زمن البشارة

المبحث الأول

زمـــــن البشــــارة

أولا : تعريف زمن البشارة

تبدأ السنة الطقسية المشرقية بزمن البشارة، قوامها أربعة آحاد، تسبق عيد الميلاد المجيد، انها لا تحمل أسماء دينية، بل رقمية على النحو الآتي : الأحد الأول من البشارة، الأحد الثاني من البشارة، الأحد الثالث من البشارة والأحد الرابع من البشارة.

ثانيا : هدف زمن البشارة

إن هدف زمن البشارة هو إعداد المؤمنين للإحتفال بعيد الميلاد، لذلك تتلى على مسامعهم خلال القداس نصوص الإنجيل المقدس التي تسرد الأحداث الخلاصية التي سبقت ميلاد يسوع وأعدت له، وذلك على النحو الآتي :

الأحد الأول : بشارة الملاك جبرائيل لزكريا الكاهن (لوقا 1/1 – 25).

الأحد الثاني : بشارة الملاك لمريم العذراء وزيارتها لنسيبتها اليشباع (لوقا 1/26-65).

الأحد الثالث : ولادة يوحنا المعمدان (لوقا 1/57-80).

الأحد الرابع : بشارة الملاك جبرائيل للقديس يوسف (متى 1/18-25).

ثالثا – المعطيات اللاهوتية

حينما ندقق النظر في الصلوات والتراتيل الواردة في كتاب الصلاة لمدار السنة الطقسية (حوذرا) خلال هذه الفترة، نلاحظ انها لا تعلق ولا تشرح نص الانجيل لكل واحد من آحاد زمن البشارة على حدة، بل إنها تتحدث بالعموم عن سر التجسد واتحاد الكلمة الأزلية بالطبيعة البشرية وعن الحبل العجائبي ودور العذراء مريم في سر التجسد.

تفتتح ترنيمة رائعة زمن البشارة، تنشد هذه الترنيمة عشية الاحد الاول من هذا الزمن، انها تتسم بطابع صلوات المسيحيين الأولين، إذ تعبر عن معان لاهوتية عميقة بكلمات قليلة، إنها تقدم تأملا ساميا بسر الكلمة المتأنس وبسر والدته القديسة مطلعها ، فيما يأتي ترجمتها :

” إن الله الكلمة (المولود) من الآب، لم يتخذ هيئة العبد (فيليبي 2/7) من الملائكة (عبرانيين 1/5)، بل من زرع إبراهيم، وأتى إلينا في ناسوتنا بنعمته، ليخلص جنسنا من الضلال ” (1).

إن عبارة ” زرع ابراهيم ” تشير الى آيات نبوية من العهد القديم، منها قول الرب لإبراهيم أبينا ” تتبارك بنسلك جميع الأمم ” (تكوين 22/18).

إن العذراء مريم هي نسل إبراهيم أو زرع إبراهيم، الذي منه إتخذ الله الكلمة جسدا بشريا ليخلصنا من الضلال، إذ لم يأت من أجل الملائكة، بل من أجل البشر، كما يقول القديس بولس ” لم يقم لنصرة الملائكة، بل قام لنصرة نسل إبراهيم، فحق عليه أن يكون مشابها لإخوته في كل شئ ” (عبر 2/16 – 17).

نورد ترجمة المقطع الأول من (المدراش) الذي يرتل في صلاة الليل للأحد الاول من زمن البشارة :

” الكائن الأسمى من الكل، إنحدر بدافع حبه، ليرفع المتواضعين الى إسم جلاله، وليصعد الكائنات الأرضية الى المنزلة الالهية، وليفتح لهم كنز حكمته، فيغتنوا من ثرواته، ويوزعوا غناه، ويفرحوا ولا يعانون من أي غم، ويملكوا دون خوف ” (2).

رابعا – مقارنة زمن البشارة المشرقي بزمن البشارة لدى الطقوس الأخرى

خصصت الطقوس الأخرى أيضا فترة إعدادية للميلاد : تتفاوت مدتها بين طقس وآخر ؛ فلقد كرّس البيزنطيون أحدين فقط لهذا الزمن، وخصص اللاتين فترة أسموها “ زمن المجئ ” تدوم أربعة آحاد، اما لدى السريان والموارنة فلقد تطورت هذه الفترة أكثر بحيث إحتلت ستة آحاد، يحمل كل أحد اسم نص الإنجيل المخصص له، وذلك على النحو الآتي :

1 – أحد بشارة زكريا (لوقا 1/1-25).

2 – أحد بشارة العذراء مريم (لوقا 1/26 – 38).

3 – أحد زيارة العذراء مريم لإليصابات (لوقا 1/39 – 56).

4 – أحد ولادة يوحنا المعمدان (لوقا 1/57 – 80).

5 – أحد جليان (رؤيا) القديس يوسف (متى 1/18 – 25).

6 – أحد نسب يسوع المسيح الأرضي (متى 1/ 1-7).

إن لعدد آحاد زمن البشارة علاقة بآحاد زمن تقديس الكنيسة ، ففي طقس كنيسة المشرق نجد أربعة آحاد في زمني البشارة وتقديس الكنيسة ، أما لدى السريان والموارنة فإننا نجد ستة آحاد في زمن البشارة وأحدين في زمن تقديس وتجديد الكنيسة فقط.

خامسا – عيد البشارة

تحتفل الكنيسة اللاتينية بعيد البشارة في 25 آذار، لأنه يسبق عيد الميلاد (25 كانون الأول) بتسعة أشهر، وهي مدة الحمل الطبيعي ؛ إلا أن هذا الإختيار يجعل عيد البشارة يصادف خلال الصوم الكبير، وكذلك الأمر بالنسبة لعيد القديس يوسف ، الذي يحتفلون به في 19 آذار.

أما المشارقة الكلدان، فإنهم يحتفلون بعيد البشارة في الأحد الثاني من زمن البشارة، إذ يتلى أثناء القداس النص الإنجيلي لبشارة الملاك جبرائيل للعذراء مريم، وهذا منطقي، لأن عيد البشارة يسبق عيد الميلاد، ولأن زمن البشارة ليس إلا تطوراً لعيد البشارة. كما أن المشارقة الكلدان يحتفلون بعيد القديس يوسف في الأحد الرابع من زمن البشارة، إذ يتلون خلال القداس النص الإنجيلي الذي يسرد بشارة الملاك جبرائيل للقديس يوسف.

سادسا – الصوم الإستعدادي لعيد الميلاد

يصوم أبناء كنيسة المشرق الآثوريون 25 يوما قبل عيد الميلاد استعدادا لهذا الحدث الخلاصي، لربما تشبها بالصوم الكبير الذي يعد المؤمنين لعيد القيامة المجيد ؛ هكذا يوافق هذا الصوم خلال زمن البشارة ؛ ولكن إذا دققنا النظر بالصلوات التي ترفع في زمن البشارة، فإننا لا نجد فيها طابعا توبويا، كما في الصوم الكبير، ولكن طابع الفرح والإنشراح لقرب عيد الميلاد(3).


(1)خياط – بيجان، كتاب الصلاة لمدار السنة الطقسية، المجلد الأول ص 54.

(2)المصدر ذاته، ص 58.

(3) للمزيد من المعلومات راجع الكتاب الآتي : مولان، زمن البشارة والميلاد في التقويم الكلداني.

شاهد أيضاً

زمن تقديس الكنيسة

المبحث العاشر زمن تقديس الكنيسة تختتم السنة الطقسية المشرقية بزمن ” تقديس الكنيسة “(1)، قوامه …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*