أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / زيارة البابا فرنسيس إلى العراق رسالة للكنيسة الجامعة إلى العالم 

زيارة البابا فرنسيس إلى العراق رسالة للكنيسة الجامعة إلى العالم 

زيارة البابا فرنسيس إلى العراق رسالة للكنيسة الجامعة إلى العالم 

 المونسنيور نويل فرمان السناطي

قبل الزيارة وبعدها، تابعت الحدث التاريخی غير المسبوق لزيارة البابا فرنسیس إلى العراق (5-8 آذار 2021). كنت أترقب بصمت المنذهل غير المصدّق، وأتداول وأنا اشارك مواطنيّ العراقيين قلبا وروحا في استعداداتهم. كانت وسائل التواصل الاجتماعي، رغم قلة مصدريّتها، وسيلة متاحة بين المشاركات الجادة… حتى صعد الحبر الاعظم سلم الطائرة متوجها إلينا، إلى بلادي… فكتبت على صفحتي: وتحقق الحلم.

هذا استقراء لمرافقة وجدانية عن بعد، متسربلة بالفرح الغامر، مع شعب عراقي منكوب وممتحن، مطاول وناهض، عرف خلال ثلاثة أيام أن يفاجئ العالم ويحبس أنفاسه في متابعة الحدث الحبري الذي كان يسري في عروق بلاد النهرين. ومع اليوم الثالث كانت عودة السلامة الميمونة للبابا والرجاء بغد مبشر لمسيحيي العراق وسائر شعبه.

من كاتدرائيتي بغداد مرورا بمزار أور إلى ملعب “فرانسوا” حريري والعوجة الضيقة: فرحة غامرة عاشها مغتربون لا حدّ لهم، باستقبال افتراضي روحي عن بعد، للبابا فرنسيس وهو يجوب بالسيارة شوارعهم المؤثثة لمقدمة في بغداد وأور، وأربيل؛ ليصلي في كنيسة سيدة النجاة أم الشهداء، ويحتفل في سابقة مطلقة بقداس لكنيسة المشرق الكلدانية الكاثوليكية، ويصلي مع مصلـّين على تنوّع مذاهبهم وطوائفهم، في أور حاضرة ابراهيم إبي المؤمنين؛ وفي أربيل يقدّس في الملعب الذي يحمل مع البابا الاسم المشترك لأحد القادة المسيحيين في كردستان، فرنسو حريري، وغالبا ما كان الإعلام يشكل الاسم على الطريقة الفرنسية (فرنسوا- فرانسوا) مع واو الجماعة للافعال، ليغدو (بمفارقة رمزية وعثرة قواعدية) مماهيا لاسم الأب الأقدس… بل ترجل مار فرنسيس وصلى في الموصل مدينتنا، في حوش بيعتها وعلى بعد خطواة من بيوتنا بقرب العوجة الضيقة. آنذاك تراءى ما تبقى من بنيان كنائسنا المهشمة كجلجلة ألم ومنارة تبشر بالانبعاث بعد مناجل دمار وسهام عدوان.

 اقليميا ودوليا، صمت بين الإذعان والإعجاب: وماذا عن المستوى الدولي والإقليمي من بلدان الجوار والعالم؟ لعل الزيارة الحبرية، بدلالاتها ومضمون رسائلها، تجلت أيضا كظاهرة افتراضية مباشرة لهم، سواء قبلوها بارتياح وأمل وإعجاب، أو بإذعان صاغر، أو استثمروها لتسجيلها كمكسب جادوا به على أرض عريقة طالما استباحوها، ولما كادوا يبتلعونها، إذا بها شوكة عصية، وفي الحالتين تجلى أمامهم شعب العراق، بفئات متنوعة من مواطنيه يستقبل البابا بحبور والبابا يغمره بابتسامات حب، جاءت لتبلسم منه الجراح وبهبّة جماهيرية تجعله يرفع الرأس.

مؤشرات لممارسة سيادة غيّبتها السنوات: لا شك ان أول ما لفت الأنظار كان ما قد يطلق عليه بـ “سيادة غسل الأرصفة وتزيين الجدران”… ولكن أكثر من هذه السيادة التي طالما غذّت تندرات الناس وقفشاتهم، فإن البلاد التي عرفت بتلقي الغزو الرسمي من امريكا، ثم وبتفويض منها ودول حليفة ، أودعت العراق، بحسب المراقبين، لوصاية من دول جوار. وإذا بهذا البلد الممتحن والممتهن، وبلغز يصعب فك مختلف رموزه، إذا به يخرج من شرنقة كأنما فرضت عليها، فيحار المرء أمام الانبثاق هذا، هل هو انتفاضة سيادية ذاتية، أم انتزاع لضوء أخضر.

 ابعاد رسالة البابا في العراق

 صراحة الخطاب المباشر ومضمون اللقاء بالمرجع الأعلى: وهنا وصولا إلى نهايات المقال أو التنويه بمضامين زيارة البابا فرنسيس، التي كانت وأمام عجب الكثيرين، بعيدة عن اللغة الدبلوماسية المغلـّفة. إذ تناولت كلماته ما يحدث في العراق من فساد، وما يعانيه المواطنون في ظله من مظلوميات. ويضاف إلى الرسالة مضمون الخروج من اللقاء مع المرجع الشيعي الاعلى في العراق، بتأكيد كلا الجانبين على احترام التنوع وحقوق المواطنة الكاملة لجميع العراقيين. كل هذا يظهر نجاح الاستعدادات الحثيثة في تهيئة الزيارة البابوية ليس الأقل فيها التداول شبه المباشر الذي يكون قد قامت به الكنيسة الكلدانية ممثلة برئيسها الاعلى في العراق والعالم الكاردينال لويس ساكو الذي بقي يطالب في مرحلة الاستعدادات تلك، باستقلالية الخط الديني عن التعامل الحزبي باسم الدين، ومدنية الدولة، وحماية التنوع وحفظ حقوق المكونات، لقيام دولة القانون والمواطنة والتنوع.

النهج المنفتح مسكونيا وانسانيا: إزاء ما تقدم، خرجت ضد الزيارة تصريحات وتنظيرات مناوئة مؤدلجة باتجاه الحقد والراديكالية وعصر القرون الوسطى. إنها من النوع الذي يصب في خدمة اجندة القوى العظمى، التي سبق الإشارة إليها والرامية إلى إحكام السيطرة على المنطقة لأطول مدة ممكنة، من خلال الأنظمة ذات الخلفية الدينية والطائفية. هكذا ظهرت فقاعات هنا وهناك، منجرة وراء التعصب المذهبي والطائفي الاعمى، لجهة ضد أخرى. من تلك الفقاعات ما يشير إلى  تحوير مضمون التوجه البابوي، لإكمال رحلة الحج لسلفه يوحنا بولس الثاني في مطلع الألفية الثانية، بصفتها زيارة مسيحية أساسا لأماكن مفصلية في تاريخ الكتاب المقدس بعهديه. ولما تشترك فيه أور كأول موطن لابراهيم، مع ديانات توحيدية أخرى، كان من الطبيعي الدعوة الى لقاء هذه الأديان على ضوء ما يجمعهم من قيم. 

هكذا فإن تلك الفقاعات قد لا تكون سوى تقليعات آنية، ما تعتم أن تتبخر. لأن روح اللقاء هو ضمن نهج استلهمه البابوان السابقان يوحنا بولس الثاني و بندكتوس 16 في لقاءات اسيزي المسكونية. مع الحرص المبدئي الثابت، وانطلاقا من احترام قناعة الآخرين بمبادئهم، على ألا ينصهر الأمر في خلطة النسبية (Relativism) التي ترفضها الكنيسة  والتي يبدو أن البابا الحالي يقارب حدودها بحنكة وحكمة وصوت نبوي.

ويظل الطموح المشترك بأن تصبّ مثل هذه اللقاءات لصالح الثراء الثقافي والتنوع الفكري الانساني والديني وفق موزائيك من القيم المشتركة تدعو المختلفين الى التآزر نحو العدالة والسلام بين البشر.

كما ينسجم مضمون رسالة البابا فرنسيس في زيارته التاريخية مع النهج المسيحي في الأجيال الحديثة، منها رسالة الاخ الطوباوي شارل دي فوكو، في دعوته كأخ شامل على المستوى البشري، بصرف النظر عن الانتماءات الدينية. وجاء ذلك بخطاب يميز خصوصية بابويته، تحت شعار كلنا إخوة، وكلنا مواطنون لهذا الكوكب الذي يجدر بنا المحافظة عليه وحمايته كثروة ثمينة للجميع.

وبعد يبقى السؤال: طالما كنا في مجال جانب افتراضي (حاسوبي) للزيارة، هل كانت أيضا رحلة خليفة بطرس إلى بلادنا، زيارة افتراضية (فيرتيوال) إلى أقطاب الصراع في المنطقة على أرض العراق. وهل تستنير شعوب الدول المعنية، على ضوء مضامين الرسالة البابوية لحضور البابا في العراق. أبرز تلك المضامين أنه خاطب القوى العظمى في كلمته في بغداد، برسالة مفادها أن ترعوي تلك لتنشد مصالحها بنحو مشروع وبما لا يصيّر الشعوب، بالأصولية الدينية، وقودا لنيرانها التوسعية الاستغلالية. بوحي هذه المفاهيم عن حقوق الانسان المعاصر، يمكننا أن نقرأ الكثير من مضامين رسائل وزيارات البابا إلى المحافل الدولية ، ونداءات الكنيسة في المنطقة وبما ينسجم مع التطلعات السامية، ليس فقط لمؤمني الديانات على خطى ابراهيم بل لسائر الناس، ممن وصفهم البابا فرنسيس بذوي الإرادة الصالحة.

عن Maher

شاهد أيضاً

سرّ اتحاد العائلة

سرّ اتحاد العائلة الاب أدّي بهجت صليوه، راعي كنيسة مار توما الرسول يقول البابا الفخري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *