الرئيسية / البطريرك / تعليم البطريرك / الحلقة الخامسة القربان المقدس سرُّ الأسرار

الحلقة الخامسة القربان المقدس سرُّ الأسرار

1.التأسيس
تسلمت الكنيسة الافخارستيا ( القربان المقدس) كعطيّة من الله. يقول الرسول بولس: “ فإِنِّي تَسَلَّمتُ مِنَ الرَّبِّ ما سَلَّمتُه إِلَيكُم، وهو أَنَّ الرَّبَّ يسوع في اللَّيلَةِ الَّتي أسلِمَ فيها أخَذَ خُبْزًا، وشَكَرَ، ثُمَّ كَسَرَه وقال: هذا هو جَسَدي، إِنَّه مِن أَجْلِكُم. اِصنَعوا هذا لِذِكْري. وصَنَعَ مِثلَ ذلكَ على الكَأسِ بَعدَ العَشاءِ وقال: هذه الكَأسُ هي العَهْدُ الجَديدُ بِدَمي. كُلُّمَا شَرِبتُم فاصنَعوه لِذِكْري” (اولى قورنثية 11:23-25 طالع ايضا متى 26:26-29، مرقس24:22-25 ولوقا 22:14-20). كلمات يسوع هذه وحركاته هي في جوهر التأسيس. عندما يقول:” هذا هو جسدي، هذا دمي”، كلماتُه هذه تؤكد حضوره وتقويّه. هذا التواتر يحصل في كل احتفال بالافخارستيا. انها فعل فريد يعكس ايمان الكنيسة والمؤمنين. أ ليست الافخارستيا سرّ الايمان.
وجبات الطعام التي تقاسمها يسوع مع تلاميذه والاخرين، وخصوصًا اعجوبة تكثير الخبز هي علامات الملكوت. والعشاء الاخير قد ادرج في سياق الامه. وبعد قيامته تجلى يسوع لتلاميذه من خلال كسر الخبز ( تلميذا عماووس).
يعدّ المسيحيون الافخارستيا ضمن ذاكرة الخلاص: فصح اليهود وتحريرهم من ارض العبودية، ووليمة العهد على جبل سيناء ( الخروج 24: 6-7 ) حاضرةٌ في فصح العهد الجديد الذي منحه يسوع لتلاميذه ” اصنعوا هذا لذكري”، انه إحياء لموته وقيامته، ومقدمة وليمة الملكوت” وقالَ لِيَ المَلاك: أُكتُبْ :طوبى لِلمَدعُوِّينَ إِلى وَليمَةِ عُرسِ الحَمَل” ( رؤيا 19/9). كل مرّة تحتفل الكنيسة بالافخارستيا تلتقي المسيح في هذا الغذاء الاسراريsacramental ، وتتطلع في حجّها الى عودته. لذا في الليترجيا السريانية والرومانية بعد كلام التقديس ينشد المؤمنون: اننا نتذكر موتك ونعترف بقيامتك وننتظر مجيئك”!
العشاء الاخير الذي احتفل به يسوع كان عشاء ليترجيا، استعمل فيه كلماتٍ وحركات منظورة تتحدنا معه هو من احبّنا الى النهاية: “وكانَ قد أَحَبَّ خاصَّتَه الَّذينَ في العالَم، فَبَلَغَ بِه الحُبُّ لَهم إِلى أَقْصى حُدودِه” (يوحنا 13/1). لا يمكن فهم الافخارستيا خارج اطار الحدث الفصحي. ولقد رأت الجماعة المسيحية الاولى في هذا الحدث معنى احتفالها بالافخارستيا وفاعليته. فقوة الخلاص وكثافته وديناميكية السر كلُّها تتجه نحو ثمرة الحدث الخلاصي الذي يُمَكِّنُ الاشخاص والجماعة من الاندماج في حقيقة المسيح الباذل ذاته. والاباء الاوائل اكدوا على حضوره حضورا حقيقيا سريا sacramental ارزناية، وليس حضوراً ماديًّا. يقول ثيودروس المصيصي(توفى سنة 428): ” عندما اعطانا الخبز لم يقل هذا هو شكل (طوفسا) جسدي، بل هذا هو جسدي. ونفس الشيء بالنسبة الى الكأس، لم يقل هذه هي شكل دمي، بل هذا هو دمي، لأنه يريد من خلال هذا الخبز وهذه الكأس بحصولهما على النعمة بمجيء الروح القدس ألا ننظر الى طبيعتهما، بل ان نعتبرهما بمثابة جسد الرب ودمه” ( المواعظ التعليمية رقم(15/10)
وقد سميت الافخارستيا بعدة اسماء: عشاء الرب، العشاء الاخير، صلاة الشكر، كسر الخبز، القداس، جسد ودم المسيح، القربان، التقدمة، الذبيحة، سرّ الاسرار لغزارة النعم التي يمنحها ولان جرت العادة ان يحتفل بمعظم الاسرار اثناء الاحتفال به.
2. المعاني
1- الافخارستيا عطية الله. هي سرّ عطيّة الله لنا بيسوع المسيح وبقوة الروح القدس. كلُّ مسيحي بتناول القربان، يستلم عطيّة الخلاص هذه. وبحسب وعد يسوع، كل معمد، هو عضو في جسده، ويمنح بالتناول مغفرة الخطايا والتجديد والشركة( متى 26-28). وعندما يناول الكاهن القربان يقول: جسد المسيح لغفران الخطايا! القربان عربون الحياة الادية ( يوحنا 6: 51-52). الافخارستيا احتفال متكامل يضمّ: صلاة الشكر لله، ذكرى ذبيحة المسيح، دعوة الروح القدس، تناول المؤمنين، غذاء الملكوت.
2- فعل الشكر. الافخارستيا فعل شكر لله على كل ما صنعه معنا: الخلق، الخلاص، التقديس. وعلى كل ما يقوم به في الكنيسة والعالم لقيادة البشر الى ملء الملكوت بالرغم من خطاياهم. الافخارستيا ” بركة” تعبر الكنيسة لله بواسطتها عن عرفانها بجميله. يقول كتاب ديداكيه كتب نحو سنة 100 ميلادية:
اما عن صلاة الشكر فاشكروا هكذا، أولاً على الكأس : نشكرك يا أبانا على كرمة داود فتاك المقدسة التي عرّفتنا بابنك يسوع ، فلك المجد الى الابد.
وعلى كسر الخبز : نشكرك يا أبانا على الحياة والمعرفة التي وهبتنا يسوعَ ابنك، فلك المجد الى الاجيال.
3- الافخارستيا ذبيحة. ان سر الشكر هو ذبيحة المسيح الكاهن الاعظم، هو المقرِّب والمقرَّب. الذبيحة الدموية كانت لمرة واحدة، لكن ذبيحة الشكر الروحيّة، تقدم مرّات عديدة. الذبيحة في مفهوم الانجيل هي توجيه الكيان كله نحو الله الذي يحبنا، وبالنتيجة نحو الاخوة، الامر الذي يتطلب تضحيات. ولا يمكن فهم الافخارستيا خارج هذا الاطار. الاحتفال يجعله حاضرا بيننا بـ” ذبيحته”، وتناولنا جسده ودمه دخول في الشركة معه والصيرورة معه قربان محبة. يقول اقليمس الاسكندري(توفي سنة 215):” واذ نمجد المسيح الذي قدم ذبيحته لأجلنا نقرب بدورنا ذواتنا لمن لا يسره الا خلاصنا” (متنوعات7/3). العالم حاضر في كل افخارستيا من خلال الخبز والخمر ومشاركة المؤمنين وصلواتهم ” الافخارستيا هي ذبيحة التسبيح الكبرى. فيها تتكلم الكنيسة باسم الخليقة كلها. فالعالم الذي صالحه الله حاضر في كل افخارستيا: في الخبز والخمر، في شخص المؤمنين وفي الصلاة التي تقدمها عنهم وعن جميع الناس. لان المؤمنين وصلواتهم متحدون بشخص الرب وبواسطته يتجلون ويقبلون. هكذا تكشف الافخارستيا للعالم ما هو صائر” ( محلس الكنائس العالمي 1976).
الافخارستيا تكشف كيف ينبغي ان يكون العالم: تقدمة مرضية وشركة شاملة مع المسيح في ملكوت تسود فيه العدالة والسلام والمحبة في الروح القدس.
3- الافخارستيا احياء ذكرى موت المسيح وقيامته. الافخارستيا احياء ذكرىMemorial موت المسيح وقيامته، أي هي العلامة الحية والفاعلة لذبيحته التي تمت على الصليب من اجل خلاص كل البشر. والذكرى بحسب الكتاب المقدس هي الذاكرة الحيّة والحاضرة والفاعلة لعمل الله ( تدبيره الخلاصي). يسوع حاضر بكامل شخصه، أي بتجسده وخدمته وتعليمه والمه وموته وقيامته وصعوده وارساله الروح القدس وعودته. الذكرى ليست مجرد تذكير بحدث مضى، بل عرض واستباق واعلان مؤثر لعمل الله الحاضر في الكنيسة والافراد وتحقيق وعوده.
بهذا الاحتفال تعبر الكنيسة عن اتحادها بيسوع حبرها الاعظم وشفيعها: “المَسيحُ يسوع الَّذي مات، بل قام، وهو الَّذي عن يَمينِ اللهِ والَّذي يَشفعُ لَنا” ( رومية 8/34)، ” فهُو لِذلِك قادِرٌ على أَن يُخَلِّصَ الَّذينَ يَتَقَرَّبونَ بِه إِلى اللهِ خَلاصًا تامًّا لأَنَّه حَيٌّ دائمًا أَبَدًا لِيَشفَعَ لَهم” ( عبرانيين 7/25). المسيح يمنحنا القوة للعيش معه والتألم معه والصلاة من خلاله والسعي لإتمام مشيئته في تفاصيل الحياة اليومية بحرية وفرح، فنصير خدام المصالحة والغفران للعالم. بهذا الروح ينبغي ان نفهم ونقيم تضحيّة الشهداء.
متعددون، لكننا جسد واحد، ومدعوون لكي نكون حبات حنطة في قربان واحد يقدم لله الاب، وعناقيد عنب في خمر يصبح دم المسيح، ولهذا نعلن في قانون ايماننا” نؤمن بكنيسة واحدة”.
ويذكر كتاب ديداكي هذه الوحدة:
كما ان هذا الخبز كان منثورًا فوق الجبال، ثم جمع فصار خبزاً واحداً، كذلك اجمع كنيستك من أقاصي المسكونة الى ملكوتك، لان لك المجد والقدرة بيسوع المسيح. اجمعها من الرياح الاربع الى الملكوت الذي أعددته لها، فلك المجد الى الابد.
اما اغناطيوس الانطاكي (استشهد سنة 107) فيقول:” تكسرون الخبزة الواحدة التي هي دواء الخلود ، تقدمة مُعّدة تحفظنا من الموت، وتؤمّن لنا الحياة الدائمة في المسيح” (افسس20/2). ” إيـــــاكم والاشتراك بغير سّر الشكر الواحد، لأنه لا يوجد غير جسد واحد لربنا يسوع المسيح، وكأس واحدة بدمه، ومذبح واحد ” ( فيلادلفيا 4). ” إن جسد المسيح الحقيقي هو ايمان المسيحيين، ودمه هو محبتهم ” ( تراليان 8/1).
4- دعوة الروح القدس. هذا التحول يتم الروح القدس. يقول ثيودورس: ” عندما يحل الروح القدس، انما على شكل مسحة يحل بالنعمة كما نؤمن، يستقبلها الخبز والخمر المقرّبان، ومنذئذ نؤمن انهما جسد المسيح ودمه..” (الموعظة16/2). دور الروح القدس اساسي في الافخارستيا. هو محول ومكمل مشلمنا كل شيء. وهو يجعل المسيح المصلوب والقائم حاضرا حقيقة في الافخارستيا، و يجعل حدث حبّ الله للبشرية مستمرا في الكنيسة وفي الافراد ويحولهم الى جسد المسيح السريّ. هذا لا يعني البتة ان الافخارستيا تتم بشكل آلي، انما الكنيسة جماعة العهد الجديد التي تصلي لكي يحل الروح القدس على القرابين ليتحولوا الى شيء آخر.. في القداس الكلداني ندعو الروح القدس: ” ليأتِ يا رب روحك القدوس، ويستقِرْ على قُرباننا هذا، ويبارِكْهُ ويقَدِسْهُ، غفرانًا لذنوبنا، وصفحًا عن خطايانا، ورجاءً سعيداً للقيامة من بين الأموات، وحياة جديدة في ملكوت السماء مع جميع الذين أرضوك
3– المفاعيل

الاندماج في المسيح: ” من يأكل جسدي ويشرب دمي، يثبت فيّ وانا فيه ( يوحنا 6/56)، النمو في النعمة والارتقاء في الكمال الروحي، غفران الخطايا وعربون القيامة المجيدة: ” من يأكل جسدي ويشرب دمي، فله الحياة الابدية وانا أقيمه في اليوم الاخير” ( يوحنا 6/54-58). الاشتراك في سر الشكر اشتراك في مجد من هو في الملكوت والاستعداد لاستقباله ثانية. تلخّص هذه الصلاة في القداس الكلداني مفاعيل القربان: “ ليُقْبَلْ هذا القربان بوجهٍ مشرق، ويتقدسْ بكلمة الله وبالروح القدس، فيكونَ لنا للعون والخلاص والحياة الأبدية في ملكوتِ السماء بنعمة المسيح. تناول القربان المقدس يغذي حياة الكنيسة والافراد. تناول هذا الخبز الواحد في مكان واحد يظهر وحدة المتناولين بالمسيح وبالكنيسة. الاحتفال مرتبط دوما بالكنيسة، ولا توجد افخارستيا خارج الكنيسة، وهي تشمل جميع اوجه حياتها ورسالتها: الشكر والتقدمة والمصالحة( السلام المتبادل)) والمقاسمة والتضامن ( الصلاة من اجل بعضنا البعض)، أي اعتبار الكل اخوة واخوات في اسرة واحدة هي اسرة الله. وهي تجديد واصلاح البشرية وكرامتها، و اشتراك في فرح رسالة المسيح. على المتناولين ان يكونوا له رسلا وشهودا، ويعبروا عن ذلك بأشكال عديدة في حياتهم اليومية ( تلميذا عماووس)!!

عن Yousif

شاهد أيضاً

الاحد السابع لايليا: الطفل المعلم

البطريرك لويس روفائيل ساكو القراءات الأولى: من سفر إشعيا (33: 1-6) تندد بأشكال الكذب والسرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *