أخبار عاجلة
الرئيسية / اخبار البطريركية / الروحانية المشرقية – الحلقة 4  

الروحانية المشرقية – الحلقة 4  

الروحانية المشرقية – الحلقة 4  

الكاردينال لويس روفائيل ساكو

مراحل التقدم نحو القيامة 

تعتبر الحياة الروحية بمراحلها الثلاث: التطهير والاستنارة والاتحاد ركائز أساسية في المسيرة الروحية. 

المراحل عند اسحق النينوي

أبصر النور في قطر على الخليج في القرن السابع، ودرس هناك الكتب المقدسة والعلوم الدينية. ولما شبَّ، اعتنق الحياة الرهبانية وتبَحَّر فيها وصار معلماً “ربَّن”. التقى به الجاثليق كوركيس الأول (660-680) أثناء زيارته الرعوية لكنيسة قطر فاُعجب به واصطحبه معه الى بلاد ما بين النهرين الى دير بيت عابي، بالقرب من مدينة عقرة، حيث رسَمَه اُسقفاً لمدينة نينوى (الموصل الحالية). الا أن الاُسقف الجديد قدّم استقالته الى الجاثليق بعد خمسة أشهر من تنصيبه. وقصد جبل ماتوت القريب من أهواز، وانفرد مع النساك هناك. ثم أنتقل  الى دير ربّان شابور حيث توفي نحو سنة 700. له كتاب الطريقة الرهبانية، ترجمه الأب البير أبونا من السريانية وطبعه في عينكاو سنة 2020.

يشرح إسحق باسهاب المراحل الثلاث للحياة الروحية.

المرحلة الجسدية

على الراهب، في بدء حياته النُسكية، محاربة الشيطان والعالم والجسد واهوائهم بممارسات خارجية كالصوم والسهر في الليل والصلاة وتلاوة المزامير. “من الغروب الى الفجر يقفون – الرهبان – في الصلاة ممجّدين الله بالمزامير والتسابيح والمداريش والتراتيل الروحية” (مقالة 35). يشدّد اسحق على التوبة. “اُعطيت التوبة للبشر نعمة فوق نعمة… انها ولادة جديدة .. هي باب الرحمة” (مقالة 43). وتحتل الدموع مكانة كبيرة في تعليمه، كما في تعليم سابقيه، ونجد إشارة الى ذلك في القرآن “ترى أعينهم تفيض من الدمع” (المائدة 83). “الدموع تقود الى الحبّ الكامل لله” (مقالة 35) و”اذا بلغت أرض الدموع، فاعلم أنكَ قد تخلَّصت من سجن هذا العالم، وانك قد وضعت رجلك على الطريق المؤدية الى العالم الجديد، وتبدأ تستنشق الهواء المُذهل الموجود فيه… (مقالة 14). ويوصي بمخافة الله كأساس الفضيلة. “ان مخافة الله رأس الفضيلة، وابنة الإيمان كما قيل. تُغرَس في القلب وتمنحه الفرصة للتخلص من إغراء العالم، وتصقل حواسه الشاردة” (مقالة 1). ثم “ان مخافة الله تنفع الطبيعة البشرية، وتصدّها عن مخالفة الوصايا. أما الحبّ فيحرّك فيه – اي الراهب – الشوق الى الخيرات التي من أجلها يعمل الصالحات” (مقالة 3).

تمتاز هذه المرحلة بنكران الذات والتجرُّد، يقول اسحق: “اترك الامور الحقيرة لتحصل على الكريمة. كن ميتاً في الحياة وحياً في الممات. إجعل نفسك تموت بنشاط ولا تعش في الخطيئة” (مقالة 3). “وليكن لديك واضحاً ان كل صلاح يتحقق فيك، ظاهرياً أو خفياً، هو ثمرة المعمودية والإيمان، بهما دعاك يسوع الى كل الأعمال الصالحة” (مقالة 1).

إن أجمل ما وصل اليه إسحق هو عَدُّهُ حياة الراهب شهادة تقابل شهادة الدم: “ليس الذين يموتون لأجل إيمانهم بالمسيح هم الشهداء فحسب، انما الذين يموتون لأجل حفظ وصاياه ايضاً(مقالة 3).

المرحلة النفسية

بعد ان يتنقى الراهب من “دنس الجسد” يبلغ المرحلة الثانية من مسيرته الى الله: المرحلة النفسية. فيها يجِدُّ لكي يُطهِّر نفسه من الأفكار الغريبة والأهواء الشريرة ليحصل على الصفاء: “نحن نؤمن بما يلي. أنَّ الله لم يخلق صورته قابلة للأهواء، وأقول ان صورته لم تكن الجسد، انما النفس، لانها غير مرئية. كما نؤمن بان هذه الأهواء غير طبيعية بالنسبة الى النفس… لان الألم والأوجاع هي للجسد.. ” (مقالة 3). في هذه المرحلة يسعى الراهب الى جعل عقله خالياً من كل فكر طائش، وميل منحرف، وان يكون قلبُه متجهاً نحو الله: “ما هي نقاوة الفكر؟ انها ليست في عدم معرفة الشرور، والا أصبح (الإنسان) بهيمة… انما نقاوة الفكر هي في رفقة الالهيات التي نحصل عليها بعد ممارسة فضائل كثيرة” (مقالة 2).

يلحُّ اسحق على أهمية القلب ودوره في ضبط الحواس والحصول على السلام والأمان للراهب. “القلب مركز الحواس الباطنية وهو المطلق والأصل. فاذا كان الأصل مقدساً، كذلك تكون جميع الأغصان. والّا لن يكون هناك اي غصن مقدس… يتنقى الفكر، ويصفى بمعاشرة الكتب – المقدسة – وبالصوم والخلوة. أما القلب فيتطَهَّر من كل شيء باحتمال صعوبات جمّة، وبعدم مخالطة العالم وبالإماتة الكاملة. عندما يتحرر من ملاقاة الأمور الحقيرة لا تتسخ نقاوته. والحواس العفيفة تجلب الأمان للنفس” (مقالة 3).

 ينصح  إسحق الراهب أن يعيشَ في هذه المرحلة في اليقظة والرجاء والانتظار.

المرحلة الروحية

عندما تحصل النفس على صفائها الأول يكون الراهب قد بلغ عتبة المرحلة الروحية التي هي ذروة الحياة الصوفية. ويعِدُها هبة مجانية من الله: “اذا غذَّى – الراهب – شوقه الطبيعي بالحقائق الالهية التي ذكرتها، ويبحث عنها من دون كلل ويتعمق فيها، بعد ان يتغلب على اهوائه ويضبطها، ويصون نفسه، ويتضرع الى الله في صلاة حارة مستمرة، اذّاك – اذا شاء الله، أن يمنحه هذه الهبة، يفتح له الباب، بسبب تواضعه، لأن أسرار الله تُكشَفُ للمتواضعين” (مقالة 22). معلومٌ ان الذين يحصلون على هذه النعمة هم قلة (مقالة 22).

ما هي هذه المرحلة؟ “ان جميع القديسين الذين عُدُّوا أهلاً للسيرة الروحية، اي الانخطاف في الله، اقتيدوا بقوة الإيمان في فرح هذه السيرة الفائقة الطبيعة. اني لا أتكلم عن الايمان بالتمييز بين أشخاص الالوهية المسجود لها وخواص كل طبيعة… انما أتكلم عن الإيمان الذي هو نورٌ روحيّ، يشرق في النفس بواسطة النعمة” (مقالة 52). “المرحلة الروحية هي الممارسة بدون الحواس… إذّاك تكون كثافة الجسد قد تلاشت، والرؤية روحية… والعقل موجَّهاً بكامِله الى الله في مشاهدة مجدِه الخالد” (مقالة 40). يذكر اسحق “ان هذا يتم بتدخل الروح القدس. ويُشبِّه حلول الروح على النفس كحلول الروح القدس على القربان في سر الافخارستيا. ويكفي لحصول ذلك لحظة واحدة” (مقالة 22).

يوجز المراحل الثلاث بقوله: “لا يُمنَح الطفل خبزاً قبل ان يُفطَم من الحليب، هكذا الانسان الراغب في الاغتناء من الله، عليه الانقطاع عن العالم … ان أعمال الجسد تسبق أعمال النفس، مثلما في الخلق يسبق الجسد النفس. ومن ليس له أعمال جسدانية لا يمكن أن تكونَ له أعمال نفسانية. فالاخيرة نتيجة الاولى، كما السنبلة نتيجة حبة القمح المجردة، ومن ليس له أعمال نفسانية فهو خالٍ من مواهب الروح” (مقالة 4).

هذا هو تعليم اسحق النينوي، الذي غذّى المئات من الرهبان في بحثهم عن الله، وسانَدَهم خلال حياتهم في إنتظار الرجاء السعيد والرؤية الكاملة.

المراحل عند شمعون ده طيبـوثيـه

قلّما نجد اسم شمعون في خلاصات الأدب السرياني، انه راهبٌ من القرن السابع، غير مشهور بسبب عدم نشر مؤلفاته التي كانت طي المخطوطات.

يلجأ شمعون مراراً الى الرمز للتعبير عمّا يريد قوله، مستخدماً بخاصة رمز الورق والثمر لتبيان نمو الشجرة، ولتوضيح العلاقة القائمة بين المشاهدة الروحية (التأمل) وثمارها (ص 69-70). ويستند الى نص الرسالة الى غلاطية: “اما ثمر الروح فهو المحبة والفرح والسلام وطول الاناة واللطف ودماثة الاخلاق والأمانة والوداعة والعفاف” (غلاطية 5-22).

يدمج شمعون سَير هذه المراحل الثلاث للتأمل بالتدبير، أي بتجلّي نعمة الله لنا بيسوع المسيح، يقول: “يُعرّف الآباء هذه المراحل الثلاث للتأمل بالتدبير اي ظهور نعمة الله لنا، والتي نقلتنا من ظلام الكلام وكثافة الجسد الى المعرفة العقلية الخفية والعاملة في كل شيء. هكذا نتجاوز الحواس ونتمتع بمشاهدة (تأمل) الامور الروحية” (ص 25). ويسمي هذه المشاهدة بالملكوت. ان هذه الخبرة الصوفية هي مع الثالوث الاقدس من جهة، والمسيح من جهة اخرى: “هذا هو التعليم الذي يسميه الرب ملكوت الله، أي التأمل الكامل في الثالوث الاقدس، وفي معرفة تدبير محيينا الذي هو جزء منه، فقد قال (المسيح) ان ملكوت الله هو فيكم، فلا يأتي على وجه يُراقَب ولن يقال هو هنا او هناك” (لوقا 17/20-21). اذن ملكوت الله هو المعرفة الخاصة بالسماويات. والفقراء بالروح (متى 5-3) هم الذين بلغوا درجة الكمال، بتواضعهم كالاطفال وبفقرهم الى المعرفة ادركوا المعرفة الحقيقية (ص 25-26).

ان هذه الحياة الواعية والسلوك الروحي في الله “يرتكزان على تأوين تطبيق الوصايا وعلى التأمل في كل شيء” (ص 26). والسلوك الروحي يمر بثلاث مراحل: “ان السلوك الذي على الانسان ان يتمرس فيه ليتدرج حتى يصل الى الروحانية يمر بثلاث مراحل: الألم وعدم الشعور به والتطهير والاستنارة والقداسة. تقوم المرحلة الاولى على معرفة الانسان لذاته واستئصال أعمال الخطيئة والتوبة والبكاء بمرارة على الحياة الماضية. والثانية تبدأ بتمييز أعمال العقل وبتطبيق الوصايا بدقة وقوة. أمّا المرحلة الثالثة فيصلها المتوحد مسنوداً من النعمة وبحسب قدرته على الجهاد وتطبيق الوصايا والتغلب على الاهواء، فيجتاز الى حيازة البر والقداسة، ويكون بالتالي قد ادرك المشاهدة الروحية” (ص 26). اكيداً نجد هنا تأثير اسحق النينوي ومراحله الثلاث: المرحلة الجسدية والمرحلة النفسية والمرحلة الروحية.

 

وسائل البلوغ الى الحالة الكاملة

يذكر شمعون بعض السبل العملية للبلوغ الى المشاهدة الروحية، منها تثقيف الـذات، وقراءة الكتب المقدسـة، والقيام بممارسـات تقوية والتمرين اليومـي والاستنارة، الى درجة ان المتوحد لا يمكن ان يرى شيئاً ما من دون ان يتأمل فيه ويكشف فيه عناية الله. هكذا يسمو ويرتقي سرياً الى السماويات. يقول: “اذا الالوهية فينا وبها يقوم كل شيء ويتألّه كل شيء ويتكامل ويضيء، وان الله بفضل صلاحه المطلق، يعمل كل شيء ويوحّد كل شيء… تسميه الكتب المقدسة: صالحاً، مُحِباً، عَليماً، بارّاً، نوراً، ساطعاً، مُشرقاً، كلمة، حياة. واذا احترقنا حباً بالذي احبَّنا وواضع نفسه الى درجة مسكنتنا، رفَعَنا من التراب الى الروح بفضل اندماجنا في الالوهية (ص 29). لقد اعطانا بتواضعه الدالة رحمة منه حتى نعرف ونُدرك بأن كياننا إلهي، واننا مخلوقون على صورة الله ومثاله” (ص 31).

وصايا ونصائح عملية للنمو الروحي

يقدم شمعون في مقالته عن القامات المتميزة للحياة الروحية سبع وصايا (ص 34-36):

  1. ان الجهاد الأول الذي يشكّل نقطة الانطلاق هو بكل بساطة الطاعة لكل ما يُطلَب منا.
  2. والثاني هو تغيير عاداتنا وطباعنا وأساليبنا وأحكامنا، والخروج من اللاطبيعي الى الطبيعي.
  3. والثالث يكمن في المواظبة على التغلب على الأهواء، من خلال ممارسة الوصايا حتى يبقى القلب مكسوراً، متواضعاً ومطهراً.
  4. والرابع يقوم على ترك كل تشويش، والبدء بعمل التمييز، من خلال الأعمال الخارجية فيتوصل العقل الى درس، وفهم القوى الخفية العاملة في الكائنات السماوية، وفحص معنى الكتب المقدسة حتى تنفتح أعين العقل على كمال معرفة عناية الله، واهتمامه بكل شيء.
  5. والخامس هو تأمل العقل في الامور الروحية والارتقاء فيها.
  6. والسادس يقوم على دراسة الاسرار الآلهية وفهمها.
  7. والسابع يهيء العقل لعمل سر النعمة فيتخطى دائرة الكلام شيئاً فشيئاً لتستنفده المحبة الالهية.

“هكذا أعلم إننا بقدر ما تلهينا محبة السيرة – ويسميها السيرة الملائكية – التي نلتزمها، بقدر ذلك ننضج في المحبة، ونتذوق الطعم الخفيّ الذي فيها” (ص 35). وفي حديثه عن محبة السيرة يستشهد بقول غريغوريوس “ان الافكار تنبع من الأحشاء، ومنها يصعد الشوق الى القلب ثم الى العقل على شكل غاز” (ص 35).

المذابح الثلاثة

رمز المذابح الثلاثة للمعرفة مقتبس من أفغاريوس. تضم هذه المذابح في شرح شمعون سرّ أيام الجمعة العظيمة وسبت النور وأحد القيامة (ص 76). الأول يمثل المتوحد الطاهر الذي يعيش في الفضيلة. والثاني  يمثل النفس التي تصلي المزامير وتثابر على قراءة الكتب المقدسة. والثالث يمثل  العمل في سبيل الله كالصدقة وزيارة المرضى واستضافة الغرباء واكساء العراة (ص 77). الأول يرمز الى معرفة الاعمال ومنبعه تطبيق الوصايا. والثاني معرفة الأفكار ويعبّر عنه بالتسابيح والتمجيدات. والثالث معرفة الرجاء: “فبالرجاء الكامل نقترب الى المذبح الحي أي المسيح رجائِنا وربنا” (ص 78). يقول شمعون: “ان التأمل فيها يغمر القلب فرحاً وتعزية خفية. وعذوبتها تبتلعنا بحيث لا ينفك الفكر يتأمل فيها حتى حينما نصلي. إذ ذاك ليس انطلاقاً من خيرات الآخرين ننادي: قدوس (اشعيا 6/3). بل بفضل الخيرات التي يفيضها الروح القدس في ذهننا العاري. وعلى هذا المذبح البسيط وحده، الذي هو يسوع المسيح ربنا والهنا (يوحنا 20/28)، نقدم للآب ثمار صلواتنا عطراً يفوح من لدننا” – (ص 79).

يقارن بين فاعلية نور الشمس ونور الإيمان في موضوع المشاهدة: “على ضوء الشمس نشاهد حقيقة الاشياء، وعلى ضوء الايمان نرى حقيقة الامور الروحية الحاضرة والمقبلة، والحقائق الممجّدة للعالم الجديد، وسر الثالوث الاقدس، وكما هي حال ضوء الشمس للعيون الجسدية، هكذا حال نور الايمان للمعرفة الروحية” (ص 82).

المراحل عند يوسف حَزايا

القديس الأنبا يوسف حزايا (710-790؟)، يبدو انه اُختطِف ثم اُطلق سراحه. وشُغِفَ بحياة الرهبان المزروعة أديارهم في طول البلاد وعرضها. وترهَّب في دير الأنبا صليبا أثناء رئاسة قرياقوس. ثم تنقل إلى أديار أخرى في المنطقة وعاش ناسكاً في صومعة في عرّابا في جبل قردو… حرمه الجاثليق طيمثاوس الأول في مجمعه سنة 786-787، لكن رفع عنه الحرم خليفته البطريرك ايشوع برنون (823-828).

المحطات الثلاث

المحطة الأولى: الجسدية. تعتمد على ممارساتٍ عمليّة، كالصوم والسهر والصلاة وخصوصاً تلاوة المزامير وقراءة الكتاب المقدس. فالصومعة بمثابة “ارض الميعاد” لذا لها رتبة تكريس خاصة. يعرض يوسف برنامجاً خاصّاً للصلاة الجسدية والنفسية والروحية، لا سيما تلاوة المزامير. وهو متأثر بسابقيه. تمثل المحطة الأولى هذه حياة المقيم في الدير وترمز إلى خروج اليهود من عبوديّة مصر، هكذا يخرج الراهب من هذا العالم المادي عبر البريّة في الخضوع للوصايا. والهدف منها تنقية النفس. ويسميها افغاريوس praktike.

المحطة الثانية: النفسية. تشمل كل جوانب حياة الزهد- التوحد. تتمركز في بناء الذات من الداخل، من خلال ممارسة الفضائل وخصوصاً التواضع، وإخلاء الذات بغية الانتقال من عالم الجسد إلى عالم النفس، “تواضع القلب ثمرة الروحانية.. أيها الأخ عليك أن تدرك أن عمل الروح الذي نلته في المعمودية هو أن يكون في نفسك تواضع حقيقي. لا أتكلم هنا عن تواضع الجسد، بل عن التواضع الحقيقي في النفس. وعندما يعمل الروح فيك أعمالاً عظيمة ومدهشة، عليك ان تعد نفسك تراباً ورماداً [لتجنب خطر انتسابها الى الذات]. بالتواضع تعتبر كل الناس معلمين وقديسين”.  وتمثل هذه المحطة عبور اليهود نهر الأردن باتجاه ارض الميعاد ومحاربة سكانها، فهنا يحارب الراهب الشياطين – الأهواء الشريرة. وترمز الى حالة العامل الذي يتطلع إلى إستلام اُجرته. الهدف منها الانتقال إلى الشفافية. ويسميها افغاريوس التأملcontemplation ، بينما يسميها افراهاط الروح النفسية.

المحطة الثالثة: الروحية. يُرّكز الراهب جهده على نشاطات الذهن. إنها المدخل إلى النضوج والكمال. وكما صعد اليهود إلى جبل صهيون، كذلك يرتقي الراهب إلى “أورشليم السماوية”، أي إلى حالة الابن المتخلّي عن الجسد والعالم، عن حالة العبد أو العامل. وعبرها يصل الى الشفافية (transparency- ܫܦܝܘܬܐ)، والاستنارة، أي الدخول الى معرفة سرّ الله و”الاندماج- الاتحاد” فيحصل على رؤية نور الثالوث الأقدس والمسيح القائم من بين الأموات، لكن بلا هيئة. ويسميها افغاريوس اللاهوت theologia، بينما يعدها أفراهاط الروح السماوية. إنها حالة عدم الشعور impassability . يقول يوسف: “من ينظر إلى الله، لا بدّ ان ينقي نفسه من كل شائبة حتى لا يستطيع الشيطان ان يزرع الشهوات في قلبه، وحتى اذا زرعها فسرعان ما تزول لان ذكر الله لا يقيم مع الشهوات”. و “من قلب الراهب ينبجس المسيح نبع الحياة”.

عن Ekhlass

شاهد أيضاً

البطريرك ساكو يستقبل الدكتور سعد سلوم ومجموعة شباب وشابات من المجتمع المدني

البطريرك ساكو يستقبل الدكتور سعد سلوم ومجموعة شباب وشابات من المجتمع المدني إعلام البطريركية استقبل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *