أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / وقفة تأمل وصلاة بمناسبة الاحتفال بعيد الميلاد السعيد

وقفة تأمل وصلاة بمناسبة الاحتفال بعيد الميلاد السعيد

وقفة تأمل وصلاة بمناسبة الاحتفال بعيد الميلاد السعيد

+ المطران رمزي كرمو

     يسرني ان اشارك القراء الكرام بهذا التأمل بمناسبة حلول عيد الميلاد المبارك، عيد التجسد، عيد عمانوئيل اي عيد” الله معنا”. يدعونا هذا العيد المبارك الذي نحتفل به نحن المسيحيين كل سنة، الى ان نبحث ونكتشف المعنى العميق الذي يحمله ونتعرف على الرسالة التي يدعونا الى الالتزام بها لكي نكون نورا للعالم وملحا للارض كما يطلب منا الانجيل المقدس. (متى 16-13/ 5).

في البداية يجب ان نقول بأن ميلاد ربنا والهنا يسوع المسيح من مريم العذراء بقوة الروح القدس هو حدث تاريخي لا شك فيه. جرى في بلاد فلسطين وبالتحديد في مدينة بيت لحم كما يذكر ذلك لوقا البشير في انجيله حيث نقرأ : “وصعد يوسف ايضا من الجليل في مدينة الناصرة الى اليهودية الى مدينة داود التي يقال لها بيت لحم. فقد كان من بيت داود وعشيرته، ليكتتب هو ومريم خطيبته وكانت حاملاً. وبينما هما فيها حان وقت ولادتها، فولدت ابنها البكر، فقمطته واضجعته في مذود لأنه لم يكن لهما موضع في دار الضيافة”. على ضوء هذه الايات نستنتج بأن ولادة يسوع تمت في زمان معين ومكان معين اي انها حدث تاريخي حقيقي وليست من نسج الخيال كما يدعي البعض.

لنتسائل ونقول: من هو هذا الطفل الذي ولد في مذود حقير وبينما ملائكة السماء يسبحون الله قائلين: “المجد لله في العلى وعلى الارض السلام والرجاء الصالح لبني البشر” (لوقا 2/14). وفي انجيل متى نقرأ: “وكان هذا كله ليتم ما قال الرب على لسان النبي: ها ان العذراء تحمل فتلد ابنا يسمونه عمانوئيل اي الله معنا” (1/23). وفي قانون الايمان الذي نتلوه كل يوم احد حين اشتراكنا بالقداس الالهي نقول: “ان يسوع المسيح الذي ولد من مريم العذراء بقوة الروح القدس هو: اله من اله, نور من نور واله حق من اله حق”. جواب هذا السؤال نأخذه من كتابنا المقدس الذي لا يقبل الغلط ويكشف لنا السر المخفي في طفل المذود. نعم ان المولود من العذراء مريم بقوة الروح القدس هو في ان واحد اله حقيقي وانسان حقيقي. انه الاقنوم الثاني من الثالوث الاقدس الذي تجسد وصار انسانا وحل بيننا. هذا ما يؤكده 

يوحنا الرسول في بداية انجيله حيث نقرأ: “في البدء كان الكلمة و الكلمة كان لدى الله والكلمة هو الله … والكلمة صار بشراً فسكن بيننا فرأينا مجده مجدا من عند الآب لأبن وحيد ملؤه النعمة والحق” (1/1و14). على ضوء هذه الآيات آمن المسيحيون منذ القدم بآلوهية سيدنا يسوع المسيح , الأله المتجسد، له المجد والاكرام والسجود، ومن أجل ايمانهم به استشهد الكثيرون منهم بعدما ذاقوا أمر العذابات والآلام. ونحن نعيش في الايام الميلادية، لنطلب بالحاح الى الروح القدس، واهب الايمان، ان يقوي ويجدد ايماننا بطفل المذود، انساناً حقيقياً والهاً حقيقياً، وان يعطينا الشجاعة لكي نشهد له حتى الموت.

أما السؤال الآخر الذي يجب ان نطرحه على أنفسنا بمناسبة هذا العيد المبارك هو: ما هو السبب الذي من أجله تجسد ابن الله وصار انسانا مثلنا، شاركنا في كل شيئ عدا الخطيئة؟ جواب هذا السؤال نأخذه ايضا من الكتاب المقدس الذي يكشف لنا الهدف الأساسي من سر التجسد.  نقرأ في أنجيل يوحنا ما يلي: “فأن الله احب العالم حتى انه اعطى ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية” (3/16) . وايضا نقرأ في رسالة يوحنا الأولى ما يلي: “هكذا ظهرت محبة الله لنا أنه أرسل إبنه الوحيد الى العالم لنحيا به” (4/9). من خلال قراءتنا لهذه الآيات والتأمل بها نفهم بأن سبب وهدف تجسد ابن الله الأزلي هو ان يكشف لنا حب ابيه السماوي وذلك لأن الله هو محبة. نعم، ان محبة الله لنا ليست بالكلام واللسان فقط كما هي محبتنا غالبا، بل انها بالفعل والعمل، انها تضحية وبذل الذات. “ليس لأحد حب اعظم من ان يبذل نفسه في سبيل احبائه” (يوحنا 15/13). إن المحبة التي لا تتجسد بالأفعال والأعمال إنها باطلة ولا نفع لها. كذلك الأيمان الذي لا يقود الى اعمال المحبة تجاه الله والقريب فهو باطل ايضاً، يقول بولس الرسول، شهيد الحب الالهي، بهذا الخصوص ما يلي: “لو تكلمت بلغات الناس والملائكة ولم تكن لي المحبة فما انا الا بنحاس يطن وصنج يرن، لو كانت لي موهبة النبوة وكنت عالماً بجميع الاسرار وبالمعرفة كلها، ولو كان لي الايمان لانقل الجبال ولم تكن لي المحبة فما انا بشيئ، ولو فرقت جميع اموالي لاطعام المساكين ولو اسلمت جسدي ليحرق ولم تكن لي المحبة فما يجديني ذلك نفعا” (1قورنتس 3- 13/1). نستنتج من هذه الآيات ان المحبة هي وحدها مقياس وعلامة الحياة المسيحية ولهذا السبب يقول ربنا يسوع المسيح: “اذا احب بعضكم بعضا عرف الناس جميعاً انكم تلاميذي” (يوحنا 13/35). 

اخواتي اخوتي الاعزاء, لنستفد من موسم عيد الميلاد لهذه السنة التي هي على وشك الانتهاء، لكي نبدأ سنة جديدة آملين ان تكون سنة الخير والسلام والقضاء على وباء كورونا الذي اودى بحياة الالاف من الناس واصاب الملايين منهم، لكي نعيد النظر في حياتنا المسيحية على ضوء سر الاله الذي اخذ طبيعتنا البشرية ليمنحنا طبيعته الالهية، سائلين انفسنا هذه الاسئلة:

1- هل هناك في حياتنا علامات ملموسة ومرئية تدل على اننا  حقا مسيحيين؟

2- هل المحبة هي العلامة البارزة والجذابة التي تكشف هويتنا المسيحية وانتمائنا الى الكنيسة المقدسة التي هي جسد المسيح السري وشعب الله المختار؟

3- هل ايماننا كمسيحيين هو مجرد ايمان نظري وعبارة عن بعض المعلومات  التي تعلمناها منذ صغرنا عن المسيح، ام هو علاقة شخصية وحية مع شخص المسيح وشهادة له؟

4- ما هي مكانة المسيح في برنامج حياتنا اليومي؟

5- هل لسنا منهمكين بأمور كثيرة دنيوية ومادية تجعلنا ان ننسى بأن حاجتنا الاولى هي ان نعيش مع المسيح ومن دونه تفقد الحياة معناها الحقيقي وغايتها الاساسية التي هي البلوغ الى الله ومشاركته حياته الالهية؟

عيد الميلاد يدعونا الى تفعيل وتنشيط نعمة المعموذية في حياتنا، هذه النعمة التي بواسطتها اصبحنا مسيحيين بولادة جديدة تمت بقوة الروح القدس الذي حل علينا. لنتذكر بأن امنا مريم العذراء, البتول الطاهرة، بقوة الروح القدس الذي حل عليها حملت بأبن الله الذي صار انسانا من أجل خلاصنا. نحن ايضا مدعوون اليوم لكيما نجسد ربنا والهنا، يسوع المسيح، في حياتنا اليومية بقوة الروح القدس الذي ملأنا يوم عماذنا. ولكيما نحقق هذه الرسالة المقدسة، يجب علينا ان نتشبه بمريم العذراء, ام الكنيسة ومعلمتها، التي سمعت كلام الله وحفظته في قلبها وعاشته في حياتها. لنطلب هذه النعمة بواسطة الصلاة النابعة من القلب لنجعل من قلبنا مذودا جميلأ يحل ويرتاح فيه ابن الله المتأنس ولكي نكون أمينين على وديعة الايمان التي وهبها لنا الرب. 

أرجو من الذين يقرأون هذه الأسطر أن يصلوا من أجلي لكي أعيش ما تبقى لي من الحياة الأرضية بالأيمان والرجاء والمحبة واعطاء الشهادة حتى النهاية.

مع الشكر ولنبق متحدين بالصلاة رباط المحبة الذي لا ينقطع، متمنيا للجميع عيدا سعيدا ملؤه الفرح الروحي وسنة جديدة ملؤها السلام والمصالحة لكافة شعوب العالم، آمين.

 اسطنبول 23/12/2020

عن Ekhlass

شاهد أيضاً

وقفة صلاة وتأمل بمناسبة رسامة كهنة جدد

وقفة صلاة وتأمل بمناسبة رسامة كهنة جدد   احتفلت بعض ابرشياتنا الكلدانية في الفترة الاخيرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *