الرئيسية / البطريرك / تعليم البطريرك / الحلقة الثانية من موضوع الأسرار

الحلقة الثانية من موضوع الأسرار

الاسرار السبعة

تتمة الحلقة الاولى

المحتفل والمُسْتلِم

الاسرار هي فعل ايمان وليست موضوع براهين فلسفية أو مادية للإقناع. ايمان ( حبهم) المسيحيين وصلاتهم تقدس هذه الاشياء وتحولها الى قنوات نعمة وبركة وقداسة.

المحتفل الحقيقي بالسر هو المسيح رأس الكنيسة والمتحد مع المحتفل المفوض المنظور، اي الكاهن بواسطة الرسامة الكهنوتية، لكن عملية التقديس والتحول تعود الى الروح القدس، لذلك في كنيسة المشرق لا يقول المحتفل: انا اعمدك، ارسمك، احلك، بل يُعَمَد، يُقدس، يُمسح، يُكلل، لان الروح القدس هو الذي يَسِم بالأسماء الثلاثة ويقدسها ( قول لمار نرساي الملفان). هذا يعني ان الاسرار – العلامات لا تملك بذاتها قوّة لفعل النعمة، بل ان الله هو المنبع وهو المانح، لهذا السبب تستعمل كنيسة المشرق في منح هذه الاسرار صيغة المجهول depreciative form” وليس الصيغة المباشرة indicative كما عند اللاتين.

النعمة تمنح حتى لو كان خادم السرّ في غير حالة النعمة! لان قوّة السر والنعمة متعلقتان باستحقاقات المسيح الذي يجعل منها علامات فاعلة لعمله الإلهي وليس الكاهن. هو علتها وفاعلها، وهذا يجنبنا خطر الوقوع في التأويلات والشكليات.

في كل الأحوال، ان مانح السر ومستلمه مدعوان الى عيش حياة صلاة وتطبيق معاني السر في تفاصيل الحياة اليومية. كما ينبغي ان يحتفل بالسرّ بشيء من القدسيّة والهيّبة والاحترام واختبار حبّ الله غير المحدود.

مانح الاسرار هو الاسقف( له وحده الحق في الرسامات) والكهنة هم معاونوه. يقول اغناطيوس الانطاكي:” سرّ الشكر هو السرّ الذي يتممه الاسقف أو من أوكل اليه.. من دون الأسقف لا يجوز العماد ولا اقامة ولائم المحبة.. على الرجال والنساء الذين يتزوجون ان يكون اتحادُهم على يد الاسقف حتى يكون الزواج حسب الرب” ( أزمير 8 ، بوليكربوس 5).

وضعت الكنيسة شروطاً ثلاثة لاقتبال السرّ:

1- قبول تعليم الكنيسة

2- ان يكون وضع المستلم وضع صلاة قبل السّر وبعده.

3- النيّة في تواصل مفعول السرّ في الصلاة وتطبيق معانيه في الحياة اليومية ( الملفان باباي الكبير رقم 46) والسعي الى ذلك.

يقتضي الاحتفال بالأسرار توفر اربعة عناصر:

1- المادة: الماء، الزيت، الخبز والخمر.

الماء: رمز الحياة يستعمل للشرب والسقي ( الخصب) والغسيل، وعلى الصعيد الليترجي يستعمل في المعمودية للتطهير والتجديد، ويمزج في خمر الكأس في القداس علامة اتحاد المشاركين بذبيحة المسيح.

الزيت: رمز البركة، يستعمل للإنارة وفي الطعام ومداواة الامراض، وعلى الصعيد الليترجي يستعمل في المعمودية والتثبيت والرسامة الكهنوتية ومسحة المرضى وتكريس الكنائس والاواني المقدسة، كعلامة النعم الالهية وخصوصا عطايا الروح القدس.

الخبز: عطية الله واكسير الحياة ورمز الوحدة بين البشر. مقاسمته مع الاخرين دليل صداقة ومحبة، وعلى الصعيد الليترجي هو خبز البركة، جسد المسيح الذي يغذي المسيحيين. والحصول عليه يتم بجهد وتعب وترقب.. انها رمز معاناتنا..

الخمر: رمز الغلبة والفرح والمشاركة، قليل منه:” يفرح قلب الانسان” (مزمور 104/15) و استعماله في القداس رمز للدم، أي للحب الجّم الذي احبنا به المسيح. هو رمز الفرح.

2- الصيغة – أي الكلام المؤسس

3- خادم السرّ

4- مستلم السرّ

أما مفعول الأسرار فهو النعمة وسمّاها اللاهوتيون ” نعمة الحالة”. الوسم أو الختم خاص بالمعمودية والميرون والكهنوت.

وللسر أبعاد ثلاثة في نظر الاباء كثيودورس المصيصي (+428) و نرساي الملفان (+503):

عقائدي –dogmatic، اي يتأسس على الايمان الحقيقي ويقوم عليه.

اخلاقي-moral : يتطلب عيش ما يرتبه السر في الزمن القائم .

أُخروي- : يعمل من اجل بلوغ كمال السر وتمام ما يرمز اليه، أي الملكوت. انه عربون لما سيكون بالتمام والكمال.

مشاركة الجماعة الرعوية

الجماعة الليترجية أو الراعوية نعني بها المؤمنين الملتئمين باسم يسوع، للصلاة والاحتفال بالأسرار والتعليم. وطابع الاحتفال يتسم بجو من العيد والفرح والابتهاج، ولهذا كان يتّم في يوم احد او عيد او احد التذكارات وحبذا لو التزمنا بهذا التقليد الجميل. هذه الجماعة المدعوة للعيش بالروح والحق، في وحدة الايمان وشركة المحبة، عليها ان تشترك في طقوس ايمانها اشتراكا واعيا وفعليا، مستخدمة كل كيانها: عيونها، آذانها، عقلها وقلبها، أيمانها ومحبتها ورجاءها. الليتورجيا ليست وقفا على الاكليروس، اذ لا ليتورجيا بدون جماعة. والنصوص الطقسية التي بين ايدينا تتميز بصيغتها الجماعية: فكل صلاة، على أي لسان وضعت تشمل الجميع. لهذا السبب سابقا لم يكن موجودا القداس الانفرادي – السريّ.

من المؤسف القول ان هناك حواجز عدة أمام مشاركة الجماعة الراعوية في طقوس الاسرار، نذكر منها:

– اللغة، بحكم جهل غالبية الجماعة لها، لم تعد مفهومة وصالحة للتعبير عن المرموز اليه، فضلا عن ان بعض النصوص غير معبرة ولا تتلاءم وعقلية معاصرينا وحساسيّتهم وظروفهم، فتوجد حاجة ملحة ليس الى ترجمتها فحسب، انما الى تأوينها ( up dating) . القديس يوحنا الذهبي الفم يقول بصريح العبارة: الليتورجيا هي لأجل الناس وليس العكس.

– عدم معرفة مقومات الاحتفال ورموزه وغياب طابع الاحتفال والعيد والملاقاة وفي بعض الكنائس كل شيء يتم بين الكاهن والشماس والناس البسطاء يتلون صلاة السبحة وهذا لا يتلاءم مع الافخارستيا التي هي قمة القداس.

– خلط الأدوار وترتيل كل الصلوات من دون تمييز بين ما يمكن ترتيله وبيت ما هو مجرد تنبيهات !! وعدم توفير النصوص بين أيدي المؤمنين.( الجوقة اخذت دورا كبيرا واحيانا يحدث خلل)!!

– حواجز معمارية: المذابح المتعددة والخورس، الزينة والإضاءة لا تساعد على المشاركة، لذا تشعر الجماعة الراعوية باللامبالاة وبعدم التفاعل الحياتي.

– غياب الحس الليترجي عند الكاهن: مرات عديدة يغطي المذبح ورود اصطناعية وكهربائيات بدل الورد الطبيعي والشموع واحيانا الكنيسة مليئة بالصور العشوائية او التماثيل المكررة من دون تنسيق بدل الايقونات الهادفة !!!وهذا خلل ليترجي !!

ويطيب لنا أن نستعرض طقوس بعض الأسرار التي نمارسها حاليا في الكنيسة الكلدانية مرفقة بمقترحات عملية لتحديثها.

المعموديــــة: تتم الرتبة غالبا من دون اعداد وبشكل مرتجل وبدون حضور الجماعة الخورنية وبغياب أحد الوالدين أحيانا … وغالبا ما يكون العرّاب صغيرًا غير قادر على الإعراب عن الإيمان، بينما كانت المعمودية حدثا هاما في الكنيسة الأولى. وكانت الجماعة تواكب أعدادهم في التعليم والصلاة وفي حفلة التعميد. لذا ينبغي أن يعاد طابع العيد للعماد، ويتعين أن يسبقه تسجيل الأسماء وتوعية الأهل وإعداد الرتبة من نصوص وصيغة الأسئلة وتراتيل وطلبات، وشرح رموزها من المسحة وخلع الملابس والتغطيس والثوب الأبيض والإكليل، لتعيش الرعية عيدا بانتماء أعضاء جدد إليها.

الكثير من مواعظ اباء الكنيسة كانت تدور حول إعداد المقدمين( صف الموعوظين) على قبول المعمودية خصوصا في عشية سبت النور، ولذا سميت سبت النور وكان المعمدون بعده يشتركون في التناول في قداس القيامة.

الـــــزواج: كي تكون الرتبة معّبرة وصلاة أصيلة يجب ترجمتها وتأوينها كي يتمكن المدعوون من المشاركة. كما يمكن للعريسين تلاوة بعض الصلوات وتبادل الخواتم رمز الرباط الزوجي بعبارة يقولانها كهذه العبارة على سبيل المثال: ” اقبل مني يا فلان هذا الخاتم عربون حبي وامانتي لك الى الابد”. تبادل الخواتم يتم بين الاثنين وليس الكاهن من يلبسهما!! ثم وضع الإكليل على الرأس بدلا من الكتف، وكذلك التوقيع على صورة العقد رسميا أمام الجميع وإدخال طلبات خاصة لأجل العريسين وتراتيل جميلة موحية و توجيه موعظة بالمناسبة.

مسحـة المرضى: في اغلب الأحيان يكون الكاهن وحده أمام شخص قد فقد الوعي أو كاد ويتمتم صلوات قد لا يفهمها هو نفسه ! حبذا لو تقام رتب مسحة جماعية وباحتفال كبير مندمجة في القداس، لكون السر هو لمساعدة المرضى الواعين وليس للذين فقدوا الوعي أو في حالة النزاع. من الممكن أن يحتفل بالرتبة بمناسبة الاعياد الكبيرة!

القداس: لا تزال بعض الكنائس تقيم القداس باللغة الاصلية، كما كان قبل مئات السنين، فتنعدم فيه المشاركة (حتى صلاة “ابانا” و “نؤمن” يرتلها الشماس) ! بينما القداس هو قمة صلاتنا وهو لقاء فرح وعيد ورجاء القيامة. ولكي يحافظ الاحتفال على حرارة الايمان والحماسة والبهجة، يتعين على الكاهن والجوقة تحضير قداس الاحد تحضيرا خاصا، وان تستعمل الورقة الطقسية التي تشمل : فكرة الاحد ومقدمات تسبق القراءات وطلبات تنطلق من قراءات الكتاب المقدس وتستلهم الاحداث الراهنة وحاجات الجماعة الراعوية والتقديس باللغة المحلية ووجها لوجه في ملاصقة تامة مع المصلين. كما ينبغي الا تكون القراءات طويلة وهي اربع في طقسنا، بل ينبغي ان مقتضبة ويمكن دمج كل القراءة الدورة الطقسية في كتاب واحد كما فعلنا.

موعظة معدّة جيدا كتابيا ولاهوتيا وراعويا، وباللغة المحكية، وموجزة لئلا يملّها الحضور( لا تتجاوز السبع دقائق)!.

عدم ترتيل الا النصوص التي يمكن ترتلها، وادخال الجوق والموسيقى لخلق جو من الفرح والخشوع.

التطواف بالقرابين والعمل على مناولة الحضور من القربان الذي اشتركوا في تقديسه وليس من قربان قـُدِسَ في قداس سابق قد يكون قبل شهر!

رفع التكرار وتبسيط الصلوات بقدر الامكان وابراز الرموز وطابع الملاقاة والعيد والفرح.

اداء الكاهن للصلوات بصوت مسموع ومفهوم والحركات بشكل خشوعي هادي ومعبر..

كانت المشاركة الجماعية محور تاريخ الخلاص في العهدين القديم والجديد، كما كانت موضوع اهتمام الجماعة المسيحية الاولى وآباء الكنيسة الذي يعود اليهم الفضل في تكوين الطقوس وبلورتها. وعلى الكنيسة اليوم، تقع المسؤولية الاولى في جعل المشاركة اكثر شمولا واكثر فاعلية : “لعلنا ندرك ما ادركنا لأجله يسوع المسيح” (فيلبي 3/12)

عن Yousif

شاهد أيضاً

الاحد السابع لايليا: الطفل المعلم

البطريرك لويس روفائيل ساكو القراءات الأولى: من سفر إشعيا (33: 1-6) تندد بأشكال الكذب والسرقة …

تعليق واحد

  1. بشرى هرمز كبارا

    شكرا لتعبكم ربنا يبارك فيكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *