أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / من الارض الى السماء

من الارض الى السماء

من الارض الى السماء

الاب ثابت بولس 

  منذ وجود الانسان على الارض كان نظره يتجه نحو الاعالي مبحرا في خيالاته وتوقعاته ونتائج استكشافته العلمية وتحاليله العقلية. لقد كانت السماء دوما المكان الكامل والثابت، مكان الخير وسيادته. ان السماء تقترن بالتسامي اي الخروج مما هو عادي ومبتذل وما هو قابل للتغيير والانحلال. لقد اقترنت السماء بالله الذي توقع وجوده الانسان بعدما تسامى فكره وبدأ يستنتج من خلال الطبيعة وجود من هو مصدرها وخالقها. لقد ثمن الكتاب المقدس هذه المعرفة الاولى التي بواسطتها تعرف الانسان على الله والتي لازالت تستخدم كدليل وطريق طبيعي لاثبات وجود الله. يقول المزمور 19: 1: ” السماء تتكلم عن مجد الله والجلد يخبر بأعماله”. بينما مار بولس في مطلع رسالته الى اهل روما يشارك الغير مؤمنين من الشعوب التي لم يصلها الوحي بعد بمسؤولية السلوك حسب منطق الخير والصلاح كونها تستطيع معرفة ارادة الله الظاهرة في مخلوقاته، وان كان الله غير معروفا لها، يقول: إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ، لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْر” ( روما 1: 19-20). ان الكتاب المقدس يؤكد خبرة الانسان التي من خلال العقل تذهب الى ما وراء المحسوس والظاهر والعادي لتبلغ ما هو اسمى، الى الوجود ذاته ومعناه. لقد كشف يسوع حقيقة السماء التي هي بعدا وجوديا قبل ان تكون حيزا مكانيا او طبقة تعلو الارض، نسمع يسوع وهو يتكلم عن ملكوت الله قائلا: ” ولما سأله الفريسيون : متى يأتي ملكوت الله؟ أجابهم وقال: لا يأتي ملكوت الله بمراقبة ولا يقولون: هوذا ههنا، أو: هوذا هناك لأن ها ملكوت الله داخلكم” ( لوقا 17: 20-21). ان الايمان المسيحي عاش هذه الحقيقة منذ البداية، لا بل تأسس الايمان المسيحي على حقيقة انكشاف سر الخلاص الذي يتركز على سر التجسد: موت وقيامة المسيح. هذا ما تؤكده نصوص الوحي الالهي حيث نسمع مار بولس يقول: ” وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ” ( 1 طيمثاوس 3: 16). لقد اصبح العالم المادي والطبيعة بواسطة المسيح  مكانا ضروريا لظهور الله وتجلي حقيقة خلاصه. العالم المادي اعيدت له كرامته من خلال التاكيد الذي كان موضوع البشرى المسيحية الاولى والتي تضمنت قيامة المسيح. لقد اكد شهود القيامة بأن من قام هو ذاته من مات، ذلك الجسد الذي عانى الالام وصلب هو قد قام. يسوع يثبت هذا في ظهوراته التي بها يتناول طعاما امام تلاميذه ويطلب منهم ان يعاينوا جسده بحواسهم ولم يطلب منهم ان يستنتجوا بعقولهم فقط. ان قيامة المسيح تعني ان العالم المادي يحوي امكانية اكبر من تلك التي نظنها، انها المكان الامثل الذي من خلاله تظهر قدرة الله الخلاصية التي تبرز ماهيته الخيرة الشفافة التي بها يعبر الانسان الى اعماق الهية. لقد قاوم مار بولس اولئك الذين نكروا قيامة الاجساد مؤكدا ان الاموات سيقومون متحولين الى روحانيين ( 1 كورنتس 16). ليست الروحنة التخلي عن البعد المادي للانسان والا لما كانت المسيحية منذ البداية تؤكد على قيامة الاجساد، لقد انتبهت الكنيسة الى عدم الانجراف وراء معطيات الفلسفة اليونانية التي من تنشا عليها الفلسفة دخل في الايمان المسيحي وحاول ان يستخدم معطياتها لشرح الايمان المسيحي. لا يخفى على من اطلع على الفلسفة اليونانية كونها فلسفة ثنائية تفصل ما بين المادة والروح معتبرة امر التخلص من المادة خلاصا ومهمة الفلسفة هي الارتقاء من الجسد الى الروح. لقد تورطت التيارات التي سميت بالغنوصية بهذه النزعة التي جعلتها ان تقدم ايمان مسيحيا منزوعا منه عنصره الاساسي، الا وهو التجسد. لقد نكر الغنوصيين حقيقة جسد المسيح معتبرين ان ما كان له كان مجرد ترأئيا وتظاهرا بان له جسد. لقد نكروا قيامة الاجساد واستخدام المواد في تقديس الاسرار، هذا كله لحساب اعتبار المسيحية مجرد معرفة سرية مقتصرة على البعض الذين يسمونه بالروحانيين ولهم فقط يكون الخلاص. لقد حاربت الكنيسة مثل هذه النزعة من خلال تاكيدها على سر التجسد وكان الشعار هذا: ”  الجسد هو محور الخلاص”.

لقد ارتكز لاهوت الكنيسة بمجمله على هذا وفي كل اختصاصته العقائدية والادبية والليتورجية، لا بل اللاهوت الروحي المسيحي يقدم بصورة واضحة موضحا ان الروحانية ليست كما يفهمه الفكر الغامض على انها تهربا من الالتزام بالعالم المادي وكل متطلباته، ولكن هي عيش الحياة بواقعها المادي ضمن فكر مستنير بحضور الله بواسطة روحه القدوس الذي يعمل على استخراج المعنى الاصيل من وراء فعل مادي وجسدي، ارضي واجتماعي.

الليتورجيا محطة انتقال

نقصد بالليتورجيا الفعل الكنسي الذي بواسطته تقدم الكنيسة العبادة لله وتحتفل بالاسرار الخلاصية. الليتورجيا هي عمل جماعي يتم من خلال لغة مشتركة تلائم الجماعة كلها، هذه اللغة هي مجمل الرموز المادية والعمرانية والفكرية والاصطلاحية. هذه الرموز ليست اتفاقية الفها البشر، ولكنها ذات معنى لدى الانسان الذي اتخذها الله واسطة من خلالها كشف ذاته وخلاصه بطريقة تناغم معرفة البشر وخبرتهم الطبيعية مع هذه الرموز. ان استخدام الله لهذه الرموز هو نقلة نوعية كبيرة ساعدت المؤمن ان يكثف خبرته مع هذه المواد ويتعامل معها بصورة سليمة ارادها الخالق منذ البداية. هنا يكون الانتقال من الارض الى السماء، من العالم المادي الى معناه، ومن الفعل الجسدي الميكانيكي الى عيش الغاية من فعله، من ما هو بشري ليصبح انساني الهي. في الليتورجيا يتحد بعدان: حقيقة الله مع عالم الانسان، ومن خلال المواد المستخدمة في الليتورجيا ورموزها تعبر حقيقة الله الى الانسان كما ارادها هو، وبواسطتها يرتقي الانسان الى الله وعالمه. تقول ترتيلة الاسرار للاحد الثالث من زمن الكنيسة حسب الطقس الكلداني: ” في مسكنك ايتها الكنيسة الامينة نرى حمل الله الحي بصورة سرية ( كرمز)، حيث يحتفل به على مذبحك المقدس، ومن ينضم اليه بمحبة يصبح معه بروح واحدة متحدا في ذلك الملكوت الابدي، وينال اكليلا  بهيا وحلة المجد التي لا تبلى. وبواسطته ( اي المسيح) يقدم للاب، مثل عضو في جسد رأسه المسيح ونحن اعضاء له…”. ان حضور الله اصبح عبر رموز محسوسة معقولة لان كفاءة الانسان لا تتجاوز هذا المستوى المعرفي، والليتورجيا بقوة الروح القدس العامل بها تجعل من هذه المحسوسات المادية ( الرموز) ان تصبح حمالة لحضور الله وعلامة واقعية تشير اليه، انها اجزاء مرئية من الحقيقة اللامنظورة العصية على ادراك الانسان. ان الاحتفال الليتورجي يساعدنا للعبور واللقاء بحقيقة الله ونيل خلاصه. هذا العبور تقدمه اللغة الليتورجيا بكلمات تشير الى السماء والعلى، ولكن عيش هذه اللغة ينقلنا الى الاعماق، اعماق الذات والوجود والحياة والواقع، نرفع اذهاننا عندما ننحي الى العمق ونلتفت الى حياتنا المادية البشرية لنجد بين خباياها ذلك المعنى الذي اراده الخالق فيها. ان العبور من الارض الى السماء هنا هو العبور من الفعل المادي الى معناه الاعمق، العبور من مجرد ان يكون الخبز مادة واكلا الى ان يكون مكانا تمنح من خلاله حياة المسيح لنا. هذه الحياة تخترق حياتنا وتجعل من كل خبز واكل وطعام في حياتنا مكانا يحيا به المعنى الالهي مما يجعلنا ان نتعامل مع الخبز ( الموارد الطبيعية والاقتصادية) على انها موارد للحياة والمقاسمة وليست لاجل الصراع والاقتتال، ان نفهم من خلال الفعل الجنسي البشري الذي يتقدس بعهد الزواج انه علامة تجمع الذوات الانسانية المحبة، كامكانية بها يصبح الانسان صورة للخالق عندما ينجب. وهكذا دواليك هذا هو العبور الحقيقي: الانتقال في مستويات الحياة، من ظاهرها الى عمقها حيث يكون الله موجودا، يقول القديس اوغسطين في اعترافاته: أنا الذي أوجدتني لماذا أطلب أن تدخل فيً ، أنا الذي لم أكن موجوداً بدونك ؟ أحقاً أنك لست فيً ؟ لماذا ؟ إنني لن أهبط إلى الجحيم لأنك فيً ، ومع ذلك إذا هبطت إلي الجحيم فأنت هناك !آه يا إلهي لا أقدر أن أموت ، بل لا أقدر أن أكون مطلقاً ، ما لم تكن أنت فيً ، أو أكون أنا فيك ، لأن لك وبك وفيك كل الأشياء” ( الاعترافات 1: 2).  

في ظل الواقع المعاصر

ان مسالة العبور من الارض الى السماء تصبح مستحيلة من دون ان توضع ضمن منطق السر الكنسي، لان السر الكنسي هو اطلاق المعنى الكامن في المادة والفعل البشري. ان الواقع المعاصر يفرض ثقلا استهلاكيا يحصر المادة في دائرة فارغة من دون اي انفتاح الى الافاق السامية التي لاجلها خلقت. ان عقلية ال new age  التي تريد تشكيل العالم حسب روحانية زائفة تجعل من الفعل والمادة امرا عقيما لا يفضي الى اضافة خلاقة في حياة الانسان وتقدما نحو الافاق الابدية. ان مثل هذه العقلية والموقف الاستهلاكي للمادة يدفع بالانسان للعبور من فراغ الى اخر، الموارد الاقتصادية اصبحت تشبع حاجة التملك، الجنس اصبح عبدا للذة الانانية، والابداع الفني لا يعكس سوى نفسية غامضة معزولة. ان الاجسام التي تنفلت من الجاذبية الارضية تهيم في الفضاء من دون هدف او اتجاه، وكذلك الحياة التي تنفصل عن الارتباط بعهد الله تتيه على وجه الارض لتنتهي من دون اي ثمر. ان الليتورجيا تقدس الحياة والواقع، اي انها  تجعل من السماء حاضرة في امور الارض وترفع الارض لتكون حسب معنى السماء. الفعال الليتورجية الاسرارية – والافخارستيا مركزها ومثالها الاسمى – تتضمن تقديم امرو واقعية وتقريبها الى حيث تتقدس، نقرب التقادم ونضعها على المذبح، ونعود لناخذها بعدما يتحرر معناها ( تتقدس) خارجين الى الحياة معها لكي تختمر الحياة بما اخذناه. التقديس هو ربط الحياة بمنطق الله، والتقديس يبدأ من اللحظة المكثفة في الليتورجيا ليشق طريق الى تقديس الحياة الشخصية من خلال عيش المعاني التي استخلصناها من الاحتفال في امورالحياة الاعتيادية، ومن حياتنا الى مجتمعنا وثم عالمنا. ان مسيرة الملكوت هي مسيرة تجسد مستمر في وواقع الانسان من اجل ان يصبح هذا الواقع شفافا يرى من خلاله الله. ان اصالة الليتورجيا وفعلها تبقى طوق نجاة للعالم باسره وحماية بوجه العدمية التي تتخلل يوما بعد اخر في فكر البشر. اننا نعيش بالليتورجيا منتظرين ان تصبح الارض سماءا بأسرها.

عن Maher

شاهد أيضاً

صوم ” باعوثا نينوى” وجائحة كورونا

  صوم ” باعوثا نينوى” وجائحة كورونا   الكاردينال لويس روفائيل ساكو يقع  يوم الاثنين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *