “تأم” ويعني “التوأم”، لذلك فإنّ الإنجيليّ يوحنّا يدعوه مراتٍ عديدة بلقب “ديديم”، الذي هو كلمة يونانيّة تعني “التوأم” (راجع: يو11: 16؛ 20: 24؛ 21: 2)؛ أما سبَبُ هذه التسمية ليس واضحًا جدًّا، فيوحنّا لا يقولُ شيئًا عنها!

توما حاضر دائمًا في اللوائح الأربع التي وصلتنا من العهد الجديد؛ ففي الأناجيل الإزائية، نلاحظ بأنَّهُ لا يلعب أيّ دور ولا يظهر في أيّ عملٍ، لا يتكلم ولا يتحدّث أبدًا عن يسوع أو عن الآخرين. لكن يُذكَر اسمهُ كعضو في جماعة الاثني عشر، ويوضع بجانب اسم متى (راجع: متى10: 3؛ مر3: 18؛ لو6: 15)؛ وفي سفر أعمال الرسل، يأتي اسمه بجانب اسم فيلبُّس (راجع: أع1: 13). أمّا الانجيل الرابع، إنجيلُ يوحنّا، يأخذ على عاتقه ذكر توما كبطل رواية، كما ويزوّدنا، بنوع خاص، بمعلومات عديدة تَصِف بعض المظاهر الهامّة من شخصيّة توما، ذلك في أربع لحظات مختلفة بينها: (راجع: يو11: 16؛ 14: 5؛ 20: 24؛ 21: 2).

الشجاعة والحماس

«فقالَ توما الَّذي يُقالُ لَه التَّوأَمُ لِسائِرِ التَّلاميذ: فَلْنَمْضِ نَحنُ أَيضاً لِنَموتَ معَه!» (يو11: 16)، نلاحظُ في هذا النصّ، الحثّ الذي وجّهه الرسول توما إلى باقي الرُّسُل، حينما قرّر يسوع، في وقتٍ حَرج من حياتِهِ، أنْ يذهَبَ إلى بيتِ عنيا ليُحيَ لعازر، بذلك يقترب إلى أورُشليم التي كانت ولا تزال تُشكِّلُ خَطرًا على حياته (راجع: مر10: 32). لكن السؤال الذي يخطِرُ على البالِ هو: ماذا قَصَدَ توما بقولِهِ مَع مَن نموت؟ بالطبعِ، نموتُ مع يسوع. لكن أين؟ أصبح توما قائدًا هنا، في موجة من الحماس، إذ حثّ التلاميذ الآخرين على الذهاب، والذين كانوا مرتبكين ومتضايقين إلى حدٍّ ما مِن قَرار المعلم الذي يرغب بالعودة، بشكل مفاجئ إلى اليهوديّة (راجع: يو11: 7)، إلى بيتِ عنيا لأحياء صديقهِ الميت. هذه اللحظة، ليست لحظة مواتية ليسوع والجميع يعرفُ ذلكَ، بل إنها حقًّا لحظة حرجة وخطيرة للغاية، ولا يُنصح في هذه اللحظة، بالاقتراب من أورُشليم، لأنَّها تُشكِّل تهديدًا على المعلم (رابي)، إذ أصبحت مخيفة لاعتبارِها ملموسة. يذكُرُ الإنجيليّ يوحنّا أنّ يسوعَ قد أفلت للتو من المحاولة الثانية للرجم من قبل اليهود: «رابِّي، قَبلَ قليلٍ حاوَلَ اليَهودُ أَن يَرجُموكَ، أَفَتعودُ إِلى هُناك؟» (يو11: 8). إنَّ خطرَ وقوع التلاميذ مع يسوع في أيديّ اليهود أو القبض عليهم وقتلهم، مرتفع جدًا، كما هو الحال مع احتمال أنْ يتمَّ إجبارهم على الدخول في صراعٍ قد يشمل ليس فقط القائد ولكن جميع أتباعه. توما، على الرغم من إدراكه ذلك، يبدو أنّهُ غير مكترث ويبدي نفسه مستعًّدا ليكون جسدًا واحدًا مع يسوع حتى الموت. وهذا يدلُّ على أنّ كلمة “تَبِعَ”، التي تُستخدم دائمًا في الاناجيل (متى، مرقس، لوقا ويوحنّا)، تدلُّ على حيثما يتوجّه يسوع، على التلميذ أيضًا أنْ يَمضي إلى هناك. إن التضامن الكريستولوجي الذي يستطيع توما التعبير عنه في هذه المناسبة مذهل وهو أمر يستحق التقدير، وأودّ أن أقول أنّه يحسد عليه.

نلاحظ وجود تناقض بين توما ورفاقه الذين وجدوا صعوبةً في التقاط الدعوة التي وجهها لهم المعلم (راجع: يو11: 8). مع ذلك، نعلم جميعًا عِلم المعرفة أنّه عندما يتطلّب الموقف شيء من الخطورة، فإنّ الخوفَ يسودُ فينا ونهرب بسرعة بجلدنا. لا نستطيع القول إلا أنْ نتضامن في جسد واحد في مواجهة جميع أنواع الخطر، حتى ولو اضطررنا للهرب.

أين هو، إذن، الشيء غير مقبول في ردّة فِعلِ توما؟ يبدو لنا على الفور أنّ وجهةَ نظرِ الرسول تَتطابق بقوة مع وجهة نظر يسوع. لكن في الواقع، تَتباعد أهداف المعلم وأهداف التلميذ قليلاً. ينظر يسوع بهدوء بل بفرح، إلى احتمالية موت لعازر؛ إنه لأمر لا يصدق أن يعتبر ذلك مناسبًا لنمو إيمان التلاميذ: «قد ماتَ لَعاَزر، ويَسُرُّني، مِن أَجْلِكُم كي تُؤمِنوا، أَنِّي لم أَكُنْ هُناك. فَلْنَمْضِ إِلَيه!» (يو11: 14-15). توما على العكس من بقيّة التلاميذ فهو موافق على العودة إلى اليهوديّة بكامِل استعداده، لكنّه يشعر بشعور داخلي مأساوي ومُميت، هذا الشعور نفسَهُ الذي دفَعَه إلى قول تلك الجملة «فَلْنَمْضِ نَحنُ أَيضاً لِنَموتَ معَه!»، فهو يعلن ذلك بصورةٍ رسميّة وإعلانه هذا يشبه الإعلان الموجود في الطقس الأسود للقتل الرحيم الذي لا يرى فيه المرء سوى الموت، ويشبه أيضًا شكل من أشكال الطقوس اليونانيّة القديمة والتي تعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد والتي تسمى بالمأساة اليونانيّة. فكم سينمو توما بعد هذه الحادثة! كنّا نتوقع من توما قفزة إلى الأمام، لكن بدلاً من ذلك نلاحظ بأنّه يخطو خطوةً إلى الوراء! قال القدماء: «ليس كل الشر يضر»، فالله يعرف حقًا كيف يكتب مباشرة على سطور ملتوية. لذلك، لا ينبغي لأحد أنْ ييأس من خطيئته، من الضعف الذي يميّزه، لكيلا يُجدِّف على الروح القدس (راجع مر3: 28-29). بدلاً من ذلك، يجب أن نؤمن بقوة وثبات برحمة الآب، كما يذكّرنا باستمرار البابا فرنسيس.

«يا ربّ، إِنَّنا لا نَعرِفُ إِلى أَينَ تَذهَب، فكَيفَ نَعرِفُ الطَّريق؟» (يو14: 5). هذا السياق هو نفس السياق الموجود أثناء اجتماع التلاميذ مع يسوع في العليّة، أثناء العشاء الأخير، خلال خطاب يسوع الوداعي، أينَ يتدخل توما مُحطِّمًا تلك الهالة الحميمة والمقدسة التي تمَّ إنشاؤها ولا نَنسى أنَّ بُطرس فعل ذلك أيضًا قبله بوقت قصير، بسؤالهِ: «يا ربّ، إِلى أَينَ تَذهَب؟» (يو13: 36 أ)؛ يليه بعد ذلك نِقاش بين يسوع وبطرس، إذ لا يخرج منه هامة الرسل بشكل جيد للغاية (راجع: يو13 :36ب-38). فتوما متضامن تقريبًا مع بطرس، إذ يتعامل مع هذا السؤال باستخدامِه لمصطلحاتٍ أكبر وذكيّة إلى حد ما: «يا ربّ، إِنَّنا لا نَعرِفُ إِلى أَينَ تَذهَب، فكَيفَ نَعرِفُ الطَّريق؟»، فهو لا يستسلم، يريد أنْ يعرف. في الواقع، إذا قرأ أحدٌ خطاب يسوع بعناية (راجع: يو14: 1-4، خاصة الآية 4)، يمكن أنْ تكون ردّة فعلِه مثل توما، لأنّ سؤال توما يولينا الحق نحنُ أيضًا، نوعًا ما، أنْ نطلبَ الشجاعة لنقول: “إنّي لا أفهمُكَ يا رب، فاسمعني وساعدني لكي أفهم”. هذه الصراحة، هي الطريقة الحقيقيّة للصلاة والحديث مع يسوع، تُعبّر عن قلّة طاقتنا على الاستيعاب. مع ذلك، إنّ اعتراف توما الصادق بالجهل بيسوع نقيصة، تتناقض مع العبارة التي قالها له يسوع للتو: «أَنتُم تَعرِفونَ الطَّريقَ إِلى حَيثُ أَنا ذاهِب» (يو14: 4). أي أنّه كان على التلاميذ الآن أن يعرفوا جيدًا إلى أين يجب على المعلم أنْ يتوجّه، إلى أين هو ذاهب، من المؤكّد أنّهُ ذاهب إلى أورشليم، إلى الموت على الصليب. لماذا سأله توما وقبله بطرس هذا السؤال؟ هل هم يتظاهرون بعدم المعرفة حقًّا؟

حتى في هذا السياق الجديد، إذن، فإن كلمات توما لها صدى مليء بالسخرية (الاستهزاء) الدرامية. فهو خاصة مَن إدّعى أنْ يشارك نفس الطريق (odòs)، نفس المصير الذي سيسلكه المعلم، ها هو الآن يعترف أنّه لا يعرف شيئًا عن هذا الطريق، عن هذا الهدف الذي سيسلكه يسوع. فأين انتهى حماسُ توما الرسول، الذي كان واثقًا من نفسه في المشهد السابق (راجع: يو11: 16)؟ إنَّ اليقين في وجهة نظره حول طريق يسوع قد تراجعت إلى حد ٍكبير، خضعت لنوع من الإشكالية، من الإجراءات المشكوك فيها والتي تميل إلى التوقف. هناك شيء يضعف علاقته بيسوع، فهل دخل فيه منطق الشك الخبيث؟

يَختتم الإنجيليّ يوحنّا إنجيلَهُ بالفصل العشرين، الذي يقع في موقع استراتيجي مميّز، إذ يروي ظهور القائم من الموت في لحظتين: اللحظة الأولى، لَم يكُن فيها توما موجودًا بين التلاميذ الاثني عشر؛ اللحظة الثانية، توما كان موجودًا بينهُم.

صعوبة الإيمان: خطوة إلى الوراء

«على أَنَّ توما أَحَد الاثَنْي عَشَر، ويُقالُ له التَّوأَم، لم يَكُنْ مَعَهم حِينَ جاءَ يسوع» (يو20: 24). وهنا يبدأ الجزء المتعلق به، لأنّ توما لم يكن حاضرًا عندما ظهر القائم من بين الأموات للرسل. فأين كان توما آنذاك؟ لماذا لم يكُنْ حاضِرًا مثلما كانوا جميع التلاميذ؟ لقد توقع يسوع تشتتًا عامًا لأتباعه (راجع: يو16: 32)، وفيما يتعلق بإعادة تجميعهم لم يكن أمرًا بسيطًا (راجع: يو20: 24)، مع ذلك، يبدو أن الجماعة قد اجتمَعَتْ حولَ الخبرة التي عاشتها المجدلية وإعلانها الصادم بأنْ يسوع ما زالَ حيًّا (راجع يو20: 17-18). لكن أين ذهب توما عندما جاءَتْ المجدليّة مسرعةً من شدّة الدهشة لتُخبِرَ الجميع أنّها رأتْ القائم من بين الأموات؟ هل أصبَح أشجعهم جميعًا الأكثر جُبنًا والأكثر رُعبًا في جماعةِ الرُسُل؟ إنَّ الخوفَ أبقى هؤلاء التلاميذ متحدين داخل العلية: «كانَ التَّلاميذُ في دارٍ أُغْلِقَتْ أَبوابُها خَوفاً مِنَ اليَهود» (يو20: 19). النّص صامتٌ لا يُعطينا أيّ سببٍ لغياب توما في ذلك الوقت! يمكنُ أنْ يكونَ قد أُصيبَ بخيبة أمل، فلم يرغب في معرفة المزيد عن يسوع وعن قصّته!

إن غياب توما، على الرغم من هذا الصمت، من شأنه أنْ يوحيَ بأنّه يَنأى بنفسه عن المعلم الذي جعلَه متحمِّسًا جدًا حتى هناك. التلميذ القادر على إقناع رفاقه باتباع يسوع في لحظة خطر الموت، الذي كان يشكله على حياتهم، يُظهِر الآن برودة رهيبة تجاه المعلم وتجاه إخوته التلاميذ. دعونا نقيس المسافة الموجودة بين وضع الرسول الأول الموجود في (يو11: 16) «فَلْنَمْضِ نَحنُ أَيضاً لِنَموتَ معَه!»؛ ووضع الرسول الثاني الموجود في (يو20: 24) «أَنَّ توما أَحَد الاثَنْي عَشَر، ويُقالُ له التَّوأَم، لم يَكُنْ مَعَهم حِينَ جاءَ يسوع»، نلاحظ بأنّ هناك أزمة قويّة تجتاحُ قلب الرسول، ففي كيانه تدور معركة شرسة؛ إنّها ساعةُ التجربة، ساعةُ إغرائه، فهو الآن قابل للثني، لا يملك أيّ قوى للقتال ضد المجرّب، فهو فريسة سهلة للعدو.

بالإضافة إلى ذلك، حتى قبل أنْ يُشيرَ الإنجيليّ يوحنّا إلى غيابه، فإنّهُ يصفه أكثر من اللزوم، فكان يكفي أن يقول أنّه: “أحد الاثني عشر”، لكنّهُ يقول: «أَنَّ توما أَحَدَ الاثَنْي عَشَر، ويُقالُ له التَّوأَم، لم يَكُنْ مَعَهم حِينَ جاءَ يسوع» (يو20: 24). عندما يصلُ القارئ إلى نهاية إنجيل يوحنّا، يعرف آنِفًا أنّ توما هو أحد الاثني عشر وهو من تلاميذ يسوع، فلماذا الإنجيليّ يوحنّا يُكرّرُ ذلك؟ ما الهدف إذن من كلِّ هذا التركيز على الرسول توما؟ عندما نقرأُ الأناجيل، لا يوجد شيء عشوائي قد كُتِبَ فكلّهُ ذاتُ معنى، لا سيّما ما يتعلّق بالإنجيل الرابع. في الواقع، يشير هذا الإسناد إلى “الدرجة” التي ينتمي إليها توما: فهو ليس واحدًا من التلاميذ فحسب، بل هو “واحد من الاثني عشر”؛ هو من أولئك الذين تلقوا معاملة خاصة من قبل المعلم، فاختارَه ليكون تلميذاً ورسولاً. كان توما مُختارًا، مدعوًّا ليكونَ جزءًا لا يتجزأ من الحلقة الكنسيّة الأكثر أصالة وموثوقية. لنْ نَنسى بأنّ توما كان واحدًا من الإثني عشر، ومع ذلك فقد أصبح طريق إيمانه متعرّجًا وحتى رجعيًا، خاصةً عندما يُقال: «فمَن ظنَّ أَنَّه قائم، فلْيَحذَرِ السُّقوط!» (1كور10: 12).

فلنعد إذن لبناء ما حَدَث: ليكُن توما حاضِرًا مع الآخرين عند إعلان المجدليّة، وعلى أي حال، يُمكِنُ أنْ يكونَ قد عَلِمَ بالفعل بحقيقة قيامة المسيح وظهوره، قبل ظهور المسيح لتلاميذه في العليّة. في حين أنّ هؤلاء، قبلوا بطريقة ما إعلان التلميذة (مريم المجدليّة)، فاجتمعوا في حالة من الرعبِ والخوف والأمل يترقبون يسوع القائم من بين الأموات. توما على العكس، يتناقض مع الأغلبية، إذ لم يصدِّق بأنَّ يسوع قد قامَ حقًّا وبالتالي لم يؤمن به، لذلك لم يكن حاضِرًا وقت ظهور يسوع للتلاميذ، كما يقول لنا النصّ الإنجيليّ. مع ذلك، لم يكن ينبغي عليهِ الهروب، فبعد ثمانية أيام، نلاحظ بأنَّ توما قد عادَ إلى جماعةِ الرُّسل من جديد. سيكون موجود في العليّة مع الآخرين أثناء الظهور الثاني (راجع: يو20: 26).

يمكنُنا القول أنّ توما قد استعاد إيمانه شيئًا فشيئًا. ويُمكن أنْ يعني ذلك أيضًا أنَّ توما ليس منغلقًا بإحكام وغير متاح تمامًا للإيمان بالقيامة. بالحقيقة، عند عودته إلى الجماعة الرسولية في نفس مكان الظهور السابق ليسوع المسيح (العليّة)، أعربَ توما عن استعدادِه لانتظار الرب. من قبل لم يكن موجودًا والآن ها هو بين باقي التلاميذ! بالعودة إلى العليّة، يعرّب توما عن استعداده لِلَمّ شمله بالآخرين، بذلك يُصلِحُ الجدار المكسور، الناجم عن مغادرته لمجموعة الرسل، الجسد الرسولي، أي الكنيسة. ربما شعر أنَّ اختبار (عيش) رجاءَ القائِمِ من بين الأموات سيكون ممكنًا على الرغم من كل شيء، فقط في العليّة حيث تجتمع الكنيسة: فقط من خلال العودة إلى الجماعة، إلى الشركة، هناك سيظهر له الرب نفسه. يبدو الأمر كما لو أنّ توما قد فَهِم أنّه لَن تكون هناك رؤية خاصة أو ظهور شخصي حميم خاص به، بدون وجود التلاميذ. لذلك، هنا، ننتقل من غيابه، علامة الرفض، إلى حضوره، علامة الاستعداد، وإن كان ذلك بشروط؛ في الوقت الحالي، يتم الآن الإعداد للاعتراف الكريستولوجي العظيم: «رَبِّي وإِلهي!» (يو20: 28).

صعوبة الإيمان: بين الظلال والنور

يعود الرب إلى العليّة ويوجّه نظرهُ على الفور إلى توما، ويكرّر نفس الكلمات التي استخدمها (راجع: يو20: 20، 27)، ليس من أجل السخرية منه (أو يمكن أنْ يكون كذلك)، لكن قبل كل شيء ليُعلن أنّه في حبّه يعرف ما يحتاجه التلميذ. يبدو أنّ يسوع لا يلوم التلميذ على عدم إيمانِهِ أو يلومه لكن بطريقة مختلفة. وبّخَ يسوع تلاميذه، مراتٍ عديدة، ولو بقسوة لإيمانهم القليل به. هذه المرَّة لم يكُن الأمرُ كذلك تمامًا، فيسوع لا ينكر الأدلّة التي يطلبها توما ليؤمن به، كأنه يعتبر اعتراضات توما مبرّرة ولذلك يقدرها برحمة.

هذا هو السبب في أنّ توما هو النموذج الأولي لأولئك الذين، على الرغم من اهتدائِهم، يميلون إلى حصر تجربة المسيح القائم من بين الأشياء التي يتم رؤيتها ولمسها، ضمن التجريبية، داخل العالم الملموس والحساس، قبل التخلي كليًّا عن الإيمان. تجربة تعبّر بشكل إيجابي عن حاجة التلميذ للتواصل مع حقيقة القيامة بالجسد. إنّها بالتأكيد ليست مسألة هذيان: فقيامة المسيح ليست ثمرة الخيال (راجع: 2بط1: 16). لذلك فالربُّ يأتي للقائنا في شكِّنا، في حاجتِنا؛ يطلب منا التحلّي بالشجاعة والحرية والثقة به.

هناك دعوة للقارئ أنْ يتصرف كمؤمن (pistòs): لا يمكن تخيل القائم من بين الأموات على أنّه مجرد ميت قد عاد إلى الحياة، عاد إلى الوجود السابق، أيّ وجود كل إنسان؛ بالحقيقة من هو في مجد سماوي لا يمكن أنْ يعود إلى الوجود الأرضي: «وهذا شَأنُ قِيامَةِ الأَموات. يَكونُ زَرْعُ الجِسْمِ بِفَساد والقِيامةُ بِغَيرِ فَساد. يَكونُ زَرْعُ الجِسْمِ بِهَوان والقِيامَةُ بِمَجْد. يَكونُ زَرْعُ الجِسْمِ بضُعْف والقِيامةُ بِقُوَّة. يُزرَع جِسْمٌ بَشَرِيٌّ فيَقومُ جِسْمًا رُوحِيًّا. وإِذا كانَ هُناكَ جِسْمٌ بَشَرِيّ، فهُناكَ أَيضًا جِسْمٌ رُوحِيّ» (1قور15: 42-44). ربّما أرادَ كاتِبُ الإنجيل الرابع (يوحنّا) أنْ يثقّف جماعته والأجيال القادمة على عدم التظاهر بأنّ لديهم نفس الخبرة العمليّة التي كان يملكها آنذاك الجيل الرسولي، الجماعة الرسوليّة الأولى.

خاتمة

كانت ردّة فعل توما جميلة جدًا والنص الإنجيليّ لا يذكُر ما إذا كان الرسول قد لَمس بالفعل جراح السيد المسيح وتحقَّقَ منها أولا، لكنّهُ يعتبر العلامات المميزة لهوية يسوع، الآن، جراحه بنوع خاص، إذ فيها يُظهر مدى محبّتِه لنا. فالرسول أجاب على الفور، مسلِّمًا ذراعيه: «رَبِّي وإِلهي!» (يو20: 28). هذا اعتراف مزدوج العنوان بالإيمان، مرتفع ودقيق للغاية بشأن هوية يسوع المعترف بها من قبل الرسول وعلى أنه (الرّب-Kýrios) و (الله-Theòs)، فيكونَ هذا الاعترافُ حقًّا مُميّزًا وفريدًا وذو معنى كريستولوجيّ عميق. توما وحدَهُ يعترف بإيمانه علانيّةً. من المحتمل أنّ الرسل الآخرين، عند ظهور القائم من بين الأموات، انحنوا على الفور، ولكن ربما قمعوا في أنفسهم شكوكًا لا توصف. فقط توما، كان صريحًا، إذ يُظهِرُ الآن إيمانه بانفتاح شفاف ومن هنا، بالفعل، أعاد اكتشاف انسانيّته. يا لها من شخصية جميلة ومؤمنة! يشرَحُ لنا القديس أوغسطينوس ذلك الفعل ويقول: «إنّ توما كان يرى ويلمُس الإنسان، لكنّهُ كان يقرّ بإيمانِهِ بالله، الذي لم يكُن يراهُ ولا يلمُسه. إلاَّ أن ما كان يراه ويلمسه كان يدفعه إلى الإيمان بما كان قد شكّ فيه في ذلك الوقت».

يقولُ البابا السابق بندكتوس السادس عشر في مقابلتِهِ العامة مع المؤمنين، يوم الأربعاء 27 أيلول 2006، متحدّثًا عن توما الرسول: «إن شخصية توما الرسول مهمّة لنا، ففيها نرى أنفسنا، فهو يعزينا في ارتيابنا؛ يبرهن لنا عن أنّ كلَ شكٍّ يمكن أن يفضيَ إلى مخرج منير، ما وراء كل ارتياب. الكلمات التي يوجّهها ليسوع تذكرنا بالمعنى الحقيقي للإيمان الناضج وتُشَجّعنا على الاستمرار رغم الصعوبات، على طريق انتمائنا إلى شخصه. فتوما كان يحظى بأهميةٍ كبيرة في الجماعات المسيحيّة الأولى. فباسمِه، بالفعل، كُتبَتْ أعمال وإنجيل توما، وكلاهما منحولان، لكنّهما مهمان لدراسة الأصول المسيحيّة».

أضاف قداسته: «لنتَذَكّر أنّ توما، حسب التقليد القديم، بشّر أولاً سوريا وبلاد فارس (هذا ما نلاحظه عند أوريجانوس، حسب ما ورد في التاريخ الكنسي لأوسابيوس القيصري 3، 1)، بعد ذلك ذهب إلى الهند الغربيّة (راجع: أعمال توما 1-2، 17)، من هناك وصل إلى الهند الوسطى».

دعوة لنا، أنْ نكونَ نحنُ أيضًا، على مثال مريم المجدلية وتوما وسائر الرسل، مدعوون لكي نكون شهودًا لموت وقيامة المسيح. فلا يمكننا أنْ نحتفظ لذواتنا بهذه البشرى. لكن علينا أنْ نحملَها إلى العالم بأسره: «لقَد رأَينا الرَّبّ!» (يو20: 25).

 

للتعمق

  • بندكتوس السادس عشر (البابا)، تعليم الأربعاء العامة – 27 أيلول 2006.
  • Appella Enzo, Ad uno ad uno: toni e tratti di umanità redenta nei primi discepoli di Gesù, AVE, Roma 2017, 113-139.
  • Appella Enzo, «Riscoprire l’Humanum nella Sequela Christi: tratti di umanità redenta nei primi discepoli di Gesù», Esercizi Spirituali, Collegio Urbano, Roma 16-21 settembre 2018.

عن Maher

شاهد أيضاً

الروحانية المشرقية – الحلقة 3

الروحانية المشرقية – الحلقة 3   الكاردينال لويس روفائيل ساكو مار أفرام، العين المستنيرة ولد مار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *