عيد الدنح وزمنه

المبحث الثالث

عيد الدنح (الظهور) وزمنه

أولا – الإحتفال بعيد الدنح بتاريخ 6 كانون الثاني

تحتفل كنيسة المشرق الكلدانية – الآثورية بعيد الدنح في السادس من كانون الثاني من كل سنة، ويظهر من المصادر أن هذا العيد عريق في الكنائس الشرقية بعامة وفي كنيسة المشرق بخاصة(1).

إن كلمة دنخا (الدنح) كلدانية تعني ” الظهور، الشروق “، وتعبر عن المعنى اللاهوتي لهذا العيد، أي بدء ظهور المسيح للعالم يوم إعتماده في نهر الاردن على يد يوحنا المعمدان، وذلك من خلال شهادة يوحنا له وإنفتاح السماء فوقه ونزول الروح القدس عليه وتقديم الآب الذي أعلن : ” هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت ” (متى 3/13).

ثانيا – أسباب الإحتفال بعيد الدنح بتاريخ 6 كانون الثاني

إذا كان عيد الميلاد، الذي يحتفل به في 25 كانون الأول، قد نشأ في الغرب، ومن ثم إنتقل الى الشرق، فإن عيد الدنح، الذي يحتفل به في 6 كانون الثاني قد نشأ في الشرق، كما يدل من إسمه المشرقي، ثم إنتقل الى الغرب في منتصف القرن الرابع، إلا أن معناه تحول وتمركـز لدى الغربيين على ظهـور الرب للأمـم الوثنيـة، ممثلة بالمجـوس، بواسطة النجم.

هكذا جرى تبادل بين الغرب والشرق : تبنى الشرق عيد ميلاد يسوع بتاريخ 25 كانون الأول، وإقتبس الغرب من الشرق عيد الدنح.

فما هو أصل عيد الدنح ؟

يظهر أن نشأة عيد الدنح في الشرق يشبه نشأة عيد الميلاد في الغرب. فهناك أسباب تاريخية واسباب لاهوتية.

أ – الأسباب التاريخية

كان يوم 6 كانون الثاني مكرسا في مصر وفي الجزيرة العربية قديما لإقامة الأحتفالات بمناسبة الإنقلاب الشتوي، إكراما للشمس المنتصرة على فترة الظلام وإزدياد نورها.

حاولت شيعة الغنوسيين منذ أعوام 120 – 140 م تعميد هذا العيد وجعله مسيحيا، كما يقول القديس إقليمس الإسكندري سنة 200 م تقريبا قائلا :

” يحتفل أتباع باسيليد كذلك بيوم عماذ يسوع، ويقضون الليل السابق له كله بتلاوة القراءات، إذ يقولون ان عماذ يسوع جرى سنة 15 حسب تقويم الإمبراطور تيبيريوس ؛ وذلك في الخامس عشر (أو الحادي عشر) من شهر توبي، الذي يصادف 10 أو 6 كانون الثاني “(2).

ب – الأسباب اللاهوتية

إن تركيز كنيسة المشرق على عماد يسوع المسيح في نهر الأردن من يد يوحنا يعكس معطيات الإنجيل المقدس، الذي لا يهتم بإعطاء معلومات كثيرة عن حياة يسوع الأرضية خلال السنين الثلاثين الأولى، إذ عاش حياة الخفاء، إلا أن ظهوره للعالم وبدء نشاطه التبشيري وعمله الخلاصي بدأ يوم العماد، إن تاريخ تدوين أسفار الأنجيل في المنتصف الثاني من القرن الأول يعكس إهتمام المسيحيين الأولين، الذين دُوِّن الأنجيل في زمانهم، فلقد تمركز إهتمامهم على سيرة يسوع المسيح منذ يوم بلوغه هذه المرحلة الخلاصية من تدبير الخلاص، التي تساعدهم في تحقيق خلاصهم عبر مواعظ يسوع ومعجزاته ومثاله وموته وقيامته، بإنتظار مجيئه الثاني.

يحمل عيد الدنح عناصر لاهوتية غنيّة كثيرة أخرى، أهمها ظهور الثالوث الأقدس للمرة الأولى على مياه نهر الأردن.

ثالثا – مختارات طقسية

نحتفل بعيد الدنح، أي بظهور يسوع للعالم مسيحاً وربّاً ؛ فيوم عماذه في نهر الاردن تتويج لمسيحانيته وبدء رسالته التبشيرية،

فيما يأتي ترجمة بعض ترانيم هذا الزمن :

” إن عماذك يا رب، هو معين وإكتمال الإيمان الحي، جرى في نهر الأردن على يد الرسول يوحنا، ومهّد الطريق الى ملكوت السماء أمام كل المعمدين، وذلك من خلال إقرارهم بالأقانيم المجيدة لثالوثك المسجود له “(3).

” إننا نسجد، يا رب، لظهورك المقدس، الذي أبهجنا، إذ به أنرت جميع الشعوب، التي كانت جالسة في ظلام الضلال، المجد لك، يا محب البشر “(4).

” إن السر المخفي بإرادة الباري تعالى منذ أجيال وقرون، عرفه السماويون والأرضيون بواسطة ظهور المسيح، وبدأ البشر والملائكة يسبحون وقاره المجيد، ثالوثا ولاهوتا واحدا “(5).

” ها هي ذي السماوات مفتوحة، ها هي ذي الأسرار معروضة، والغفران معد، والروح القدس يحل ويمنح أنفسنا حياة الأبد ” (6).

رابعا – زمن الدنح : زمن تذكار القديسين

يبدأ زمن الدنح بالأحد الذي يلي عيد الدنح، يدوم مبدئيا سبعة أسابيع، إلا أن مدته، في الواقع، تتراوح ما بين ستة أو تسعة أسابيع، وهذا الأمر مرتبط بتاريخ عيد الفصح المجيد.

إن كافة الجمع الواقعة في زمن الدنح تُعَدّ أيام أعياد مخصصة لذكرى القديسين ، الذين يُعَدّون أعمدة الكنيسة، إذ شهدوا للمسيح من خلال تعاليمهم وحياتهم، حتى استشهادهم ؛ بهذا يرفعون أنظارنا وأشواق قلوبنا الى مجئ الرب للمرة الثانية، على النحو الآتي :

– الجمعة الأولى : تذكار القديس يوحنا المعمدان.

– الجمعة الثانية : تذكار الرسولين بطرس وبولس.

– الجمعة الثالثة : تذكار الإنجيليين الأربعة.

– الجمعة الرابعة : تذكار الشهيد اسطيفانوس.

– الجمعة الخامسة : تذكار الآباء اليونان.

– الجمعة السادسة : تذكار الملافنة السريان واليونان.

– الجمعة السابعة : تذكار شفيع الكنيسة المحلية.

– الجمعة الثامنة : تذكار الشهداء الأربعين.

– الجمعة التاسعة : تذكار الموتى المؤمنين (7).

خامسا – صوم بعوت = (باعوثا = الطلبة) :

1 – الأصوام في كنيسة الشرق

أ – صوم الأربعاء والجمعة :

يقول كتاب ” الديداكيه ” (القرن 1) :

” لا تصوموا في الوقت الذي يصوم فيه المراؤون (أي اليهود)، انهم يصومون في يومي الإثنين والخميس، صوموا أنتم في يومي الأربعاء والجمعة ” (8).

يأتي بعده كتاب ” القوانين الرسولية ” في القرن الرابع ليشرح هذا النص قائلا :

” لا تصوموا في الوقت الذي يصوم فيه المراؤون (أي اليهود)، إنهم يصومون في يومي الإثنين والخميس من الإسبوع، أما أنتم فصوموا، إما خمسة أيام، ,وإما يومي الأربعاء والجمعة، لأنه في يوم الأربعاء صدر الحكم على ربنا وقبض يهوذا ثمن الخيانة ليسلمه، وفي يوم الجمعة إحتمل الرب آلام الصليب بأمر بيلاطس البنطي ” (9).

ب – أصوام الباعوثا.

ج – الصوم الكبير.

د – صوم الرسل الذي يبدأ يوم الإثنين الذي يلي عيد العنصرة وينتهي بعيد الرسل الذي يفتتح زمن الصيف.

ه – صوم عيد إنتقال مريم العذراء الى السماء.

و – صوم إيليا النبي أو صوم الصليب.

ز – صوم الميلاد خلال زمن البشارة.

2 – أصوام بعوت باعوثا (الطلبة) :

إن أحداثا مؤلمة أصابت أبناء كنيسة المشرق عبر التاريخ، دفعت الأساقفة الى تنظيم أصوام وصلوات تدوم أياما قليلة، طلبا لرحمة الله ورضوانه ليوقف هذه المصائب، لذلك يطلقون عليها تسمية بعوت أي الطلب والدعاء ؛ كما تقام في ختام هذه الأصوام صلوات تعبِّر عن الشكر للرب من أجل النعم التي تحنن وأعطاها لإبناء الكنيسة بإبعاده هذه المصائب ؛ نذكر الأنواع الثلاثة من أصوام الباعوثا التي نعرفها :

أ – صوم باعوثا مار زيعا (زيا) :

تجري مراسيم هذا الصوم خلال الأيام الثلاثة التي تلي الاحد الثاني من الميلاد ؛ تقول التقاليد إن هذا الصوم وضع إكراما للقديس زيعا وإحياء لذكرى الباعوثا التي أقامها، فأوقف الرب وباء تفشى في بلاد آشور، إلا أن الكلدان قد أهملوا هذه الباعوثا وانحصرت إقامتها لدى الإخوة الآثوريين(10).

ب – صوم باعوثا العذارى

تجري مراسيم صوم العذارى مدة ثلاثة أيام، إعتبارا من نهار الإثنين الذي يلي عيد الدنح ؛ نجد ذكرها في الكتب الطقسية الكلدانية ، التي تخصص لها قراءات كتابية ؛ إلا أن الكلدان قد أهملوا هذا الصوم كذلك. لقد نظم هذا الصوم مار يوحنا الأزرق مطران الحيرة خيرت (القرن 7 – 8)، ثم خصصت الكنيسة نهار الخميس الذي يلي الصوم لتذكاره.

تقول المخطوطات أن مناسبة تنظيم هذا الصوم هو الحدث الآتي : أن الأمير عبدالملك ابن الوليد طلب من مؤمني هذه المنطقة فتيات لإدخالهن في حرمه، فإجتمع المؤمنون في الكنيسة لمدة ثلاثة أيام، قضوها بالصوم والصلاة، وبعد ثلاثة أيام توفي الأمير عبدالملك ؛ هناك تقاليد أخرى مشابهة لهذه(11).

ج – صوم باعوثا نينوى

تجري مراسيم هذا الصوم أيام الإثنين والثلاثاء والأربعاء من الاسبوع الثالث الذي يسبق الصوم الكبير.

يؤكد كتاب الصلاة لمدار السنة الطقسية خودرا أن سبب تأسيس صيام باعوثا نينوى كان الإقتداء بالأعمال التوبوية التي قام بها أهل مدينة نينوى أيام يونان النبي في العهد القديم (يونان 3/1 – 4/11).

إلا أن هذا الربط متأخر دون شك، لأن السبب الحقيقي هو الوباء الذي إنتشر في عهد الجاثاليق حزقيال (570 – 581 م)، فأقام ابناء الكنيسة صلوات وأصواماً، فأوقف الرب هذا الوباء من الشعب ؛ لذلك فرض أساقفة بيث كرماي ونينوى على مؤمني أبرشياتهم هذا الصوم : إنتقل هذا الصوم من هذه المناطق وإنتشر في كل مكان، ولا زال أبناء كنيسة المشرق من الكلدان والآثوريين يمارسون هذا الصوم تعبيرا عن شكرهم للرب من أجل نعمه وطلبا لغفران الله ورضوانه ومراحمه.

خلال هذه الأيام الثلاثة تقام صلوات تدوم من الصباح حتى الظهر وتنتهي بإقامة القداس. تتكون هذه المراسيم من جلستي صلاة موةبا تتخللها مزامير وأبيات شعرية عونيّت ومناداة كروزوت وميامر مامذا تتكلم على التوبة، من تأليف كبار شعراء كنيسة المشرق، أمثال مار أفرام ونرساي(12) تعالج هذه الميامر موضوع التوبة.


(1) خياط – بيجان، كتاب الصلاة لمدار السنة الطقسية، المجلد الأول ص 397.

منصور المخلصي، روعة الأعياد ص 95.

(2)مارتيمور، مدخل الى الليتورجيا، ج 4، ص 92 – 93

(3)خياط – بيجان، كتاب الصلاة لمدار السنة الطقسية، المجلد الأول ص شؤا 397.

(4)المصدر السابق ص 398.

(5)المصدر ذاته ص 400.

(6)المصدر ذاته ص 401.

(7)المصدر ذاته ص 117 قيز.

(8)جورج نصور، الديداكيه ص 19.

(9)جورج نصور، القوانين الرسولية ص 305 – 306.

(10) يوسف كادو، الباعوثة في الكنيسة الكلدانية ص 77.

منصور المخلصي، روعة الأعياد (ط 1) ص 108.

بيجان، أعمال الشهداء 1/919.

(11) يوسف كادو، الباعوثة في الكنيسة الكلدانية ص 78 – 82.

منصور المخلصي، روعة الأعياد،ط 1، ص 108ص.

(12) خياط – بيجان، كتاب الصلاة لمدار السنة الطقسية، المجلد الأول، ص 151 – 238 & 411 – 498.

لويس ساكو، التوبة في صوم باعوثا نينوى.

شاهد أيضاً

زمن تقديس الكنيسة

المبحث العاشر زمن تقديس الكنيسة تختتم السنة الطقسية المشرقية بزمن ” تقديس الكنيسة “(1)، قوامه …

تعليق واحد

  1. سامي ادم البجوايا

    سلام الرب معكم.

    شكراً للرب يسوع ولكم على هذه المعلومات القيمة والمهمة وخصوصاً عن الصوم .

    ولكن لي اقتراح من هذا المنبر الكبير والخاص لبطريكة بابل للكدان.

    لماذا نقتل روحانية الصلاة والالتقاء بالرب على حساب اللغة ، مثلاً ان كل الصلواة الطقسية مثل الحوذرة والباعوثا والصلاة التي تقام في طقس قداس الاحتفالي تكون باللغة الكلدانية الاصلية ولايفهم المؤمن معانيها برغم اتفق معكم من عذوبتها وروعة ما موجود فيها لمن المشكلة يبقى الكثيرين لايستفادوا منها روحياً لعدم اتقاننا باللغة الام الاصلية ويرج السبب كما تعرفون هو اننا لم ندرس اللغة للظروف التي عشناها في العراق والاهم من هذا ان الشباب اللذين يقيمون في خارج القطر لايفهمون منها اي شيء.

    وهذه المشكلة هي ليست بسيطة بل مشكلة كبيرة جداً بحيث اننا خسرت كيستناعدد كبير من المؤمنين لأن الطقوس كلها تقام باللغة الكلدانية ولايفهمون منها شيء مما يظرون ان يرون ان الطقوس الكنسية مملة ومعقدة وهذا الكلام نجده عند الكاثوليك اللذين تحولوا الى كنائس اخرى .

    ارجو منكم ان تنظروا الى الامر بجدية فهذا الامر اخر كنيستنا روحياً وجعلها في خلفية الكنائس الاخرى.

    اطلب من الرب يسوع لكم الديمومة المستمرة في العطاء.

    هذا ولكم مني كل الود والتقدير

    فلماذا لاتسهل كنيستنا للمؤمنين هذه الصلوات بأن تكتب باللغة العربية والانكيزية

    سامي ادم البجوايا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*