أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / هيكليات يدعمها الايمان وبها يكون معبرا عنه

هيكليات يدعمها الايمان وبها يكون معبرا عنه

هيكليات يدعمها الايمان وبها يكون معبرا عنه

الخور اسقف ثابت بولس

عندما نؤمن نحن لا نقوم باعتناق امور غيبية مراعاة لجانب الخيال فينا، ولا نقوم باعتناق افكار نحسبها مطمئنة نفسيا لنا او تعاويذ للحماية من الشر الملموس او الروحي. الايمان هو قبول بحقائق سامية مفارقة وعصية على العقل، قد يظن البعض ان تكون صفتها خفية وما وراء الطبيعة يظنها امور تندرج في ذات الخانة التي نفينا ان يكون الايمان منها، اي الغيبية والخيال. الامور الغيبية مبهمة وغير مفهومة، بينما الخيال هو صناعة بشرية لا تقوم او تثبت امام ملكة بشرية اخرى التي هي العقل. تتميز مواضيع الايمان الحقيقية بقدرتها للظهور امام العقل بصورة راسخة لا يمكن نقضها من قبله، ولكن تضع هي بدورها حدودا يحترمها العقل ويعترف بها وبمحدوديته. الهيكليات التي من خلالها تتجسد حقائق الايمان موجودة في ذات العالم الواقعي المحسوس، فالاشياء تظهر للعقل ببعد غير ذلك الذي تراه الحواس، فالحواس تتواصل مباشرة مع الاشياء، ولكن ما يعبر من خلالها الى العقل يوحي بوجود واقع اعمق يتواصل معه العقل ومن ثم يتعمق العقل ليجد بعدا اخر يتجاوزه ويسمو عليه. هذه الهيكلية تبدو تصاعدية لاننا ننطلق من ما هو واقعي ومباشر وما هو امامنا لنبلغ الى مستويات اعلى. ان طريق الصعود يبدو صعبا امام الانسان وهذا درس نتعلمه من حركة الصعود ذاتها التي تكون مجهدة وقاسية. على العكس من هذه الحركة لدينا تلك التنازلية التي سلكتها الحقيقة الايمانية لتكشف نفسها للانسان، اي عوضا ان تبقى خارج امكانات العقل تدخل الحيز الذي يفقهه العقل. قد تبدو حركة التنازل اسهل لانها تختصر العجز العقلي وتصبح جلية امام العقل حسب ادراكه، ولكن العقل الذي تعود على رؤية الامور حسب تركيبته يصعب عليه قبول تجليات الحقيقة. ان التجسد هو بالذات هذه الحركة التي بها اخذ الله طريقا تنازليا من سموه نحو ان يصبح محسوسا. ان الهيكليات التي يمر بها التجسد ليست تلك الطبيعية فقط، ولكن يتخذ هيكليات منها تمس المشاعر والعلاقات الانسانية والاجتماعية وتلك التي نستطيع ان نسميها روحية وشخصانية. هذا لان حقيقة الله ليست غيبية او دهمائية، ولكن الله يرتبط بعلاقة شخصية مع الانسان، يقدم ذاته بأسم ويتبنى مشاعر علائقية. ان هذه المزايا التي يظهر بها الله ليست تصنعا، بل انعكاس لواقع داخلي فيه، فالله هو الثالوث، ثلاثة اشخاص تربطهم علاقة تعكس وحدتهم الجوهرية وتميزهم. لو لم يكن الله ثالوثا ما كان يقدم ذاته في كفه قريبا وابا وابنا وعلاقة. ان هذه الهيكلية العائلية نعتبرها بشرية انسانية، لان الانسان يتصف بمميزات الابوة والبنوة والعلاقة، ولكن باعترافنا اننا مخلوقين حسب صورة ومثال ننقض هذا الرأي، لاننا مخلوقين حسب ما هو في الله، اي صورته الثالوثية. هذه الهيكلية التي نعرفها ونعيشها يظهر من خلالها الله ويعبر عن كشفه بها، وفي نفس الوقت الانتباه الى هذه الهيكلية والتمسك بها ليس امرا جامدا او ظاهريا، ولكن هو الطريق الى الفهم. الانتماء العائلي والوطني الصحيح يؤمن لنا هيكلية معرفية نحو الحقيقة التي تجسدت هي في هذه الهيكلية لتجعل منها واقعا لا مناص منه لقبول الحقيقة التي تحول الانسان اليها ويصبح هو حاملا لها ونافذة تشع منها. ان الايمان المسيحي يرتكز على سر التجسد الذي بالاضافة عما شرحناه يكون عملية اخذ الواقع وهيكلياته واعادة صياغته في ذات الله. ان الايمان الملتزم الصحيح هو ذلك الايمان الذي يعاش واقعيا ويتعرض لواقع الحياة ومفاصلها، هذا الايمان نجد ايقونته الحية في اسرار الكنيسة التي هي دورة يؤخذ بها الواقع العالمي ليعطى صافيا متشحا بالنور الالهي ظاهرا على حقيقته التي خلق بها.

عن Maher

شاهد أيضاً

  اهمية زيارة  البابا فرنسيس لاور الكلدانيين ولقاء  ممثلي الاديان 

  اهمية زيارة  البابا فرنسيس لاور الكلدانيين ولقاء  ممثلي الاديان  الكاردينال لويس روفائيل ساكو   السبت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *