عيد الميلاد وزمنه

المبحث الثاني

عيد الميلاد وزمنه

أولا – الأحتفال بعيد الميلاد بتاريخ 25 كانون الأول

بـدأ المسيحيون في الغرب يحتفلون بعيد ميلاد الرب يسوع منذ القرن الميلادي الرابع ؛ إن أول ذكر للاحتفال بعيد ميلاد يسوع المسيح ورد في ” كتاب الشهداء ” ألفه شخص إسمه ديونوزيوس فيلوكالوس سنة 354، الذي يعلمنا أن المسيحيين كانوا يحتفلون بعيد ميلاد المسيح في مدينة روما بتاريخ 25 كانون الأول (1).

إنتقل هذا العيد من روما الى الشرق ؛ يفيدنا القديس أوغسطينوس أن هذا العيد دخل في شمال أفريقيا في منتصف القرن الميلادي الرابع، وأدخله في قبدوقيا القديس غرغوريوس النازينزي حوالي سنة 380 ؛ يؤكد القديس يوحنا ذهبي الفم ان عيد الميلاد دخل في كنيسة أنطاكيا سنة 386، حيث يحتفلون به في 25 كانون الأول كعيد تبنوه من روما، متميزا عن عيد الدنح الذي كانوا يحتفلون به في 6 كانون الثاني(2).

ثانيا – أسباب الإحتفال بعيد الميلاد بتاريخ 25 كانون الأول

لا بد أن نتساءل عن الأسباب التي جعلت المسيحيين يحتفلون في روما بعيد ميلاد يسوع المسيح بتاريخ 25 كانون الاول، في حين لا يشير الانجيل المقدس الى تاريخ ولادته، لا الى اليوم ولا الى الشهر.

هناك أسباب عديدة جعلت المسيحيين يحتفلون بعيد ميلاد الرب يسوع في القرن الميلادي الرابع،

منها أسباب تاريخية ومنها عقائدية ، نذكر فيما يأتي أهمها :

1 – الأسباب التاريخية

يحدث في الخامس والعشرين من شهر كانون الأول في مدينة روما الأنقلاب الشتوي، أي يبدأ نور الشمـس في الإزديـاد وتبـدأ سـاعات النهـار في الطـول، لذلك نظم الأمبراطــور الروماني الوثني أورليانـوس (270 – 257) عيـدا وثنيـا للاحتفـال بميـلاد ” اله الشمس الذي لا يقهر ” سنة 274، وخصص لهذا الإله هيكلا في روما لتقام فيه إحتفالات خاصة بهذا العيد.

عمذت الكنيسة هذا العيد، فأعطته صبغة مسيحية، رغبة منها لإبعاد المسيحيين من الإشتراك باحتفالات الوثنيين، فحددت تاريخ الإحتفال بميلاد يسوع المسيح في 25 كانون الأول من كل سنة، وبهذا طبقت رمز الشمس على المسيح، كما جاء في آيات كتابية عديدة، نورد بعضا منها :

” وتشرق لكم، أيها المتقون لإسمي شمس البر في أجنحتها، فتسـرحون “ (ملاخي 4/2).

– بأحشاء رحمة إلهنا الذي افتقدنا المشرق من العلاء، ليضئ للجالسين في الظلمة وظلال الموت، ويرشد أقدامنا الى سبيل السلامة ” (لوقا 1/78 – 79).

– ” ثم كلمهم يسوع أيضا قائلا : أنا نور العالم، من يتبعني فلا يمشي في الظلام، بل يكون له نور الحياة ” (يوحنا 8/12).

تظهر فسيفساء مسيحية في إحدى دياميس روما، يرتقي عهدها الى القرن الميلادي الثالث، وتقدم المسيح بشكل الشمس ، راكبا عربة النصر النورية(3).

2 – الأسباب اللاهوتية

لا بد أن الإحتفال بعيد الميلاد في هذه الفترة من الزمن كان يريد التعبير عن الإيمان الحق بيسوع المسيح، كلمة الله المتجسد، وذلك لمقاومة هرطقات القرنين الرابع والخامس.

يتزامن البدء بالاحتفال بعيد الميلاد في القرن الميلادي الرابع وإنعقاد مجمع نيقية عام 325 م، الذي حرم الآريوسية وبعض الأفكار الغنوسية التي كانت تؤكد أن المسيح نال التبني ,أصبح إبن الله ونال استنارة الكلمة الأزلية وقوة الروح القدس يوم عماذه ؛ هكذا إن الاحتفال بعيد الميلاد يمثل ردا لهذه الهرطقات وإعلانا للإيمان الحق بيسوع المسيح، المساوي للآب في الجوهر والمولود من العذراء مريم كما يؤكد قانون إيمان نيقية.

ثالثا – مختارات طقسية

نورد ترجمة بعض التراتيل التي تعبر تعبيرا رائعا عن معاني عيد الميلاد اللاهوتية في طقس كنيسة المشرق :

(تجلي وحي الله عبر سر التجسد) :

” السر العظيم الذي كان خفيا منذ الأزمنة والأجيال، كشف لنا في آخر الدهور : الوحيد الكائن في حضن أبيه، أتى واتخذ هيئة العبد بنعمته، وهو الذي أخبرنا وكشف لنا الإيمان بالثالوث “(4).

” أيها الملوك أبناء الملوك، إرفعوا التيجان عن رؤوسكم واسجدوا للإبن البكر، القدوس الذي ظهر من مريم الطوباوية وجاء لخلاص العالم، سبحانك يا ربنا، سبحانك يا ابن الله. بورك من خلصنا بميلاده “(5).

(دور العذراء مريم)

” من رأى نعجة، حاملة شبل أسد، وهي تربيه ولا تخاف ؟ مريم كانت النعجة والمسيح شبل الأسد، وهي تربيه ولا تخاف، سبحانك يا ربنا، سبحانك يا ابن الله، الذي كرمت مريم والدتك “(6).

رابعا – زمن الميلاد

يخصص الطقس المشرقي أحدين للتأمل بالاحداث الخلاصية التي جرت بعد ميلاد يسوع المسيح. يُقرأ في قداس الأحد الأول بعد عيد الميلاد نص الأنجيل المقدس حسب البشير متى 2/1-18 الذي يسرد زيارة المجوس ليسوع الطفل وهرب العائلة المقدسة الى مصر واستشهاد أطفال بيت لحم. وفي قداس الأحد الثاني بعد عيد الميلاد ، يقرأ نص الإنجيل بحسب لوقا 2/21-52 الذي يروي مراسيم ختانة المسيح وتقدمته في الهيكل وحجه الى أورشليم في عيد الفصح وهو إبن اثنتي عشرة سنة، وضياعه في الهيكل.

خامسا – عيد العذراء مريم(7)

تحتفل كنيسة المشرق بعيد العذراء مريم بعد عيد ميلاد الرب يسوع مباشرة، لتبين دورها في تدبير الخلاص بصورة جلية ولتظهر مكانتها السامية في سر التجسد وأمومتها الإلهية وشفاعتها القديرة لأبنائها البشر.

يحمل هذا العيد في كتاب الصلاة الطقسية (خودرا) طبعة الآثوريين، العنوان الآتي : ” تذكار مريم والدة المسيح، ويقع في نهار الجمعة الثانية بعد عيد الميلاد، أو الجمعة الأولى إذا وافقت جمعة واحدة بين عيد الميلاد وعيد الدنح “(8).

يحتفل الكلدان بهذا العيد في اليوم الثاني من عيد الميلاد المجيد، ويحمل العنوان الآتي : ” عيد تهنئة والدة الله مريم “(9). يعكس هذا العنوان عاداتنا الشرقية التي تقتضي أن يزور الأهل والاقارب والاصدقاء الوالدة بمناسبة ولادة طفل جديد، مقدمين التهاني على سلامتها وعلى الهبة السماوية التي منحها إياها الله بهذا المولود الجديد.

يؤكد كتاب عرض الطقوس الكنسية “، الذي كتبه مؤلف مجهول في القرن التاسع : بان البطريرك ايشوعياب الثالث (649 – 659 م) هو الذي قضى بأن يحتفل بهذا العيد بعد عيد الميلاد، لأن تدبير الخلاص بدأ تحقيقه بمريم العذراء ؛ وأمر ان يحتفل بعيد العذراء نهار الجمعة لأن حواء خلقت في هذا اليوم، ولأن العذراء مريم نقلت الى السماء في اليوم ذاته(10).

إذا نسب المؤلف المجهول اختيار هذا العيد الى البطريرك ايشوعياب الثالث، لا يعني هذا ان البطريرك مجدد الطقوس قد إخترعه من العدم، إذ ينسب اليه كذلك تأليف كتاب الصلاة لمدار السنة الطقسية (حوذرا) ورتب القداس والعماذ والغفران(11). فإن هذه الرتب موجودة قبل زمانه بكثير، انما إقتصر عمله على تنظيم وتنسيق بنيتها، لذا يمكننا القول إن عيد العذراء مريم هذا يرتقي تاريخه الى ما قبل القرن الميلادي السابع.

يقدم كتاب ” جنة بوسمّا = جنة النعيم ” من القرن العاشر شروحات لقراءات الكتاب المقدس، بعهديه القديم والجديد، التي تتلى خلال القداس عبر السنة الطقسية، وقد استقى تفسيراته من مصادر قديمة سبقته ؛ إنه يذكر عيدا مريميا واحدا وهو العيد الذي يحتفل به بعد الأحد الأول من عيد الميلاد(12).

تجدر الإشارة أن هذا العيد هو العيد المريمي الوحيد الذي تذكره مخطوطات الإنجيل الطقسي ومخطوطات كتاب الصلاة لمدار السنة الطقسية (خودرا) التي استنسخت خلال القرون الميلادية الآتية : الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر(13).

يا ما أحلى الترانيم التي تنشد يوم عيد السيدة العذراء مريم هذا، نختار إحداها، يصفها العلماء بعبارة ” الأنشودة اللؤلؤة ” ، إنها تشرح تعاون العذراء مريم والكنيسة في خلاص العالم، فيما يأتي ترجمتها :

” قالت الكنيسة لمريم : تعالي ننطلق سوية لنتضرع الى إبن رب الكل من أجل خلاص العالم، إطلبي منه لأنكِ انتِ أَرضعته الحليب، أما أنا فسأتضرع اليه لأنه مزج دمه يوم عرسي، صلِّ إليه أنت بصفتك الأم وأنا بصفتي العروس، سيستمع دون شك الى دعاء والدته ويستجيب تضرع عروسه ” (14).





(1)مارتيمور،مدخل الى الليتورجيا، الجزء4، ص 135.

(2)مايارد،الأحد وألأعياد المسيحية، ص 87 – 92.

(3) منصور المخلصي، روعة الأعياد ص 65.

(4)خياط – بيجان، كتاب الصلاة لمدار السنة الطقسية، المجلد الأول، ص 320.

(5) المصدر السابق ص 343.

(6) المصدر السابق ص 344.

(7) جاك اسحق، العذراء مريم في طقس كنيسة المشرق.

(8)درمو، كتاب الصلاة لمدار السنة الطقسية، المجلد الأول ص 585.

(9)خياط-بيجان، كتاب الصلاة لمدار السنة الطقسية، المجلد الأول ص 353.

(10)المؤلف المجهول، عرض الطقوس الكنسية، ج 1، النص السرياني ص 127 – 129 ؛ الترجمة اللاتينية، ج 2 ص 115-117.

(11) عبديشوع الصوباوي، فهرس المؤلفين، النص السرياني ص 81 – 82 ؛ الترجمة العربية ص 188.

(12) فوستي، كتاب جنة النعيم، ص 221 والصفحات التالية.

(13)فييه، صلاة فرض القديسين لدى المشارقة في مخطوطات القرون 11-18، ص 38.

(14)خياط – بيجان، كتاب الصلاة لمدار السنة الطقسية، المجلد ألأول ص 366 شسو.

شاهد أيضاً

زمن تقديس الكنيسة

المبحث العاشر زمن تقديس الكنيسة تختتم السنة الطقسية المشرقية بزمن ” تقديس الكنيسة “(1)، قوامه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*