الرئيسية / المقالات / عقيدة الحبل بلا دنس

عقيدة الحبل بلا دنس

ان الكنيسة المقد سة تعتقد وتعلم ان آدم وحواء أبوي البشر ، خلقهما الله تعالى في حالة النعمة والبر الاصلي . وان الجسد فيهما كان خاضعآ خضوعآ تامآ للنفس . والجسد والنفس كانا يتعاونان معآ في الحصول على السعادة الابدية . لكن آدم وحواء عصيا الله وخالفا وصيته الالهية وثارت فيهما حركات الجسد على النفس ، وصار جميع الذين يولدون من نسلهما على هذه الصفة . غير ان الله تعالى أستثنى وأمتاز من ذرية آدم وحواء العذراء مريم الطوباوية وحدها ، لانه منذ الازل أختصها لتكون أمّآ له ، وهي اول نعمة حازتها البتول مريم أم النعم من لدن الله . فقد صانها الله من دنس الخطيئة الاصلية ، عند أول ماتصور جسدها في بطن أمها . ضم الله اليه نفسآ حبيبة متسربلة بنعمته حاصلة على البر الاصلي . وهذه النعمة الخاصة لم تنالها مريم بمقتضى طبيعتها ، فهي أبنة آدم ومن سلالته ، لكنها حازت عليها من فضل ربنا يسوع المسيح الذى شاء أن يختارها امّآ له … والكتاب المقدس يتضمن حججآ ودلائل قوية تبين ماتمسكت به الكنيسة منذ القديم . نقرأ في سفر التكوين الله يخاطب الحية أي الشيطان ( واجعل عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها فهو يسحك رأسك وانت ترصدين عقبه . تك 3 : 15 ) . فا لمرأة التي يأتي منها المخلص الذى يسحق رأس الشيطان ويغلبه وينتصر عليه ، لايمكن ان تكون غير مريم العذراء أم المخلص ربنا يسوع المسيح له المجد . وهذه المرأة يصفها الله بكونها مبغضة للشيطان على الدوام ، وان بينها وبينه عداوة متواصلة غير منقطعة البتة . فلو فرضنا ان العذراء حبل بها بدنس أصلي ، لوجب ان نقول انها بقيت موافقة للشيطان مستعبدة له ، ووجد زمانآ فيه لبثت العذراء غير معادية للشيطان ، فكيف اذن لايبطل قول الله العظيم ، الذي أنبأ آدم وحواء وعزّى – أعطى رجاءآ – للناس بالمخلص . ثم ان الكتاب المقدس فيه رموز وأشارات متعددة الى العذراء مريم ، منها تتضح جليّآ صفتها هذه ، ففي سفر الحكمة تسمى العذراء زنبقآ نبت بين الاشواك ، لانها وحدها حبل بها بغير وصمة ، فهي مثل زنبق بهيّ نقيّ نبت في بستان العالم ، بين أشواك الدنس الذى يطرأ على ذرية البشر بأجمعها من سبب الخطيئة الاصلية . ولهذا يناديها العروس السماوى قائلآ : ( أنك كلّك جميلة ياحبيبتي ، ولادنس فيك ولا أثر خطيئة ) .

ثم ان الملاك جبرائيل صرّح واضحآ عند بشارته العذراء مريم ، فانه حيّاها بقوله لها : ( السلام عليك ياممتلئة نعمة ) . فصفة العذراء متوقفة على كونها ممتلئة من النعمة ، فلو كانت العذراء مولودة بخطيئة اصلية ،لكانت غير ممتلئة من النعمة، اي لكانت تعوزها هذه النعمة الجليلة الفريدة ، وهي ان تولد بدون خطيئة أصلية ، فبقوله لها ( ممتلئة نعمة ) عنى انالعذراء فيها كمال النعم الالهية وتمامها ، فغير معقول انها كانت تعوزها هذه النعمة . وفي سفر الرؤيا نقرأ : [ وظهرت في السماء آية عظيمة امرأة ملتحفة بالشمس وتحت قدميها القمر وعلى رأسها اكليل من أثني عشر كوكبآ ، وهي حبلى تصيح وتتمخض وتتجع لتلد ، وظهرت آية اخرى في السماء ، اذا بتنين أشقر عظيم له سبعة رؤوس وعشرة قرون وعى رؤوسه سبع اكاليل ، وقد جرّ ذنبه ثلث كواكب السماء والقاها على الارض . ووقف التنين قبالة المرأة المشرفة على الولادة ليبتلع ولدها عندما تلده ، فولدت ولدآ ذكرآ، هو مزمع ان يرعى جميع الامم بعصا من حديد فاختطف ولدها الى الله والى عرشه . رؤيا12 :1- 6 ] .

وبد كل هذا لنلقي نظرة في كتب الآباء وتعليم الكنيسة بشأن قضية الحبل بلا دنس . نراهم قاطبة متفقين أتفاقآ عجيبآ في تثبيتها ، ونكتفي بأيراد الشهادة التي أدّاها القديس اوغسطينوس اللاهوتي الكبير والملفان العظيم ، اذ قال بخصوص عقيدة الحبل بلا دنس : ( اننا نستثني العذراء ام الله في كلامنا عن الخطايا ، فاني لاأشك ادنى شك في شأنها ،لاننا نتيقن اتها نالت نعمة سايغة فائقة لكي تغلب الخطيئة غلبة تامة ، اذ انها أستحقت ان تحمل في حشاها وتضع ذلك الذي نحن نعلم انه كان خالصآ من كل درن ، وهو قد شاء ان يأخذ لحمآ من لحمها ، ويسكن فيها مدة تسعة أشهر . ان منزلة أم الله هي اعظم وارفع من منزلة كل الخلائق الموجودة او الممكن وجودها ) . ولهذا نرى الآباء والقديسين يعظمونها على الكواريب والسواريف ، وجميع الخلائق الكائنة والممكنة ، وقالوا بأن بعد الله لايوجد أشرف وأجلّ من مريم العذراء . فاذن كيف يمكن ان يكون قد تسلّط عليها الشيطان وأستولاها برهة تحت عبوديته ، ونحن نعلم ان الملائكة لم يتلوّثوا بخطيئة .

فأي انسان ايتها العذراء الطوباوية الطاهرة النقية ، يقدر ان يدرك جيدآ النعم التي نلتيها في ساعة الحبل بك ، ان الله تعالى في ذلك الحين لم ينظر اليك كما الى ابنة آدم بل الى ابنة الله أبيه وأمه وهيكل الروح القدس . أن كانت السماء التي هي مسكن الله لادنس فيها ولايلجها شىء مدنّس ، فكيف يمكن ان يكون قد طرأ عليك الدنس وانت اصبحت سماءآ ثانية بل اعظم من السماء ، اذ ان ابن الله أتخذ له جسدآ من جسدك . أن تابوت العهد صنع من خشب لاشائبة فيه ، لانه كان مزمعآ ان يحوي لوحي الشريعة التي أشترعها الله . فكيف يمكن ان تكون العذراء مريم حين فطرت علا عليها الدنس والعيب وهي أم صاحب الشريعة ووالدته المقدسة . وختامآ نقول اته وفي سنة 1854 ميلادية تم اعلان عقيدة الحبل بالعذراء بلا دنس وتثبيتها نهائيآ ، وذلك في مجمع عقده البابا بيوس التاسع ضم 690 أسقفآ ، اعلن فيه ان سيدتنا مريم العذراء ام المسيح قد حبل بها بلا دنس وقال : ( اننا بحول ربنا يسوع المسيح وسلطان الرسوليم المغبوطين بطرس وبولس وسلطاننا نقرر ونحدد ان مريم العذراء القديسة منذ اول دقيقة من حبل أمها بها قد صانها الله من كل دنس الخطيئة الاصلية . وان هذا التعليم قد اوصى الله به . فمن يتجاسر ان يزعم خلاف ذلك فليعلم انه مشجوب وأنه قد خرج من الايمان الكاثوليكي ) .أي ايمان الكنيسة الجامعة المقدسة الرسولية الواحدة المستقيمةالايمان … والكنيسة الشرقية والغربية اهتمت منذ القديم بالاحتفال بعيد الحبل بلا دنس . كما ان ايقونات الحبل بلا دنس مكرّمة أكرامآ بالغآ في العالم ، ونخص بالذكر اليونان وروسيا وغيرها من بلدان العالم قاطبة .

بقلم : سمير شيخو

شاهد أيضاً

موعظة الاحد الثالث للبشارة: ميلاد يوحنا

البطريرك لويس روفائيل ساكو القراءات الأولى من سفر التكوين (18 :1 -15) تنقل البشارة الى …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*