أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / الصلاة بحثٌ مستمرٌ عن الله

الصلاة بحثٌ مستمرٌ عن الله

الصلاة بحثٌ مستمرٌ عن الله

المطران رمزي كرمو

الذي يصلي باستمرار يختبر حضور الله في حياته والذي لا يصلي باستمرار لا يختبر حضور الله في حياته

إن الصلاة التي هي نعمة مجانية من الله يجب أن تخلق فينا حُباً عميقاً له، هو الذي خلقنا على صورته ومثاله لأنه يحبنا ويريد أن نشاركه منذ الآن حياته الالهية. الذي يصلي يشهد على حقيقة إيمانية أساسية، يريد أن يعلن من خلالها: “إن الله له الأولوية المطلقة في حياتي وهو مصدر فرحي وسعادتي” من دون الله لا قيمة ولا معنى للحياة ومن فقد الله فقد حياته. يُذكّرنا الانجيل المقدس بمَثَل الغني الغبي الذي وضع أمله ورجاؤه في أمواله وثرواته ونسيَ أن كل من لا يكون غنياً بالله فإن آخرته ستكون تعيسة (لوقا 12/ 13–21).

عالم اليوم مليء بأصنام مغرية وخداعة هدفها أن تبعدنا عن مركز وأساس حياتنا أي الله. على رأس هذه الأصنام يأتي صنم التعلق المفرط بأموال وثروات هذه الدنيا، لنسمع ما يقوله بولس الرسول بهذا الخصوص: “لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابتَغَاهُ قَومٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوجَاعٍ كَثِيرَةٍ” (1 طيمثاوس 6/ 10). أما ربنا والهنا يسوع المسيح له كل المجد والاكرام والسجود فيقول: “طُوبَاكُمْ أَيُّهَا الفقراء لأن لكم ملكوت الله … وَيلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الأَغنِيَاءُ، لأَنَّكُمْ قَد نِلْتُمْ عَزَاءَكُمْ” (لوقا 6/ 21، 24).

وهناك أيضاً صنم الحريات الإباحية وإشباع اللذات الجسدية والدنيوية التي ترفض القيم الروحية والأخلاقية، مخالفةً بذلك وصايا الله التي تدعو الانسان الى التمسك بها والعيش بموجبها كي لا يخسر حياته. وصنم التشبث بالسلطة وحب الظهور والكبرياء الذي يقود الكثيرين الى الانحراف واستغلال الآخرين لأجل منافع شخصية.

إن خير وسيلة لمقاومة هذه الأصنام وعدم الاستعباد لها هي الصلاة المستمرة التي تهدف الى تعميق وتقوية علاقتنا مع الله. بواسطة الصلاة والصوم لم يسمح ربنا وإلهنا يسوع المسيح لأصنام العالم الباطلة أن تغريه، بل كرَّسَ كل حياته لعمل إرادة الآب السماوي (متى 4/ 1-11). إنه يوصينا أن نصلي دائماً لكي لا ندخل ونسقط في تجارب الشيطان الكثيرة والمتنوعة (متى 6/ 9-13). الصلاة التي هي بحث مستمر عن الله لا نتعلمها من قراءة الكتب أو ألاستماع الى المحاضرات والمواعظ بل انها خبرة شخصية نكتسبها من خلال ممارستنا اليومية لها، من دون هذه الممارسة صلاتنا لا تنفع شيئاً، إنما هي تضييع وقت. لنسمع ونتأمل: “وَمَتَى صَلَّيتَ فَلاَ تَكُنْ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ يُصَلُّوا قَائِمِينَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي زَوَايَا الشَّوَارِعِ، لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ استَوفَوا أَجْرَهُمْ! وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَادخُلْ إِلَى مِخدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً (متى 6/5-6). يقصد الانجيل بالصلاة في غرفة مغلقة الأبواب والموجَّهة الى الآب الذي لا تراه عين، تلك الصلاة التي هدفها الأساسي والأوحد هو البحث عن الله واللقاء به، أي الصلاة النابعة من قلب مُغرم بحب الله.

يُعزى نجاح بولس الرسول، معلمنا الكبير وشهيد الحب الالهي، في عمله الرسولي ونشاطه التبشيري الى الصلاة المستمرة التي بواسطتها إزداد إتحاداً بالرب يسوع الى أن قال هذا الكلام النابع من قلبه والذي يُعبّر عن خبرته الشخصية: “مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحيَا فِيَّ. فَمَا أَحيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسلَمَ نَفْسَهُ لأَجلِي” (غلاطية 2/ 20). لذا يجب أن تشكّل الصلاة (كبحث مستمر عن الله) المحور الأساسي لحياتنا اليومية، وفي حالة فقدان هذا المحور سوف نندم ندامة لا تعوَّض.

انشودة الحب التي نقرأها في سِفر نشيد الاناشيد، ما هي إلا تعبيرٌ حي، فيه يبحث الحبيبان الواحد عن الآخر، وتكتمل فرحتهما حين يلتقيان. هكذا بواسطة الصلاة يبحث المؤمن المسيحي عن ذاك الذي يحبه ويعشقه، أي الله، ولا يرتاح إلا حينما يلتقي به ويراه وجهاً لوجه في ملكوته السماوي، كما وعدنا بذلك ربنا يسوع المسيح له كل االمجد والإكرام والسجود. يقول يسوع في صلاته من أجل تلاميذه مخاطباً الآب السماوي: “أَيُّهَا الآبُ أُرِيدُ أَنَّ هؤُلاَءِ الَّذِينَ أَعطَيتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيثُ أَكُونُ أَنَا، لِيَنْظُرُوا مَجدِي الَّذِي أَعطَيتَنِي، لأَنَّكَ أَحبَبتَنِي قَبْلَ إِنشَاءِ الْعَالَمِ” (يوحنا 17/ 24). هذا هو رجاؤنا الذي نعلنه حين نتلو قانون الايمان أثناء اشتراكنا في القداس الالهي: “اننا نؤمن بقيامة الموتى وحياة جديدة في ملكوت السماوات”.

لنصلِّ كي نزداد حُباً واستعداداً للقاء ذلك الذي أحبَّنا وبذل ابنه الوحيد من أجلنا، كي تكون لنا الحياة الأبدية السعيدة التي لا تفنى ولا تزول ولا تنقرض، “الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعرِفُوكَ أَنتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرسَلْتَهُ” (يوحنا 17/ 3).

أرجو من الذين يقرأون هذه الأسطر أن يصلّوا من أجلي كي أعيش ما تبقى لي من الحياة الأرضية بالإيمان والرجاء والمحبة وشهادة الحياة حتى النهاية، مع الشكر الجزيل.

ولنبقى متحدين بالصلاة، رباط المحبة الذي لا ينقطع.

بغداد 23 تشرين الثاني 2020

عن Ekhlass

شاهد أيضاً

بائع كعكة السميد

بائع كعكة السميد المطران د. يوسف توما صعد بائع كعكة السميد ومعه صينية فارغة إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *