أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / مرحبا بك يا بابا فرنسيس في العراق

مرحبا بك يا بابا فرنسيس في العراق

مرحبا بك يا بابا فرنسيس في العراق

المطران د. يوسف توما

مرحبًا بك في قلوبنا قبل أن تطأ قدمُك أرض العراق المقدّسة حيث كتبت نصف أسفار العهد القديم ونصوص أخرى يقدّسها الملايين، وقبل أن تأتي إلينا نقشتَ ابتسامتك الآسرة وبساطتك النادرة في أولئك الذين، ينتظرون بركاتك ودعواتك.

مرحبًا بك لشجاعتك الإنجيلية بدخول العراق، كما فعل المسيح عندما دخل أورشليم: لم يدخلها على حصان أبيض كالأباطرة، ولا كما يدخل اليوم العظماء بسيارات الليموزين المصفّحة، هو دخلها على “حمار”، يشبه اليوم سيارتك “اللادا”، سيارة الطبقة المتوسطة كما في ذلك الزمان. إنك ستدخل بلدنا من دون أن تخاف الوباء المتفشّي (كوفيد19). لذا سيرحّب بك شعبنا ترحيبًا حارًا، لأنك حققتَ أحلاما قديمة عمرها، على الأقل 20 عاما، مذ أراد سلفك البابا القديس يوحنا بولس الثاني أن يحجّ إلى بيت إبراهيم أبي المؤمنين في محافظة الناصرية (أور القديمة) مع حلول الألفية الثانية.

مرحبًا بك يا فرنسيس، الاسم الذي اخترته عمدًا، وأنت أوّل من يحمل هذا الاسم بين البابوات، القديس فرنسيس الفقير قديس أسيزي، عاشق التجرّد، الذي حاول أن يذكّرنا قبل ثمانية قرون أن الثروة الحقيقية ليست بالمال ولا بالإقصاء الاجتماعي، في حين كان والده “برناردوني” غنيًا، تاجر أقمشة، الوالد حيره ابنه الشاب فرنسيس، ولاحقه حتى دار المطران، الذي احتضنه بعد أن خلع فرنسيس ملابسه وأعطاها لأبيه، فلفه المطران بمعطفه، بحلة الكنيسة الأم!

مرحبًا بك يا قداسة البابا في اختيارك الفقراء، وشجبك الفساد داخل الكنيسة وخارجها، وتنديدك بـ”عولمة اللامبالاة” تجاه موجات الهجرة التي أثارها ويثيرها الفقر الذي زرعه الاستعمار الأوروبي والأمريكي في جميع القارات في إفريقيا وآسيا وبلادنا ومنطقتنا المدمرة خصوصا.

مرحبًا بك يا من وضعتَ بعض المذاق الطيب في حياتنا الإيمانية الواسعة، بغض النظر عن أدياننا ومذاهبنا وطقوسنا وذكرتنا “أننا جميعا إخوة” لأن الله أب للجميع، وأن “الأرض بيتنا المشترك” لأنها هدية من خالقنا، أعطيَت لنا كي نشكر ونسبّح، كما لم تتوانَ عن تذكير كل الذين “يلتزمون بالعدالة الاجتماعية”، أن من “يعمل من أجل عالم أكثر عدلاً وتضامنًا” لا يتعب.

مرحبًا بك يا فرنسيس في منطقتنا، كي تشجع أولئك الذين يناضلون ضد “ثقافة السرعة والعجالة”، فنحن مثلك نعتقد أن “مقياس عظمة المجتمع يظهر من خلال الطريقة التي يتمّ فيها التعامل مع الأشخاص الأكثر احتياجًا، ومن ليس لديهم سوى فقرهم”!

مرحبًا بك في كنيسة العراق المتألمة التي فقدت بالهجرة ثلثَي أبنائها فانطلقوا على طرقات العالم، جئتَ لتدعونا “إلى تبنّي العدل والدفاع عن الفقراء ضد أشكال التفرقة والتفاوت الاجتماعي والاقتصادي، التي أصبحت لا تطاق وجعلت صراخ شبابنا يصل عنان السماء، لم تعد الكنيسة تتذرّع بحجة “عدم التدخل في السياسة”، كي تعيش في ظل الأغنياء والأقوياء، ولم تعد تسكت صوت أنبيائِها، بل صارت تكرز بألم المسيح الحي اليوم أيضا، وهي لا ترفض حمل الألم خوفا أو لاعتبار المقبول سياسيا (politically correct) فالتشهير والاضطهاد لم يعودا لعنة بل نعمة.

مرحبًا بك أنت الذي أردتَ إصلاح الكنيسة، وبدأت بالتغيير الذي أدخلتَه على “مَهمّة” البابوية. فتخلصتَ من القصور والذهب والحذاء الأحمر. قلتَ يوما لقد “انتهى الكرنفال”! لمن أراد أن يلبسك مثل الأمراء. لم تعد تريد مزيدًا من الألقاب “قداستك”، “الحبر الأعظم”، “الأب الأقدس”، ولكن بكل بساطة: “البابا”، أسقف روما، خادم خدام الله.

مرحباً بك يا فرنسيس في الكنيسة التي تحتاج إلى أشكال الدعوات لخدمة المذبح من كهنة متزوجين وغير متزوجين ورهبان وراهبات، ولمَ لا من النساء الشماسات اللواتي لديهن دعوة للخدمة والأسرار!

مرحبًا بك في شعب متألم، وأنت تقدّر معنى الألم منذ أول يوم تنصيبك عام 2013، فالألم يحدث كثيرًا بسبب السكوت وعدم الكلام أو النقاش حول موضوعات جانبية وما أكثر من يضيع بسببها. لسنا بحاجة إلى فتاوى، وإنما إلى رحمة الرب، وهذه قلتها في الطائرة لدى عودتك من البرازيل، للصحفيين عام 2013: “ومن أنا لكي أحكم عليهم؟…”، أنت تريد شعبا مؤمنا ناضجا يفهم ويقرّر ما يخصّه كعائلة وكأفراد من منطلق احترام الآخر واحترام جسده وروحه.

مرحبًا بك في خطواتك الحثيثة لإصلاح المؤسسة الكنسية ومبادرتك للتخفيف عن كاهلها فتدعوها لتتجذر في جميع القارات، كي تقدّم المشورة للجميع “فتكون لهم الحياة أوفر” (يو 10/10). يا حبذا لو أعطيتَ الكنائس المحلية فسحة أكبر لاتخاذ القرارات التي تخصها، السينودس (مثل مجالس الأساقفة)، هو الذي يمكنه أن يقدّر بروح جماعية كما دعانا إليه المجمع الفاتيكاني الثاني.

مرحبًا بك يا فرنسيس في هذا الجزء من العالم “المعولَم”، لكنه مستعمَر بهذه العولمة، ويحتاج بشدة إلى كلمتك التي تذكرنا بعولمة أخرى جاء بها يسوع المسيح بأبوة الرحمة الإلهية، وطبّقها فرنسيس الأسيزي، عولمة: تسامح، حب الفقراء، رحمة، فرح، خدمة العدالة، تأسيس على احترام الاختلافات الدينية وتعزيز العلاقة بين الأديان واستنكار صريح لأشكال الانغلاق القومي والمذهبي والديني التي تسبّبت بمآسينا في هذه المجتمعات وظلمت الجميع.

باركك الله يا فرنسيس، وليمنحك سميّكَ القديس فرنسيس الأسيزي مزيدا من الشجاعة! وهذه هي صلاتي من أجلك، كما كنتَ طلبت مني لدى آخر زيارة لي في الفاتيكان مع أساقفة الكلدان بتأريخ (6 تشرين الأول 2017) قلتَ لي عندما حيّيتُكَ: “أنا بحاجة إلى صلاتِكَ!” فدَمعتُ، وتذكرتُ ما كتبَت عنكَ صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، كان عنوان مقالها: “وأخيرا صار لنا بابا” “finally we got a Pope” (عدد 25/12/2014).

كركوك 7 شباط 2021

عن Maher

شاهد أيضاً

  اهمية زيارة  البابا فرنسيس لاور الكلدانيين ولقاء  ممثلي الاديان 

  اهمية زيارة  البابا فرنسيس لاور الكلدانيين ولقاء  ممثلي الاديان  الكاردينال لويس روفائيل ساكو   السبت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *