أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / الصلاة وقود المحبة

الصلاة وقود المحبة

الصلاة وقود المحبة

المطران رمزي كرمو

الذي يصلي تتحول محبته الى نار مُشعّة تعطي الدفء للآخرين ونور ينير الدرب أمامهم، والذي لا يُصلّي تفقد محبته هذه الصفات. يخبرنا الكتاب المقدَّس بأنَّ الله خلق الانسان على صورته ومثاله (تكوين 1/ 26) وخلَّصه بدم إبنه الحبيب (يوحنا 3/ 16)، وذلك لكي يعرفه ويحبه ويرث ملكوته. إنَّ المعرفة التي يتكلم عنها الكتاب المقدس، ليست معرفة علمية ولا فكرية ولا نظرية، بل معرفة حياتية ووجودية، أي انها إختبار حقيقي لحضور الله الحيّ في حياتنا اليومية، كذلك المحبة التي يشير اليها الكتاب المقدس ليست بالقول والكلام بل بالعمل وشهادة الحياة. فالحب الذي لا يتجسد بالعمل والفعل إنما هو حبٌّ كاذب وباطل.

يشبّه لنا الكتاب المقدس علاقة الله بشعبه في العهد القديم بعلاقة الزوج بالزوجة (هوشع 2/ 16-22)، وفي العهد الجديد سُمّي يسوع المسيح بالعريس وشعبه الجديد (الكنيسة) بالعروس (اُفسس 5/ 25-27)، وأساس هذه العلاقة المحبة (يوحنا 15/ 13). فالذي يُحب حقاً لا يستطيع ان يعيش لنفسه فقط بل انه يتحرر من ذاته لكي يشارك الآخرين في محبته. نحن نؤمن إيماناً ثابتاً وغير متزعزعاً بأنَّ إلهنا واحد وثالوث وذلك لأنه محبة. المحبة الالهية يشارك فيها الأقانيم الثلاث أي: الآب والإبن والروح القدس.

لكن محبة إلهنا الواحد والثالوث ليست منغلقة على ذاتها، بل الله بسبب حبه اللامحدود شارك البشرية بمحبته الأزلية وذلك عن طريق إرسال إبنه الحبيب الى عالمنا والذي أحبنا حتى الموت، الموت على الصليب. لنقرأ ونتأمل: “الله أظهر محبته لنا بأن أرسل ابنه الوحيد الى العالم لنحيا به. تلك هي المحبة. نحن ما أحببنا الله، بل هو الذي أحبَّنا وأرسل إبنه كفَّارةً عن خطايانا” (1 يوحنا 2/ 9-10).

الشرط الأساسي لكيما تثمر المحبة هو أن تكون من قِبَل الطرفين، أي لكيما تُثمر محبة الله فينا، يجب علينا أن نحبُّه نحن أيضاً. الزواج المقدس لا يتم ولا يُثمر إلا حينما يكون الحب متبادَلاً بين العريس والعروس. نحن لا نشك في محبة الله لنا، لكن هل نستطيع القول بأننا نحبُّه كما هو يحبّنا؟ للإجابة عن هذا السؤال دعونا نسمع ونتأمل ما يقوله ربنا وإلهنا يسوع المسيح، له كل المجد والاكرام والسجود: “كَمَا أَحَبَّنِي الآبُ كَذلِكَ أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا. اُثْبُتُوا فِي مَحَبَّتِي. إِنْ حَفِظْتُمْ وَصَايَايَ تَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّتِي، كَمَا أَنِّي أَنَا قَدْ حَفِظْتُ وَصَايَا أَبِي وَأَثْبُتُ فِي مَحَبَّتِهِ…. هذِهِ هِيَ وَصِيَّتِي أَنْ تُحِبُّوا بَعضُكُمْ بَعضاً كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ. لَيسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يُضحي أَحَدٌ بنَفْسَهُ لأَجلِ أَحِبَّائِهِ. أَنْتُمْ أَحِبَّائِي إِنْ فَعَلْتُمْ مَا أُوصِيكُمْ بِهِ” (يوحنا 15/ 9-14).

لنتأمل أيضاً في صفات المحبة التي يسردها بولس الرسول، شهيد الحب الالهي، في رسالته الاولى الى أهل قورنتس: “الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرفُقُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَحسِدُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرُ، وَلاَ تَنتَفِخُ، وَلاَ تُقَبِّحُ، وَلاَ تَطلُبُ مَا لِنَفْسِهَا، وَلاَ تَحتَدُّ، وَلاَ تَظُنُّ السُّوءَ، وَلاَ تَفرَحُ بِالإِثمِ بَلْ تَفرَحُ بِالْحَقِّ، وَتَحتَمِلُ كُلَّ شَيءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيءٍ، وَتَرجُو كُلَّ شَيءٍ، وَتَصبِرُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ. اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسقُطُ أَبَداً” (13/ 4-8).

هذه الآيات عن المحبة تدعونا الى إعادة النظر في نوعية المحبة التي نكنّها لله وللقريب لكي نكتشف ضعفها وكم هي بعيدة عن تلك المحبة التي يدعونا اليها ربنا يسوع المسيح. فمحبتنا غالباً ما تكون مشروطة وتبحث عن إمتيازات ومنافع شخصية، لكن محبة الله لنا هي مجانية وغير مشروطة. لكيما تتحرر محبتنا لله وللآخرين من كل ما يشوّهها، ويجعلها أن تتحوّل الى أنانية وحب الذات، علينا اللجوء الى الصلاة النابعة من القلب، والتي هي عمل الروح القدس في حياتنا.

يوم عماذنا حلَّ علينا الروح القدس لكي يعلمنا الصلاة. الصلاة، هي التي تُنقّي وتُطهّر المحبة من كل الشوائب ومن كل ما هو غريب عنها. الصلاة تُعيد الى المحبة جوهرها وأصالتها وتُزيدها شُعلةً وإضطراماً وبهاءً. فمن دون الصلاة اليومية تخمد وتنطفيء نار المحبة الالهية لأن الوقود ينقصها. لا ننسى بأن المحبة هي مقياس وأساس الحياة المسيحية (1 قورنتس 13/ 1-3). ولنتذكر أيضاً بأن معيار الدينونة الأخيرة سيكون المحبة فقط، كما نقرأ في الانجيل المقدس: “وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجلِسُ عَلَى كُرسِيِّ مَجدِهِ. وَيَجتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ، فَيُمَيِّزُ بَعضَهُمْ مِنْ بَعضٍ كَمَا يُمَيِّزُ الرَّاعِي الْخِرَافَ مِنَ الْجِدَاءِ، فَيُقِيمُ الْخِرَافَ عَنْ يَمِينِهِ وَالْجِدَاءَ عَنِ الْيَسَارِ. ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ. لأَنِّي جُعتُ فَأَطْعَمتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيتُمُونِي. كُنتُ غَرِيباً فَآوَيتُمُونِي. عُريَانًا فَكَسَوتُمُونِي. مَرِيضاً فَزُرتُمُونِي. مَحبُوسًا فَأَتَيتُمْ إِلَيَّ. فَيُجِيبُهُ الأَبْرَارُ حِينَئِذٍ قَائِلِينَ: يَا رَبُّ، مَتَى رَأَينَاكَ جَائِعاً فَأَطْعَمنَاكَ، أَو عَطْشَانًا فَسَقَينَاكَ؟ وَمَتَى رَأَينَاكَ غَرِيباً فَآوَينَاكَ، أَوْ عُريَاناً فَكَسَونَاكَ؟ وَمَتَى رَأَينَاكَ مَرِيضاً أَو مَحبُوساً فَأَتَينَا إِلَيكَ؟ فَيُجِيبُ الْمَلِكُ وَيَقوُل لَهُمْ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ” (متى 25/ 31-40).

لنُصلِّ الى الروح القدس لكي يُزيدنا إيماناً وثقة بقوة الصلاة وفاعليتها، لكيما تجعل كل أعمال حياتنا اليومية تجسيداً حياً وجذاباً لمحبة الله التي شمَلَ بها كل البشر من دون إستثناء

أرجو من الذين يقرأون هذه الأسطر أن يصلّوا من أجلي، كي أعيش ما تبقى لي من الحياة الزمنية بالإيمان والرجاء والمحبة وشهادة الحياة حتى النهاية. مع الشكر. ولنبقَ متحدين بالصلاة، رباط المحبة الذي لا ينقطع.

بغداد 4 تشرين الثاني 2020

عن Ekhlass

شاهد أيضاً

صلوثا تا زيرتا دمارن ﭘـاﭘـا فرنسيس لبيث نهرين

صلوثا تا زيرتا دمارن ﭘـاﭘـا فرنسيس لبيث نهرين كبيشا مصوليثا بخوشيبا كاردينال لويس روفائيل ساكو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *