الرئيسية / المقالات / فرح الانجيل القسم الاول

فرح الانجيل القسم الاول

الارشاد الرسولي

فرح الأنجيل /الانجلة الجديدة

“سينودس الأساقفة الثالث عشر العام من 7-28 تشرين الاول 2012، شارك فيه 263 كاردينال ومطران من كل العالم مع قداسة البابا بيندكتوس السادس عشر”. وبعد فترة زمنية ودراسة اعمال السينودس من لجنة خاصة حرّر قداسة البابا فرنسيس هذا الارشاد الرسولي للكنيسة الكاثوليكية وهنا ننشر مقدمته بقسمين.

القسم الأول

فرح الانجيل: إن فرح الانجيل يملأ القلب والحياة بأكملها للذين يلتقون مع يسوع، فالذين يستسلمون له ليُخلّصهم يتحرّرون من الخطيئة، ومن الحزن ومن الفراغ الداخلي ومن العزلة. مع يسوع المسيح ينشأ ويولد ثانية الفرح. في هذا الارشاد الرسولي، والذي تبع سينودس الأساقفة الخاص بالأنجلة الجديدة، يرغب قداسة البابا فرنسيس أن يتوجه نحو كل المؤمنين المسيحيين ليدعوهم إلى مرحلة جديدة من التبشير موسومة بهذا الفرح، ويرشدهم نحو الطرق والاساليب لمسيرة الكنيسة في السنين القادمة.

الفرح الذي يتجدّد وينتقل: إن الخطر الكبير لعالمنا الحاضر، مع عرضه الاستهلاكي المضاعف والخانق، هو حزن وكآبة شخصية وهي تخرج من قلب يفضل الراحة مع البخل، ومن البحث السقيم عن الملذات السطحية، ومن الضمير المنعزل. عندما تنغلق الحياة الداخلية في المصالح الشخصية، حينئذٍ لا يوجد بعدُ هناك مكانٌ للآخر، ولا يدخل هناك الفقراء بعدُ، ولا يُسمع صوت الله، ولا يُستذوق بعدُ فرح محبته العذب، ولا ينبض بعدُ الحماس لعمل الخير.

المؤمنون ايضاً يمكن أن يسقطوا في هذا الخطر الحقيقي والدائم. كثيرون يسقطون فيه ويتغيّرون إلى اشخاص حقودين ومستائين، بلا حياة. هذا ليس اختياراً لحياة لائقة وممتلئة، وليست رغبة الله لنا ولا حياة في الروح، تلك الحياة التي تتدفق من قلب المسيح القائم.

اللقاء الشخصي مع المسيح: يقول البابا انني ادعو كل مسيحي، في اي مكان وُجد وفي اية حالة كان، ليُجدد اليوم عينه، لقاءه الشخصي مع يسوع المسيح، أو أقله أن يأخذ القرار ويفسح المجال ليلتقي به المسيح، وأن يُفتش عنه كل يوم بلا توقف. هذه الدعوة هي للجميع ولا احد يمكنه أن يفتكر بأنها ليست موجهة له، لأنه “لا أحد يُستثنى من الفرح الذي حمله الرب” (بولس السادس: الارشاد الرسولي: افرحوا في الرب 9 ايار1975).

المغامرة: إن من يُغامر لا يخيبه الرب، وعندما يتقدم شخص ما بخطوة صغيرة نحو يسوع، يكتشف بأن يسوع كان ينتظر وصوله بأذرع مفتوحة. هذه هي اللحظة لنقول فيها ليسوع المسيح: “يارب لقد تركتُ المجال لأُخدع، لقد انهزمت من محبتك بالآف من الطرق ولكنني هوذا أنا هنا مرة اخرى لكي أجدّد عهدي معك. أنا بحاجة إليك. حرّرني من جديد يارب، إقبلني مرة اخرى بين ذراعيك المخلّصتين”.

المغفرة: الرجوع إليه ينفعنا كثيراُ عندما نكون ضائعين! اؤكّد مرة اخرى: الله لا يتعب ابداً بأن يغفر، اننا نحن الذين نتعب من طلب رحمته. ذاك الذي دعانا لنغفر “سبعين مرة سبع” (مت 18: 22) هو يعطينا المثل: هو يغفر سبعين مرة سبع. يرجع ليحملنا على كتفيه مرة تلو الأخرى. لا احد يمكنه أن ينتزع منا هذه الكرامة التي تُقدم لنا، هذه المحبة اللامتناهية والثابتة.

إنه يسمح لنا بأن نرفع رأسنا ونبدأ من جديد، وهذا بحنان لا يخدعنا أبداً والذي يمكنه أن يُرجع لنا الفرح. لا ننهزم من قيامة يسوع، لانُظهر انفسنا أبداً كمغلوبين، مهما كلّف الأمر. لا شيئ يستطيع، اكثر منه، أن يدفعنا إلى الأمام.

العهد القديم: إن كتب العهد القديم تكلمت عن فرح الخلاص الذي سيُصبح مستفيضاً في الأزمنة المسيحانية (اشع9: 2؛12: 6؛40: 9؛49: 13).

اما في الانجيل حيث يتلألأ صليب المسيح ممَّجداً فهو يدعو بالحاح إلى الفرح. تكفي بعض الآمثلة: “إفرحي” هذا هو سلام الملاك لمريم (لو1: 28). زيارة مريم لايلشباع يجعل يوحنا يثب من الفرح في بطن أمه (لو1: 41). مريم تصرخ في نشيدها “تهللت روحي بالله مخلصي” (لو1: 47). عندما باشر يسوع رسالته حينئذٍ صرخ يوحنا “الان قد اكتمل فرحي” (يو3: 29). ويسوع نفسه “ابتهج من الفرح في الروح القدس” (لو10: 21).

إنّ رسالته (المسيح) هي ينبوع الفرح: “قلتُ لكم هذه الأمور لكي يكون فرحي فيكم ويتم فرحكم” (يو15: 11). إن فرحنا المسيحي ينبثق من ينبوع قلبه المتدفق. هو يوعد التلاميذ قائلاً: “انتم ستحزنون، ولكن حزنكم سيتغيّر إلى فرح” (يو16: 20). ويؤكد هكذا: “سوف اراكم ثانية وقلبكم سيفرح ولا احد يمكنه أن ينزع فرحكم منكم” (يو 16: 22). وبعده شاهدوه قائماً “ففرحوا” (يو20: 20).

كتاب اعمال الرسل: يُروي بأن الجماعة “كانوا يأكلون بفرح” (2: 46). حيثما كان يمر التلاميذ “كان هناك فرح كبير” (8: 8)، وهم وسط الاضطهاد “كانوا مملوئين من الفرح” (13: 52). الخصيّ، حالاً بعدما عُمّذ، “مملؤء من الفرح كان يتبع طريقه” (8: 39). والسجّان: “امتلأ من الفرح مع كل اهل بيته لانه آمن بالله” (16: 34). لماذا لا ندخل نحن ايضاً في وادي الفرح هذا؟

صعوبات الحياة: هناك مسيحيون يظهرون بأنهم يعيشون الصوم الاربعيني بدون الفصح. نعم إننا نعرف بان الفرح لا يمكن أن نعيشه على نفس الوتيرة في كل المراحل وظروف الحياة، وقد تكون احياناً جداً صعبة. يتكيف ويتغيّر، ويبق دوماً أقلّه كزهرير من النور الذي يولد من يقين شخصي بأنه محبوب بلا نهاية، بالرغم من كل شيئ. إنني افهم الاشخاص الذين يميلون إلى الحزن بسبب الصعوبات الشديدة التي يحتملونها، ولكن يجب أن نسمح لفرح الايمان، أن يبدأ شيئاً فشيئاً بالاستيقاظ فينا، كثقة خفية ولكن حازمة وان كان من خلال أسوأ المضايق: “لقد اصبحت بعيداً عن السلام ونسيت الخيرات… هذا ما أُردّدُ في قلبي لذلك اريد أن أستأنف الرجاء لأن نعم الرب ومراحمه لا تنتهي ولا تزول، إنها جديدة في كل صباح وأمانته عظيمة… إنه جيدٌ أن ننتظر خلاص الرب بهدوء” (مراثي اير 3: 17، 21-23- 26).

تجربة ومبررات: إن التجربة تظهر غالباً ما، تحت صورة مبرّرات ومعاتبات، وكأنه يجب أن تكون هناك اعذار وشروط لا تُحصى لكي يكون الفرح ممكناً. هذا يحدث لأن ” الجماعة التكنولوجيا استطاعت أن تُكثر فرص اللذة، ولكنها بصعوبة تستطيع أن تحصل على الفرح” (بولس السادس الأرشاد- افرحوا بالرب 1975). يمكنني أن أقول بان اجمل الافراح واكثرها عفوية والتي شاهدّتها خلال مسيرة حياتي هي افراح الاشخاص الفقيرة جداً والذين لهم القليل ليتعلقوا به. اتذكر ايضاً الفرح الحقيقي، للذين بين الالتزامات المهنية الكبيرة ايضاً، عرفوا أن يحافظوا على قلبٍ مؤمنٍ، كريم، وبسيط.

هذه الافراح تستقي بطرق شتىّ، من ينبوع محبة الله الذي يكبر باستمرار والذي ظهر في يسوع المسيح. لا اتعب أبداً من تكرار كلمات بنيدكتوس السادس عشر التي تقودنا إلى مركز الانجيل: “في بداية كياننا المسيحي، لا يوجد هناك قرار خلقي، أو فكرة كبيرة، لكنه لقاء مع حدث، مع شخص، وهو يعطي للحياة افقاً جديداً، وبهذا يكون الاتجاه حاسما”. (الله محبة 2005).

الشكر فقط لهذا اللقاء – أو اللقاء من جديد – مع محبة الله والذي يتغيّر إلى صداقة فرحة، هكذا نتحرر من ضميرنا المعزول ومن التحكم والسلطنة. إننا نصل بان نكون أناساً كاملين عندما نصبح اكثر اناساً، عندما نسمح لله بان يقودنا ابعد من انفسنا لاننا نصل إلى كياننا الاكثر حقيقياً.

هناك ينوجد ينبوع العمل التبشيري. لأنه إذا احد ما قبل هذه المحبة التي تُعطيه معنى الحياة، كيف يمكنه أن يمنع الرغبة لايصالها للآخرين؟

الفرح العذب والمعزي للتبشير: إن الخير يميل دوماً إلى الانتشار. كل خبرة أصيلة للحقيقة والجمال تُفتش عن اتّساعها بنفسها، وكل شخص يعيش تحريراً عميقاً يكتسب إحساساً أكبر امام حاجات الغير. الخير عندما يُنقل للغير فانه يتعلق ويتطور. ولهذا فان من يريد أن يعيش بكرامة وبإمتلاء ليس له طريق آخر إلا الاعتراف بالآخر والبحث عن خيره. ولهذا لا نتعجب إذاً من بعض تعابير القديس بولس” “محبة المسيح تحثنا” (2كور5: 14)؛ “الويل لي ان لم أُبشر” (1كور 9: 16).

إن المقترح هو بأن نعيش على مستوى ارفع. ولكن ليس بقوة اضعف: “إن الحياة تتقوى عندما نُعطيها وتضعف في العزلة وفي اليُسر. فعلاً إن الذين يستغلون أكثر امكانية الحياة هم اولئك الذين يتركون الضفة الآمنة ويتعلقون برسالة ايصال الحياة للغير” (الاجتماع العام لاساقفة اللاتين اميركا31 ايار 2007). وعندما تدعو الكنيسة إلى الالتزام التبشيري، لا تعمل شيئاً آخر إلا ارشاد المسيحيين إلى الديناميكية الحقيقية للتحقيق الشخصي: “هنا نكتشف قانوناً آخر عميقاً للحقيقة: الحياة تنمو وتنضج بالمقياس الذي فيه نعطي من أجل حياة الغير. الرسالة، في نهاية الأمر، هي هذه” (31 أيار 2007).

حماس خدام الانجيل: بالنتيجة، إن المبشّر لا يجب أن يكون له دوماً وجهاً حزيناً وكأنه وجه المأتم. لنبدأ من جديد ننمي الحماس فينا: “إن الفرح الحلو والمشجع للتبشير، حتى في حالة ضرورة زرعه في الدموع ][ ليستطيع عالمنا المعاصر– الذي يفتش احياناً في الكآبة، واخرى في الرجاء – أن يستلم البشرى السارة ليس من المبشّرين الحزانى والفاشلين، والغير الصبورين والقليقين، ولكن من خدام الانجيل الذين حياتهم تشع حماساًُ وقد استلموا هم اولاً في داخلهم فرح المسيح” (بولس السادس: التبشير بالانجيل 8/2/1975).

حداثة ازلية: إعلان البشرى المتجدّد، يقدم للمؤمنين، وحتى للفاترين منهم والذين لا يمارسون ايمانهم، فرحاً جديداً في الايمان، وخصوبة تبشيرية. بالحقيقة، إن مركزها وماهيتها هو دوماً عينه: الله الذي أظهر محبته العظيمة في المسيح الذي مات وقام. هو يجعل مؤمنيه دوماً جُدُداً، مهما كانوا مسنّين، “يحصلون على قوة، يحصلون على اجنحة كالنسور، يركضون بدون أن يلهثوا يسيرون بدون أن يتعبوا” (اش40: 31) المسيح هو “الانجيل الأبدي” (رؤ 14: 6)، وهو “عينه البارحة واليوم والى مدى الدهر” (عبر 13: 8).

لكن غناه وجماله لا تنفذ. إنه دوماً شاب وينبوع ثابت للتجدّد. الكنيسة ما زالت مندهشة “لعمق غنى الله وحكمته وعلمه ما ابعد احكامه عن الادراك وطرقه عن الاستقصاء” (روم 11: 33). كان يقول يوحنا الصليبي: “إن سُمك حكمة الله وعلمه هو جداً عميق وشاسع بحيث وان كانت النفس بمعرفة فيه فانها تستطيع أن تدخل بعمق اكثر”. (النشيد الروحي 36-10). أو ايضاً كما كان يؤكد القديس ايرينيوس: “]المسيح[ ، بمجيئه، حمل معه كل تجديد” (ضد الهرطقات: الآباء اليونان 7).

هو يستطيع دوماً، بتجدّده، أن يُجدد حياتنا وجماعتنا، وايضاً اذا عبرت حقبات مظلمة واوهان كنسية، إن المشروع المسيحي لا يشيب ابداً. يسوع المسيح بامكانه ايضاً أن يكسر المخططات المملة والتي فيها نريد ان نسجنه ويُفاجئنا بابداعاته الإلهية المستمرة. كل مرة نسعى بالرجوع إلى الينبوع لنسترجع طراوة الانجيل الأصلية تظهر طرق جديدة، اساليب خلاقة، صيغ أخرى للتعبير، علامات اكثر بليغة، كلمات مملوءة من المعنى المتجدد لعالمنا الحاضر. بالحقيقة، إن كل عمل تبشيري حقيقي هو دوماً “جديدً”.

بغداد: 9/3/2014

عن Yousif

شاهد أيضاً

الى ضمير الحكومة العراقية: “الصراع الحالي في سهل نينوى هدفه الاساسي لمن يكون؟”

 الى ضمير الحكومة العراقية: “الصراع الحالي في سهل نينوى هدفه الاساسي لمن يكون؟” الكاردينال لويس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *