أخبار عاجلة
الرئيسية / المقابلات / البطريرك ساكو: لا يمكن إيقاف تأريخ ألفي عام

البطريرك ساكو: لا يمكن إيقاف تأريخ ألفي عام

وضع المسيحيين، اعتداءات المتطرفين، الهروب من البلاد: “الغرب ليس الجنة”.
في عام 2003 كان عددُ المسيحيين في العراق ما يقارب المليون ونصف، واليوم لا يزيد عددهم عن 700 ألف. هناك عشرةُ مسيحيين تقريبًا يغادرون البلاد يوميًا بينما يجرف الصراع القائم بين السنّة والشيعة الألف ضحية شهريًا. يقود الكنيسة في هذه اللحظة المأسوية غبطة مار لويس روفائيل الأول ساكو، الذي انتُخِب بطريركًا قبل عام في الأول من شباط 2014.
من خلال تقييم هذا العام مع بداية وجوده على رأس الكنيسة الكلدانية، يبدو البطريرك ساكو كأنّه يصارع ضدّ هذا الوضع: “التحديات التي أجدُ نفسي في مواجهتها كثيرة ومعقدة: من كنيسة غائصة في الفوضى إلى هجرة المسيحيين، من العلاقة مع المسلمين والحكومة إلى العلاقة مع البابا فرنسيس: أرى علامات رجاء ولكن علينا أن نصارع لكي نحصل على ما نطمح اليه، ولا يمكننا أن ننتظر مَن يمنحنا حقوقنا على طبق جاهز”.
هل كانت الكنيسة الكلدانية منهارة؟
كانت حالتُها صعبة بسبب الفوضى وغياب المركزية والرؤية والبرمجة. بدأنا هذا العام بتنظيم أنفسنا شيئًا فشيئًا، من خلال متابعة الكهنة ومراجعة وضع المؤسسات وقبل أسبوعين تمت رسامة ثلاثة أساقفة جدد يعطون قوةً ورجاء.
ولكن لا يزال المسيحيون يهربون من البلاد.
هذا صحيح ولكن الأمور تتغير. بدأنا منذ عام حوارًا مع السلطات في بغداد وهم يحترموننا والحضور المسيحي قوي بفضل العلاقات. لم يعد المسيحيون خائفين مثل السابق، يخرجون ويذهبون إلى الكنيسة وعلى الملأ. الأسبوع الماضي تمّ تنصيب رئيس أساقفة البصرة الجديد وحضر الكثير من رجال الدين المسلمين والحكوميين الاحتفال.
كيف يساعدون المسيحيين؟
قال لنا محافظ البصرة إنّهم لا يريدون المسيحيين يغادرون ووعدني أيضًا.
بماذا؟
سيعطي لكل عائلة مسيحية تعود إلى البصرة بيتًا وعملاً وسيوفر تسهيلات أخرى للعيش.
هل يثق المسيحيون بهذه الوعود؟
صراحةً الثقة بالمستقبل مهزوزة لدى المسيحيين لأنهم عانوا كثيرًا، لذا الهجرة مستمرة، أيضًا بسبب أن من له اولاد أو اقرباء في الخارج يلحّون عليهم للالتحاق بهم، وعندما يغادرون يخسرون كلّ شيء. من يغادر يخسر تأريخه وعندما يدخل في مجتمع الغرب تتلاشى لغته وأخلاقه وتقاليده وليترجيته وكل شيء مع الزمن!
ماذا تقصد؟
إنّ تاريخ ألفي عام من المسيحية في هذه الأراضي سيتوقف وينتهي، وسيفقدنا الشرق الأوسط وكل العراق وحتى المسلمون سيخسرون المكوّن الأكثر انفتاحًا في المجتمع والذي يهتم بالتنشئة والتعليم ويساعد في نمو البلد ويعترف بكرامة المرأة ومساواتها. ستصبح الكنيسة عندها أكثر ضعفًا، واتسأل ما معنى وجود الكنيسة من دون المسيحيين؟
ماذا تفعلون لتقنعوهم بالبقاء؟
نحن نساعد العوائل الفقيرة، بنينا شققًا لهم وفتحنا مستشفى في بغداد تستقبل المسيحيين والمسلمين. إنّها شهادة صغيرة تجسد حرصنا واهتمامنا.
قلت مرارًا إنّ الإسلام المتطرف هو واحدة من الأسباب الرئيسية لهجرة المسيحيين.
هذا صحيح وإن لم يعد المسيحيون منذ ما يقارب العام هدفًا له. الصراع الحالي اتخذ منحىً طائفيًا بين الشيعة والسنّة. إلى قبل سنتين، كنّا نعيش نفس وضع المسيحيين في سوريا. كان المتطرفون يرونهم عائقًا أمام بناء الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة، عندما كانوا يحتاجون إلى المال كانوا يهاجمون المسيحيين لأنهم ضعفاء, ولا تدافع عنهم أي جهة، وعندما يُخطف مسيحيون يدفعون الفدية لأنّ الحياة لها قيمة عظمى. وإلى قبل سنتين كان الاضطهاد قد وصل عندنا لهذا المستوى ولكن الأمور تتحسن الآن.
وهل تتحسن أيضًا العلاقات بين المسيحين والمسلمين؟
العلاقات بالعموم طيبة: شعبنا منفتح وليس متعصبًا. ولكن مع الأسف هناك رجال دين منغلقين. طلب إمام قبل بضعة أسابيع من المسلمين ألاّ يسلّموا على المسيحيين واتصلنا بالمسؤولين وعولج الامر.
هل هي حالة استثنائية؟
مع الأسف لا. فهناك إمام آخر قال إنّ جميع المسيحيين “خنازير” لذلك لا يجب الاقتراب منهم. وهنا ايضا ابلغت بالمسؤولين مباشرةً لأنّ هذا الاسلوب التحريضي يخلق توترات بين العراقيين. لا يجب الخوف من قول هذه الأمور. أنا عندما ألتقي رجال الدين المسلمين أقول لهم دومًا إنّ عليهم تغيير طريقة خطاباتهم في الجوامع ويكونوا أكثر انفتاحًا. من غير المقبول أن تكون المسيحية موضوع تسامح فقط: نحن نريد كرامة متساوية ولا نريد مَن يعطينا حق الحياة. هذا غير مقبول وغير إنساني.
هل المسيحية مهمشة في المدارس أيضًا؟
نعم، فالبرامج الدينية تتكلم بالسوء على المسيحيين، وكأنهم حرّفوا دينهم وأن إنجيل برنابا هو الصحيح. هذه الامور تتعارض مع آيات من القرآن الكريم. ولشرح حقيقة ايماننا للمسلمين، أصدرت كراسًا يعرض بأسلوب بسيط عقائدنا وبنفس الوقت قدمتُ العقائد والممارسات الدينية الاسلامية للمسيحيين.
غبطتك تنتقد غالبًا الغرب قائلاً “إنه أعمى”. لماذا؟
الغرب أعمى لأن لا دين له، ولا يهتم لهذا الموضوع، لا بل يستقبل المسلمين ويسمح لهم ببناء المساجد ومراكز دينية بينما لا تسمح بلدان اسلامية للمسيحيين بأن يحتفظوا بالكتاب المقدس في بيوتهم. لابدّ من علاقة تبادلية ولكن الغرب لا يطلبها. على بلدان الغرب أن تساعد المسيحيين ليس لكونهم مسيحيين بل لأنهم مكونات تاريخية مهمة. يُتكلم هنا عن حقوق الانسان ولكن أين هي هذه الحقوق؟ الغرب يبحث فقط عن مصالحه، يكفي أن نرى نتائج الحروب في الشرق الأوسط. اين الديمقراطية والحرية في ليبيا وسوريا؟
التقيت غبطتك بالبابا فرنسيس ثلاث مرات في عام واحد. يتهمه عديدون بعدم قربه من معاناتكم. هل هذا صحيح؟
ليس صحيحًا، فالبابا قريب جدًا منا بالصلاة وحتى عندما يتكلم. عندما قال على المسيحيين في الشرق الأوسط أن يملكوا ذات حقوق المسلمين في الغرب، كان موقفه قويًا جدًا، لكن الرجل يحمل مشاكل كثيرة، وحمله ثقيل. فحالتنا ليست الوحيدة في اهتمامه. أنا اعتقد أنه إنسان يرى الأمور بعين نبوية، إنّه نعمة من الله.
في رسالتك للمسيحيين لعيد الميلاد تكلمت عن الرجاء. من أين يأتي؟

لا نعيش من دون رجاء ورجاؤنا ينبع من ايماننا ويساعدنا على تحسين الوضع في البلاد. ولكن على المسيحيين العمل، لا أن ينتظروا أن يمنحهم أحد حقوقهم التي ينتظرونها وكأنها هدية. هذا ليس جيدًا، لابدّ أن نطلب ونجاهد ونتعاون مع الجميع ونقوي الحضور المسيحي. علينا أن نساعد المسلمين على الانفتاح وعلى التعايش والاحترام والغفران ونؤسس قاعدة للأخلاق مشتركة. هذا ممكن عندما يتنشأ المسيحيون ويكونوا شجعانًا. هناك علامات رجاء في البلاد، ولكننا نحتاج إلى عمل كثير لتشكيل فريق عمل من سياسيين مسيحيين يستطيعون لعب دور مهم في سياسة البلاد. هذه أمور أساسية بالنسبة للمسيحيين، لأنهم حتى لو كانوا قليلين يستطيعون فعل الكثير. كما ليس عليهم التفكير بالهروب إلى الغرب لأنه إن كان لدينا مشاكل عديدة هنا، فالجنة ليست مضمونة في الغرب.

عن Yousif

شاهد أيضاً

مقابلة  مع الكاردينال ساكو (بغداد): “التحدي الحقيقي هو مستقبلنا”

مقابلة  مع الكاردينال ساكو (بغداد): “التحدي الحقيقي هو مستقبلنا”  اجراها معه الاعلامي دانيلي روكو في AgenSir …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *