الرئيسية / المقالات / المرأة والرجل في فكر الشهيدة الفيلسوفة اديث شتاين Edith Stein 1891-1942

المرأة والرجل في فكر الشهيدة الفيلسوفة اديث شتاين Edith Stein 1891-1942

مقدمة

قديستنا هذه هي شاهدة للأيمان، الايمان بعد الولادة الروحية، وهي علم من اعلام الكنيسة. راهبة بولندية فيلسوفة وشهيدة. ولدت سنة 1891 وتعمذت سنة 1922، ثم دخلت الراهبة الكرملية سنة 1934 وتوفيت في معسكرات التعذيب النازية سنة 1942… تم تطويبها سنة 1987 من قبل البابا يوحنا بولس الثاني. وفي سنة 1998 سماها البابا (تريزا بندكت الصليب) ويتم الاحتفال بذكراها سنوياَ يوم التاسع من اب. لماذا تحولت الى مسيحية، وقبلت الشهادة بقلبها ودمها؟ وماهو فكرها الذي يساعدنا على تقديم الايمان لأبناء عصرنا حيث واجهت بشجاعة وذكاء عبر مقالاتها ومحاضراتها ادعاءات العصرنة وافرازات الحضارة المادية؟ لقد اطلعت على خلاصة رسالة الدكتوراه التي انجزتها بنجاح باهر. كانت تخص بالفلسفة الظواهرية، وهي صعبة للقارئ العادي. لذلك ساحاول السياحة في فكرها بأمانة حول بعض اهتماماتها بخصوص المرأة والمسيحية.

حياتها:
تعتبر حياة اديث رمزاَ للبطولة، فيوم ولادتها كان يوم صوم وتوبة لدى اليهود، كانت أصغر اخت لعشرة اولاد، تيتمت في سن الثانية واختبرت وفاة اربعة من اخوتها، وعندما تلقنت دروسها الدينية، تعلقت بالمزامير والامثال خصوصاَ الفصل 31 حيث يمدح بالمرأة الصالحة.
ومع ذلك فعندما كانت اديث في سن المراهقة لم تقاوم عاصفة افكار المراهقة، فقد رفضت ايمانها اليهودي لعدم قناعتها بابعاده المستقبلية واهمها توجهاته الاخروية ودورها في مستقبل حياة المؤمن.
نتيجة لتفكيرها العميق بالموضوع دخلت كلية الفلسفة بتشجيع من مدرسها المشهور ادموند هوسيرل ابو الفلسفة الظواهرية في جامعة فريبرك حيث عملت كمساعدة له. هكذا حصلت على شهادة الدكتوراه في الفلسفة بموضوع (تسرب الانفعالات والعواطف (Empathyحيث ناقشها كمشكلة تواجه الانسان بسبب عاداته الحسنة والرديئة.
عندما احتكت بالمسيحية اول الامر، قرأت قصة حياة القديسة ترازيا الافيلية والقديس يوحنا الصليبي حيث تأثرت بهما كثيراوساعداها للتحول للايمان بالمسيح، تطوعت قبل دخولها الرهبنة للتعليم في مدرسة للفتيات الدومنيكيات لعشرة سنوات حيث ترجمت للالمانية كتاب (في الحقيقة) للقديس توما الاكويني. كما اصدرت كتابا فلسفيا للجمع بين فلسفة القديس توما واستاذها هوسيرل.
انتقلت الى هولندا للتخلص من النازية حيث اصدرت كتابا اخر عن القديس يوحنا الصليبي. ولكن صدمتها كانت عندما أصدر هتلر قرار الموت ضد اليهود ثم اعقبه قرار ضد اليهود ثم اعقبه قرار ضد المسيحين من اصل يهودي سنة 1942 حيث القي القبض عليها واحرقت مع اختها في محرقة اشفيتز الغازية في نفس السنة.

نبذة عن اهتمامها الفكري:
اصدرت اديث في حياتها تسعة كتب فلسفية ومعرفية اخرى ركزت على المرأة، حيث تناولت الموضوع من الجانب فلسفي بسيط ومن وجه نظر المسيحية فقد كان وصولها للمسيحية بفضل الفلسفة واهتمامها بالظاهرية phenomenology حيث انفتح فكرها نحو امكانية تسامي الوقائع، وقد ساعدها هوسرل الفيلسوف المشهور الذي كان قد تحول الى المسيحية، كما اينعت افكارها في وقت انتشار افكار عالم النفس المشهور سيجموند فرويد
اهتمت اديث بعمل الفكر البشري والعوامل التي تؤثر على القلب وكيفية شفاء النفس وهذا ما جعل عملها قريبا من اهتمامات علم النفس عموما والطب النفسي خصوصا. لقد سخرت قدرتها الفلسفية لخدمة النساءي في بلدها حيث اكدت على الكرامة ودعوة المرأة في ضوء الايمان المسيحي. لقد ردتبقوة على دعاة الفكر الرأسمالي المادي المبني على الاستغلال والمضاد للعائلة بحجة مساواة المرأة بالرجل في كل شيء.
اكدت اديث اولا على ضرورة تثقيف المرأة ورفضت الدعوات القائلة بعدم وجود اختلافات بينها وبين الرجل. فقواعد واصول حقيقة الانسان الانثى تختلف عن الرجل لان لكل جنس أنطولوجية خاصة (علم وجود خاص). وماساعدها على الوصول الى تفسير مسيحي لكيان المرأة هو دراستها لفلسفة القديس توما الاكويني الذي أكد على الوحدة الجوهرية لدى الشخص، وكذلك وحدة الجسد والنفس مادام الجوهر مركباَ من المادة والصورة (from and matter). كما ان المادة هي ما يميز الكيان البشري عن الاخر، الجسد هو اساسي للشخص وليس ماكنة او صدفة (قشرة) للنفس. مع الجدير بالذكر هنا ان القديس توما كان قد اعتمد على فلسفة ارسطو في هذا الامر.
اعلنت اديث ان هناك سمة فريدة للنفس البشرية وامكانياتها، وهي مشتركة مع كل عضو في هذا النوع. فعقليا النفس لها حرية الاختيار. لكن ان كانت – اي نفس-شكل للجسد وشكل للإنسانية المتفردة بكونها متحدة بهذا الجسد، فنفس المرأة لها تميز روحي نوعي يختلف عن ماهو لنفس الرجل. هي لم تجادل بأن طبيعتها العضوية مقدرة (اي مهيأة مسبقاَ)، ولكن الاختلاف الفيزيائي بين بينها والرجل يؤشر خصوصة شخصيتهما. ان جسد الانثى يعطي انطباعاَ لطبيعة تحمل كل الصفات النوعية الخاصة بكل النساء ولكنه مختلف عن الذكر بشكل متميز.رأت اديث هذه الاختلافات كمتممة لاكمتعالية في القيمة، لذلك هناك طريقتين ليصبح الانسان انساناَ. اما كرجل او امرأة.
نادت اديث بالعلاقة المتألقة بين الجسد والنفس وايدت النظريات التي تركز على انواع الشخصية بدلاَ من التركيز على السلوك. وقبلت بوجود اختلافات بين الذكور والاناث حتى في الحس العام. وهذا ما جعل اطروحتها غير مقبول اليوم من قبل دعاة مساواة المرأة بالرجل ولكن افكارها مقبولة لدى الاب والام الذين لهما طفل ذكر واخر انثى في البيت حيث يتلمسان الواقع كل يوم، لان الاختلافات واذحة بين البنات والاولاد في مرحلة الطفولة.
لقد تاملت في قصص الخلق بسفر التكوين لتصل الى دعوى المرأة الطبيعية.المرأة لها دهوة للشركة والامومة. المرأة هي اكثر من مجرد عاملة كما تريدها الحضارة المادية الغربية، هي شريكة مهمة في حياة الرجل. تقول اديث” المرأة طبيعياَ تركز على ما هو انساني، وتميل لإقامة علاقة اهم من العمل والنجاحات والشهرة” ان صفة الامومة للمرأة هي دعوة تتضمن مساعدة الاخرين لينموا امكانياتهم، وبالنسبة للمتزوجين فأنها تضمن وجود الازواج والاولاد. الامومة دعوة كونية أكبر من كونها مهمة (واجب)فقط لذلك هي مهمة ليس فقط للمتزوجين بل لكل الناس وبخصوص المرأة ننوه هنا الى رسالة البابا بولس الثاني. هذه الدعوة الى كون المرأة حقيقة كونية من اجل اعادة انسنة العالم الذي يسيطر عليه الماديات (طالع رسالته في كرامة المرأة).
ترى اديث ان للمرأة دعوة للشركة مع الاخر، صحيح ان للرجل دعوة ايضا ولكن للمرأة خصوصية لانها موجهة نحو الانسان والشخص ولها قدر كبير من العاطفة مما يؤهلها للتأثير على الاخر في حالة الزواج او غير الزواج حيث تستطيع التسامي والانفتاح نحو الحب الالهي.
هذه النعمة الكبيرة للمرأة جعلها قادرة ان تعمل بنجاح في كل المجالات، لابل فأن اديث تشجع المرأة للعمل في المجال السياسي مادامت في خدمة المجتمع والعائلة ولكونها تحمل شهادة عن حقيقة عطاء المرأة للمجتمع ولحملها قيم روحية حيث تقول: “ان القيم الروحية تنتج من تسامي الوصايا. صحيح كل شيء يسير نحو الفناء لكن المحبة غير ذلك لان من الله محبة” وعندما وصل هتلر الى السلطة قالت ” لقد حانت الفرصة للمرأة الكاثوليكية ان تقف مع امنا مريم والكنيسة تحت الصليب.
بخصوص المشاركة بين الرجل والمرأة اكدت على وجود نقاط مشتركة واخرى غير مشتركة.” ممكن الاشتراك بخبرة الاخر ولكن لانستطيع المشاركة بصفاته الشخصية الفردية الاساسية لان وعيي مرتبط بخيرة الماضي مع ماهو ظاهر لي” ناقشت اديث مسألة التعاطف فقالت ان التعاطف Empathy يعني كيف تجد نفس ضمن خبرتك بالتركيز على فهم الذات الانسانية، وهذا يتطلب تركيزاَ لفهم الأنا لانها لاتظهر للعيان على حقيقتها. ان هذا يعني زيادة الصعوبة لدى الالتقاء بالناس لان كل واحد منهم يحمل انا خاصة محملة بخبرات متنوعة ظاهرة. هنا تؤكد اديث على ضرورة فهم الاخر عبر نظرية التعلم واكتساب المعرفة، والتأكد على فلسفة العلوم التي ساهم بها هوسيرل كثيرا حيث يهتم الباحث بكيفية كون البيانات بيانات. فهل الشخص يحصل عليها عبر التجارب او بأضافه التفسير، لان التفسير من قبل الشخص قد يؤدي الى التحيز، فالمعرفة بين شخصين بحد ذاتها ليست معلومات خاصة لانها تهدف الى دراسة اسباب حالة ماحصلت، ولكن يجب التركيز على العوامل الثقافية والشخصية المسببة، اي بواعث وهذا يعني ان الحقيقة تسير في طريقين، كنتيجة لذلك ولاجل ان يلتقي الطريقان، تؤكد اديث على العلاقة والمعرفة وفق المفهوم المسيحيمن خلال المحبة في العلاقة بين الناس، المحبة المنفتحة نحو التسامي اي المرحبة بالجانب الروحاني للشخص ذكراَ او انثى حينئذ يتم تجاوز قوانين المادة الجامدة.

خلاصة:
ان لأفكار القديسة اديث شتاين اهمية كبيرة في عالم اليوم، فمن جهة ترى ما يحصل هنا وهناك من سوء فهم كبير وتشويه واستغلال للعلاقة بين الرجل والمرأة: لقد ابتعدت عن مفهوم المسيحاني للعلاقة كما ارادها يسوع المسيح. ومن جهة اخرى، العالم صار قاب قوسين من ان يكون شبكة معلومات من سلاسل متصلة تنقصها نفحات الروح القدس، فعلينا ان نؤكد على القيم في هذا العالم من خلال التأكيد على البواعث المسببة لما يحصل اليوم وتحليلها ونقدها وتقييمها وفق ماعلمه ربنا.
العالم بحاجة الى لمسة شفاء كي ينال الكل كرامته، وهذا يتم من خلال احترام الاختلافات بين الرجل والمرأة والتركيز على ماهو انساني متصل بالخالق الذي دعا كليهما الى التكامل عبر الخبرات والمعرفة المشتركة والعلاقة الحبية.

 

 

المصادر:
اعتدمت على كتيب صدر عن حياة القديسة تحت عنوان Edith Stein للكاتب مونك ماثيو صدر من قبل جمعية الحقيقة الكاثوليكية سنة 1997 في لندن اضافة الى مواقع الالكترونية عديدة تتحدث عن القديسة الشهيدة يستطيع القارئ ان يصل اليها بسهولة عبر الانترنت.

شاهد أيضاً

الاحد السابع من الرسل: الباب الضيق: الايمان متطلب

البطريرك لويس روفائيل ساكو القراءات الأولى من سفر إشعيا (5: 8 – 11) تقول: الويل …

تعليق واحد

  1. شكرا جزيلاً لحضرتك السيد يوسف على المقالة الرائعة، لاشك أنها نتيجة للكثير من البحث والقراءة.

    مع تحياتي.

    كرم جان بارت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*