زمن تقديس الكنيسة

تختتم السنة الطقسية المشرقية بزمن ” تقديس الكنيسة “(1)، قوامه أربعة أسابيع. ما هي جذور هذا الزمن الليتورجي وما هي معانيه اللاهوتية ؟

أولا : جذور زمن تقديس الكنيسة :

أجمع علماء الطقوس على القول إن أصل ” زمن تقديس الكنيسة ” مرتبط بإحتفال سنوي، كان يقام فى ذكرى تكريس أحد المعابد المهمة، ثم إمتد هذا الإحتفال من يوم واحد الى أسابيع عديدة.

يطلـق كتاب الصـلاة الطقسية على الأحـد الأول مـن هـذا الزمـن التسـمية الآتيــــة ، أي ” الأحد الأول من تقديس الكنيسة ويسمى التجديد “(2).يطلق الطقس الماروني والطقس السرياني على الأحد الأول من هذا الزمن ” احد تجديد الكنيسة ” وعلى الأحد الثاني منه ” أحد تقديس الكنيسة “.

إن عبـارة أي ” التجديـد ” مصطلـح تسـتعمله الترجمـة السـريانية للكتـاب المقـدس المسـماة أي ” البسيطة ” لتشير الى عيد تجديد هيكل أورشليم، حيث نقــرأ :” وكـان عيـد التجديـد فـي أورشليم ” (يوحنا 10/22).

لذا يمكننا أن نؤكد أن جذور زمن ” تقديس الكنيسة ” ترتقي الى عيد ” التجديد ” في أورشليم. فما هو ” عيد تجديد هيكل أورشليم ” ؟ وما علاقته بزمن تقديس وتجديد الكنيسة ؟.

ثانيا : عيد تجديد هيكل أورشليم

أراد السلوقيون فرض الثقافة والديانة اليونانية عنوة على اليهود ؛ فأمر الملك أنطيوخس الثالث، عام 167 قبل الميلاد، إلغاء السبت والختان ودنّس هيكل أورشليم بإقامة تمثال الإله زوس فيه، وفرض تقديم الذبائح الوثنية فيه ؛ مما أشعل ثورة يهودية تزعمها الكهنة المكابيون، نجحت في تحرير أورشليم وإعادة العبادة الحقة في الهيكل بعد تطهيره بتاريخ 15/12/164 قبل الميلاد، إذ غيَّر يهوذا المكابي المذبح، وقدم عليه ذبيحة لله الواحد الأحد، وقرر الإحتفال بهـذه الذكـرى سـنويا، كمـا وردت في سـفر المكابييـن : ” ورسم يهوذا وإخوته وجماعة بني إسرائيل كلها أن يعيِّد لتدشين المذبح في وقته سنة فسنة مدة ثمانية أيام، من اليوم 25 من شهر كسلو بسرور وإبتهاج ” (1 مكابيين 4/95).

فكان عيد تجديد الهيكل إحتفالا فخما، تنشد فيه المزامير وتحمل أغصان الزيتون والنخيل ويُضاء الهيكل إضاءة كاملة ؛ ولقد ورد ذكر الإحتفال بهذا العيد في الإنجيل المقدس : ” وكان عيد التجديد في أورشليم، وكان فصل الشتاء، وكان يسوع يتمشى تحت رواق سليمان، فالتفَّ حوله اليهود… ” (يوحنا 10/22-24).

ثالثا : إنتقال عيد تجديد الهيكل الى المسيحية :

يظهر أن بعض المسيحيين المهتدين من اليهودية، القاطنين مدينة أورشليم، واصلوا الإشتراك في الإحتفالات المقامة بمناسبة عيد تجديد هيكل أورشليم بعد إهتدائهم، فأراد رؤساؤهم الكنسيون إبعادهم عن هذه التجربة، لذا أقاموا عيدا مسيحيا منافسا ، يذكر كتاب أرمني عيدا اسمه ” عيد تكريس كافة المذابح المسيحية المقامة في العالم ” يُحتفل به في الفترة الواقعة بين عيد القديس أندراوس في 30 تشرين الثاني وتذكار النبي موسى بتاريخ 25 كانون الاول(3)، وهي الفترة ذاتها التي يحتفل فيها اليهود بعيد تجديد هيكل أورشليم بتاريخ 25 من شهر كيسلو اليهودي.

يبرز الطابع الجدلي الذي يتسم به العيد المسيحي في هذا الكتاب الأرمني، من خلال القراءات الكتابية المختارة لهذا العيد، منها نص رسالة القديس بولس الى العبرانيين الآتي : ” لنا مذبح لا يحل للذين يخدمون الخيمة أن يأكلوا منه، لأن الحيوانات التي يدخل عظيم الكهنة بدمها قدس الأقداس كفَّارة للخطيئة تُحرق أجسامها في خارج المخيَّم، ولذلك تألم يسوع أيضا في خارج الباب ليقدِّس الشعب بذات دمه. فلنخرج اليه إذن في خارج المخيَّم حاملين عاره ” (عبرانيين 13/10-13). هكذا فإن للمسيحيين مذبحا لا يستطيع الإشتراك في تقادمه اليهـود الذين يمارسـون عبـادة الهيكل، فلقد إحتلَّت ذبيحـة المسـيح مكان ذبائح العهد القديم.

كما إن القراءة التي إختارها الطقس الأرمني من الأنجيل المقدس توضِّح معالم هذا العيد المقام ضد اليهود، مطلعه : ” الويل لكم، أيها الكتبة والفريسيون المراؤون، فإنكم تقفلون ملكوت السماوات في وجوه الناس، فلا أنتم تدخلون، ولا الذين يريدون الدخول تدعونهم يدخلون… ” (متى 23/13-22).

الجدير بالذكر أن النصوص الكتابية المختارة لتتلى في قداديس آحاد زمن تقديس الكنيسة في الطقس المشرقي الكلداني-الآثوري قد حافظت هي الأخرى على الطابع الجدلي ضد اليهود على النحو الآتي :

الأحد الثاني : العبرانيين 8/1-9 ؛ وإنجيل متى 12/1-21، الذي يذكر إلتقاط السنابل يوم السبت وشفاء الرجل ذي اليد اليابسة.

الأحد الثالث : العبرانيين 9/5-15 ؛ وإنجيل يوحنا 2/12-22 الذي يذكر طرد الباعة من الهيكل وقـول يسـوع : ” انقضـوا هـذا الهيكـل وأنـا أبنيـه فـي ثلاثة أيام “.

الأحد الرابع : العبرانيين 9/16-28 ؛ وانجيل متى 22/41 – 23/28 الذي يتحدث عن المسيح ابن داؤد ورب داود، وعن رياء الكتبة والفريسيين.

رابعا : أسابيع زمن تقديس وتجديد الكنيسة :

إن ليتورجيا كنيسة أورشليم هي أم الطقوس المسيحية، إذ منها إستلهمت سائر الكنائس الكثير من رتبها ومراسيمها، فلا غرابة في أن ينتقل هذا العيد من كنيسة أورشليم الى الكنائس الناطقة بالسريانية ، أي كنيسة المشرق الكلدانية-الآشورية والكنيسة المارونية والكنيسة السريانية.

ولكن لم يقتصر الإحتفال بهذا العيد على أسبوع واحد، كما هي الحال لدى اليهود، بل إمتدَّ الى أسابيع عديدة : فإمتد زمن ” تقديس وتجديد الكنيسة ” الى أسبوعين لدى الموارنة ولدى السريان، وإمتد أربعة أسابيع لدى المشارقة من الكلدان والآثوريين. إن سبب هذا الإختـلاف هـو عـدد أسابيع زمـن البشــارة ؛ فحينما نظــم آبـاء الكنيسـة السـنة الطقسية، بدأوا بتحديد أسابيع زمن البشارة، وما تبقى من السنة الطقسية خُصص لزمن تقديس الكنيسة ؛ فخصص الموارنة والسريان ستة أسابيع لزمن البشارة، وخصصوا الأسبوعين المتبقيين لزمن تقديس وتجديد الكنيسة ؛ وخصص الكلدان – الآثوريون أربعة أسابيع لزمن البشارة وأربعة أسابيع لزمن تقديس وتجديد الكنيسة.

خامسـا : ( الدخول)، إسـم آخر لزمن تقديس الكنيسة في الطقس الكلداني ــ الآثوري :

يطلق كتاب الصلاة الطقسـية تسـمية أخـرى على زمن تقديس الكنيسة، إذ يسميه (سابوع الدخول). نجد هذه التسمية في ملاحظة وردت بعـد ترتيلـة (التسـبحة) في نهاية جلسة الصلاة ، حيث نقرأ ما يأتي : ” وتقـال (هـذه التسـبحة) في سابوع الدخول كله “(4).

تشير هذه التسمية الى الدخول الإحتفالي الذي يقوم به المشارقة الكلدان عشية الأحد الأول من هـذا الزمـن مـن ” بيت الصـلاة ” الكائـن في فنـاء الكنيسـة، حيث كانوا يحتفلون بالقسم الأول من القداس، أي برتبة كلام الله، وبصلاتي الصباح والمسـاء، منـذ عشية خميس الصعود بسـبب شـدة حرارة الصيـف ؛ فيدخلـون مرتليـن أبياتا من الشـعر الكنسي الى داخـل هيكـل الكنيسـة، حيث سـيقيمون مـن الآن فصاعدا صلوات الفرض الالهي ومراسيم القداس وسائر الرتب الطقسية بسبب قرب موسم الشتاء(5).

سادسا : روحانية زمن تقديس الكنيسة :

ترمز الكنيسة المادية المشيدة من حجر الى الكنيسة الروحية المتكوِّنة من بشر، أي جماعة المؤمنين ؛ لذا تحول معنى الإحتفال بعيد تكريس المذابح والكنائس المسيحية المنتشرة في العالم الى التأمل بصفات الكنيسة الروحية، خـلال زمـن ” تقديس الكنيسـة كله “. فيما يأتي ترجمة ترتيلة الليل للأحد الأول منه :

أيها المسيح، صن كنيستك المقدسة، من كل الأضرار وأهِّل كل الذين دعوا بإسمك السامي الجليل أن يثبتوا في الألفة والإيمان الحق ودوام السلام والأمان، اللذين يصدران عنك وحدك، يا ايها الرب “(6).

إن ما يسترعي الإنتباه هو الطابع الإسكاتولوجي (الأخيري) لهذا الزمن، إذ تتحدث الصلوات عن لقاء المسيح بعروسه – الكنيسة، المخلِّصة بدمه الزكي، وذلك في المجد الأبدي، كما يقول الربان بريخيشوع (القرن 14) في مقاله ” تفسير السنة الطقسية ” في معرض حديثه عن زمن تقديس الكنيسة :

” إن الكنيسة المقدسة، عروس المسيح المكوَّنة من القديسين، المؤمنين الصادقين، ستخرج للقائه بفرح، وهي تبجله بكل كرامة، إذ إن الختن الحق، يسوع مخلصنا، يأخذ الكنيسة عروسه ويصعدها معه الى السماء، ويدخلها خدره ويجلسها عن يمينه ويمتعها بكل أنواع الخيرات التي لا تزول، وتفرح وتبتهج وتجذل به وترنِّم التسابيح مع الجموع السماوية بأنغام شجية وبألحان عذبة “(7).

سابعا : أركان الكنيسة الثلاثة : كتاب الأنجيل وخشبة الصليب وأيقونة المسيح

تؤكد تراتيل هذا الزمن الخلاصي اركان الكنيسة الثلاثة، ألا وهي : كتاب الإنجيل المقدس وخشبة الصليب الظافر وأيقونة المسيح، فيما يأتي ترجمة هذه التراتيل :

يا مخلصنا، إن كنيستك تحوي كنزا وثراء سماويين، في الأسرار والرموز التي سلمتها لها، التي تلجأ اليها وتبشر بها : كتاب بشارتك العظيم، وخشبة صليبك المسجود له، وأيقونة ناسوتك البهية : إن أسرار خلاصها سامية “(8).

تؤكد هذه الترتيلة أن المشارقة الكلدان والآثوريين كانوا منذ أقدم العهود يقومون بتزيين كنائسهم بالصور وخاصة بأيقونة ربنا يسوع المسيح.

لا بل تؤكد مصادر كنيستنا بعدم جواز إقامة القداس من دون وجود الصليب وكتاب الأنجيل وأيقونة يسوع المسيح، كما يقول إبراهيم القطري ( حوالي سنة 650 م) :

” إن الصليب والإنجيل موضوعين على المذبح وفوقهما أيقونة ربنا نفسه، لذا لا يجوز مطلقا تقديس الأسرار المقدسة بدون حضور الصليب والإنجيل وأيقونة ربنا “(9).

خاتمة عامة عن السنة الطقسية

يظهر لنا بجلاء أن المشارقة الكلدان والآثوريين نظموا دورة صلواتهم الطقسية بإسلوب منطقي بحيث يحتفلون بمراحل تدبير يسوع الخلاصي كله عبر أشهر السنة، تبدأ الدورة بزمن البشارة وتنتهي بزمن تقديس الكنيسة التي هي إمتداد لحضور الرب يسوع في البشرية عبر الأجيال.

اضاف الطقس المشرقي تذكار العذراء والقديسين والشهداء، وجعلوا هذه الأعياد عادة أيام الجمع،لأن قديسي القرون الأولى كانوا خاصة من الشهداء، الذين شاركوا المسيح بآلامه الخلاصية.


(1) جاك اسحق، زمن تقديس الكنيسة.

(2) خياط – بيجان، كتاب الصلاة على مدار السنة الطقسية، المجلد الثالث ص 390.

(3) CONYBEARE F.C. Rituale Armenorum, Oxford 1905, p.526.

(4) خياط – بيجان، كتاب الصلاة لمدار السنة الطقسية، المجلد الثالث ص 397.

(5) المصدر ذاته ص 391.

(6) المصدر ذاته ص398.

(7) بريخيشوع بر شكافي، تفسير للسنة الطقسية المشرقية ص 164 – 165.

(8) خياط – بيجان، كتاب الصلاة لمدار السنة الطقسية، المجلد الثالث ص 391.

(9) إبراهيم القطري، تفسير الفرض الكنسية(طبعة كونوللي) ص 175.

شاهد أيضاً

زمن البشارة

المبحث الأول زمـــــن البشــــارة أولا : تعريف زمن البشارة تبدأ السنة الطقسية المشرقية بزمن البشارة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*