أخبار عاجلة
الرئيسية / اخر الاخبار / لا نريد حربا دينية في العراق وليس سهلا التفاوض مع داعش

لا نريد حربا دينية في العراق وليس سهلا التفاوض مع داعش

المدى برس / بغداد  يحمل “مار لويس روفائيل الأول ساكو”، بطريرك الكلدان الكاثوليك في العراق والعالم منذ شباط 2013 مسؤولية بحجم الطبيعة المعقدة للواقع العراقي، فهو رجل دين يحمل “رؤية” لمستقبل بلاده ولأوضاع المسيحيين، كما لأوضاع الأقليات في الشرق الاوسط. حصل ساكو على شهادة الدكتوراه في علم اباء الكنيسة من الجامعة البابوية في روما سنة 1983، وماجستير في الفقه الإسلامي سنة 1984، كما حاز لاحقاً على شهادة دكتوراه في تاريخ العراق القديم من جامعة السوربورن في باريس سنة 1986.
الحوار مع “ساكو” مفتوح على اوضاع المسيحيين في ظل التحديات الراهنة التي تجعل من كنيسة العراق كنيسة منكوبة، انه حوار في ظل حاضر متصدع ومستقبل غامض.
 
كيف تنظرون الى طبيعة الصراع القائم في العراق بعد احتلال الموصل وتشريد سكانها وتهديد تعدديتها الدينية والقومية؟
 
الصراع في العراق في جوهره ليس صراعا دينيا، انه صراع حول الثروة، الموجودة تحت الأرض: النفط والغاز. صراع راديكالي معد بعناية : هناك من يدفع ويمول من خارج الحدود وهناك من يقبض الاجر ويقتل داخل الحدود، التوتر سائد والحوار غائب، ونحن سائرون نحو حرب اهلية، ما الذي يتعين علينا ان نفعله الان؟ انه سؤال محير.
الحكومة المركزية عاجزة تماماً على فرض النظام والأمن ولا يوجد تعاون بين الحكومة المركزية وحكومة الإقليم، والنازحون وسط اللهيب الحارق يتطلعون الى حكومة جديدة لم تتشكل بعد،  وتحتاج إلى دعم دوليّ وجيش مهنيّ مدّرب ومجهّز.
 
هناك عسكرة هائلة للمجتمع، جميع المكونات تتسلح، وهناك فتاوى بالجهاد، في جميع الاحوال اذا ترتب على فتوى بالجهاد قتل روح بريئة لا يمكن تبرير ذلك دينيا او أنسانيا، هل يمكن ان تصبح هذه حربا مقدسة جديدة؟ انتهى عصر الحروب المقدسة، في اوربا وقعت المسيحية في فخ الحروب الصليبية، والى حد هذه اللحظة الاوربيون نادمون على تلك الحقبة التي ارتكبت فيها فظاعات هائلة، ونحن لا نريد ان يتكرر السيناريو بالنسبة للاسلام.
 
-من يتحمل مسؤولية الكارثة، هل يمكن تحميل اطراف داخلية مثل  النخب السياسية، او رجال الدين بوصفهم جزء من بنية صناع القرار ايضا، ام نحمل اطرافا اقليمية ساهمت في تغذية النزاع واطرافا دولية ساهم صمتها في الكارثة؟
 
من المهم ان نفهم ذلك :  هناك صراع على السلطة والثروة في العراق يرتدي مسوحا طائفية، ووقعنا نحن كمسيحيين في الوسط، حاولنا ان نصبح جسرا للحوار، وبذلت جهودا للتوسط  بين الفرقاء، لكن لا فائدة، لا احد يريد ان يستمع، ولا احد يريد ان يتنازل، وهذه هي النتيجة، انشغلوا بالخلافات وتمكنت جماعات ارهابية منظمة مثل “داعش” من ان تحتل البلد قطعة فقطعة، وتدمر تراثنا الديني العريق.
انني ابن الموصل وكل قطعة في المدينة تخصني وتتعلق بها ذاكرتي، عندما رأيت مرقد النبي يونس يفجر، تمزقت في مكاني، انه استهداف لهويتنا ولكيان العراق الحضاري، أي صراع سياسي يمكن ان يبرر ذلك، واية مصالح انانية يمكن قبولها ازاء هذا الدمار الهائل.
 
ما يؤلمنا أكثر من اي يء أخر هو غياب موقف واضح، قوي وجريء مندّد من الزعماء الدينيين المسلمين، هذا التطرف وهذه الجماعات تشكل خطراً على المسلمين أنفسهم. لكن كان دورهم للاسف سلبيا، بل أعطى شرعية للقتل في كثير من الاحيان، جوامع الموصل كانت ترفع صوتها لايصال رسالة الى المسيحيين : اما الدخول في الاسلام او القتل او دفع الجزية. الحياة هي هبة الله، فكيف يطالب رجل الدين بأزالتها. فرضوا على كل مسيحيي ان يدفع في البداية مبلغ 370 دولار اميركي ثم خفض في ما بعد الى 80 دولارا.  والا فخيار القتل بالسيف. هل تعد هذه خيارات انسانية، وكيف للمسيحي ان يتقبلها؟
ثم كيف يمكن ان تتعايش او تجري حوارا مع  هذه الذهنية الالغائية،  لقد طلب مسلحوا داعش ان نجري معهم مفاوضات بعد خطف كهنتنا، واجهنا اسئلة مقلقة :  كيف نجري حوارا معهم، هل نرسل وفدا، ماذا لو خطفوا رجال الدين والكهنة، ماذا لو أجبرونا بتهديد السلاح  على مبايعتهم، كيف سيتقبل الاخرون ذلك؟. كنا في ظل وضع حرج للغاية، لا احد يتخيل كيف تعاملنا مع هذه المحنة.
 
أما المجتمع الدولي فقد كان يراقب بصمت، والولايات المتحدة دورها سلبي إن لم تكن متورطة اصلا في النزاع من اجل تحقيق مصالحها في تقسيم المنطقة. على المجتمع الدولي ايضا ان يراجع حساباته، لان الخطر يستهدف الجميع. لا يمكن لنا توزيع المسؤولية، الكل يتحمل المسؤولية، لكن غياب الحوار الداخلي كان  بابا مفتوحا زحفت من الكارثة لتتوطن داخل بيتنا.
 
 
-خطابكم يؤكد على ان الانقسام يهدم ويتناقض مع الايمان، في ضوء لك هل نحن بحاجة الى خطة عمل لانقاذ المسلمين من الانقسام؟
اذا رجعنا الى تصميم الله تعالى، نجد ان جميع الديانات تذهب الى ان الله خلقنا مختلفين، هذا تصميمنا الآلهي الذي يجب احترامه. الاختلاف يعبر عن التنوع، لا يعني ان نتصادم ونختلف ويزيل بعضنا بعضا، هذه الاختلافات تترك فرصة للاكتشاف بين الآنا والآخر، اكتشاف من خلال ثقافة وحضارة ودين الآخر يساعدنا على تخطي مشاكلنا الذاتية. بل يجب ان يمنحنا دفعا ايمانيا ليساعدنا على تجاوز الخلاف والشقاق، حاولت الكنيسة خلال تاريخها تخطي الصراع المسيحي/المسيحي بين الارثذوكس والكاثوليك، لكن ما نجده اليوم من صراع دخل الاسلام سني/  شيعي  يوحي بكارثة.
 
 لقد خلق الغرب الاسلام السياسي وإثار من خلاله “فوبيا” رابطا اياه بالارهاب، وعزز الصراعات المذهبية البينية بين المسلمين، واذا لم ينجح في ذلك فسوف يخلق صراعا بين المسيحيين والمسلمين. لذلك على القادة الدينيين والسياسيين ان يفتحوا عيونهم ولا يقعوا في الفخ.
 
يجب ان نعي رسالتنا وايماننا، ونجعل مصلحة الشعب فوق كل مصالح وصراعات، لم تجلب لنا الصراعات والانقسام سوى الدمار. يجب ان نحافظ على بعضنا البعض،  اولاً لإن هذا تصميم الله، وثانياً لاننا بحاجة لبعضنا البعض لتحقيق التكامل، فالسني يتكامل مع الشيعي والمسيحي مع المسلم، وهكذا الامر مع الديانات الأخرى،  هذه الفسيفساء خلاقة ومفيدة، ونحن الشرقيون منحنا هذه الفسيفساء، لذا نحن احوج ما نكون للتكامل ومساعدة الآخرين على التعايش السلمي وتجاوز الانقسام.
 
-رفعتم شعار التجديد، وقرأنا خطابكم المشجع على الانفتاح والتجدد في ضوء الثقافة المحلية، الاصلاح في الطقوس والخطاب اللاهوتي وتوحيد الاعياد،  ما اهمية هذه الملامح  في مواجهة التحديات المعاصرة لكنيسة العراق؟ 
 
كان هناك الكثير من الركود في كنيستنا، اذ تأثرت الكنيسة بالوضع العام في العراق وتعرضت لتحديات الهجرة التي جعلت منها كنيسة منكوبة. وقد أكدت  منذ البداية على التجديد في الطقوس والتعليم الديني، فالدراسات اللاهوتية الحديثة جعلتنا نكتشف امورا وحقائق كثيرة، قد يكون كنا نقبلها في السابق لكنها اصبحت الان قصصا تعليمية اقرب الى الاساطير، لكن الاساطير تنطوي ايضا على قيم تربوية وتعليمية مهمة ايضاً.
 
الايمان ثابت، لكن التعبير عن هذا الايمان بطقوس وشرائع يختلف من جيل الى آخر، وكل ديانة لها رسالة، وهذه الرسالة يجب أن تخاطب انسان اليوم في اسلوب جديد، لإن حساسية انسان اليوم وثقافته تختلف عن انسان ما قبل الفي عام. الديانة يجب تجديدها والا تعرضت للركود، فالديانة هي رسالة، ورسالة نبوية، اي ينبغي ان تمنح قيمة وامل ومعنى للحياة.
 
نحن نستعمل لغة قديمة، لغة القرن السابع والثامن الميلادي، وهي لغة فلسفية باتت غير مفهومة ويجب ان نبحث عن لغة قريبة من فهم الناس اليوم. الايمان فعل بسيط وهو مثل الحب، فـ” آمن” معناه “أحب” ويعبر عنه بأشكال عديدة، كل جيل له اسلوبه، نحن نستخدم في اللاهوت الاسلوب الفلسفي المنطقي، يجب تبسيط الاسلوب والتأكيد على نقطتان مهمتان هما “المعنى والرجاء”،  ولا نخدر الناس باشياء وانما نرفع من درجة وعيهم بحيث يمتلىء كيانهم  بالامل وبالرجاء.
 
 بدأنا نحن ككنيسة ننشر عن عقيدتنا باسلوب عربي ومصطلحات قريبة من بيئتنا حتى نوضح الغموض ونكشف عن الانطباعات والافكار الخاطئة، واتمنى من الاخوة المسلمين ان يراجعوا خطابهم الديني وبرامج التعليم لكي نتحدث عن بعضنا البعض بايجابية، فلو اردت تقديم الدين الاسلامي للمسلمين يجب ان اقدمه كما يقدمه المسلم لا كما ينظر المسيحي للمسلم، وبالمثل على المسلمين ان يعتمدوا على ما نقدمه عن ديننا .
 
-هل تنطوي علامات التجديد والانفتاح على رسالة لمسيحيي الشرق ايضا، وهل نتحدث عن حساسية جديدة للمسيحي المشرقي؟
 
نحن العراقيون لدينا جذرية في طروحاتنا، لا احد يستطيع ان يلقي بالاوراق على الطاولة كما نفعل، لدينا قوة وشجاعة، غالبا ما اشترك في مؤتمرات وندوات، واجد طروحات العراقيين تمتاز بالجذرية، لكن كما نقول بالعامية، العراقي المسكين “مكفوخ” لا تتوفر له الادوات بسبب الظروف. 
لكن المؤهلات لدينا كاملة لعمل الحوار والتقارب، لدينا معطى حضاري نادر، وهو لم نرثه اعتباطا، ارض وبلد وحضارة تساعدنا، ولكن اذا حدث خلل في الشعور بالانتماء علينا ان نقويه من خلال  تنمية الشعور بالوطن، حتى في لقاءاتنا الدينية اجعل الناس ينشدون “النشيد الوطني” حتى لا ينسوا حقهم في المواطنة، وحتى يشعروا ان عراقيتهم تتقدم على كل انتماء أخر.
 
-بعد ان فشلت دبلوماسية الخيار الاول التي يقودها القادة السياسيون في إنجاح حوار وطني، ووصلنا الى كارثة، هل نستطيع الحديث في ظل جهودكم في الحوار الديني عن امكانيات تأسيس دبلوماسية خيار ثان، نوع من خط المواجهة الثاني للحوار يتزعمه القادة الدينيون؟
 
هناك من حولنا علامات مضيئة، رجال منفتحين واشخاص يبنون جسورا، وليس شرطا ان يكونوا من رجال الدين. وهذه الاصوات المعتدلة لا بد ان تنمو لكي تشكِّلُ الاغلبية، و ترتفع لتعزيز اسس الحوار وإدانة العنف. 
 
لكن مسؤولية تقع على رجال الدين في عمل مقاربات لتوضيح المشتركات بيت الاديان، وقد كتبت ونشرت دراسات عن مثل هذه المقاربات في زمن العباسيين، كانت مساهمات لاهوتية بين المسلمين قدمها المسيحيون لشرح الايمان المسيحي بطريقة يفهمها المسلم ودعوا هذا الشرح بـ”علم الكلام”. علينا ان نبسط المفاهيم وننقلها للاجيال الجديدة، وقد حاولنا في ذلك ونشرنا مساهمات في هذا السياق.
 
وعلى المسلم ان يقدم الاسلام باسلوب جيد ومفهوم، ويقدم الايمان وليس التشريع والفقه، فمثلاً نظرته الى الله وللانسان وللثواب والعقاب هذه هي المشتركات مع المسيحية وبقية الاديان، اما القوانين فقد وضعت من اجل الانسان. واتمنى على اخوتنا المسلمين ان يقفوا ايضا بقوة في وجه التطرف الديني الذي لا يعبر عن روح ورسالة الاسلام الحقيقية.
 
-غالبا ما تربط المسيحية المشرقية بالسياسات الاستعمارية، ويدفع المسيحيون جراء هذا الربط وزر ما يفعله الغرب، ما موقف الكنيسة من سياسات الغرب تجاه العراق والمنطقة؟
 
نبع ديننا وثقافتنا هنا، من هذه الارض، وليس من الغرب، ومن هنا انتشر الى العالم، فمن هذه الارض انطلقت المسيحيّة إلى أنحاء آسيا: إلى التبت والصين والهند وافغانستان وبلدان الخليج في أوسعَ انتشارٍ للإيمان في التأريخ.
 
ليس لنا علاقة بالغرب، الغرب اعمى و بلا دين، وهو اقرب الى الالحاد، ولطالما حارب الرموز الدينية، ومن الغريب ان يربط المسيحيون المشرقيون بالسياسة الغربية، نحن لسنا صناع سياسة، نحن مسيحيون شرقيون، وانت مسلم، ولكنك اقرب لي من الأجنبي سواء كان مسيحيا او غير مسيحي، فهناك قواسم بيني وبينك لا تتوفر في علاقتي مع الغربي حتى لو كان مسيحيا.
 
جاء الامريكيون واحتلوا بلدنا من اجل مصالحهم، وليس من أجل سواد عيون المسيحيين أو لخلاصهم، وحتى في الحروب الصليبية تعرضنا للقمع والظلم كما تعرض له المسلمون، لقد استهدفوا كنائسنا ودمروها، وجعلوا من كنائسنا الشرقية مزاريب للخيل. فكيف يمكن وصفنا بالصليبيين، وكيف يتم دمجنا بالغرب؟
 
الغرب مبني على العلمنة، ولا علاقة له بأي دين، ويتبنى سياسات مخالفة لثقافتنا ومعتقداتنا المسيحية مثل الاجهاض والزواج المثلي و يخوض الحروب، المسيح للسلام دعا بالمحبة والغفران وليس بالسيف أو السلاح. لا يولد العنف سوى مزيد من  العنف، في المقابل فأن التسامح والتواضع والغفران تمنح مثيلاتها، لاهوتنا وتراثنا وشعائرنا تختلف عن الغرب.
 
-هل يمكن ان يتحول المسيحيون من جماعة دينية الى جماعة قومية، في ظل تسييس الأثنيات الذي اصبح موضة العصر، وما موقف الكنيسة تجاه تسمية الشعب الكلدو آشوري السرياني التي تصف مسيحيي العراق في الخطاب السياسي؟
 
لم تكن الكنيسة عبر تاريخها “كنيسة قومية” فهي منفتحة ومفتوحة على الجميع، ورسالة المسيح لكل اللغات والشعوب، لا يمكن ان تغلق على شعب واحد،  كذلك  بالنسبة للاسلام، اذ يوجد مسلمون من كافة الاثنيات : عرب و فرس وباكستانيون واندنوسيون وافارقة الخ.
 
 ومن عمل السياسة ان تحول الهوية الدينية الى قومية، صحيح الناس يفكرون من خلال لغاتهم ويتمسكون بتراثهم وتقاليدهم ويفعلوها، لكن من دون ان يصل بهم الى تحويل  عناصر الثقافة الى كيان سياسي و التفكير بدويلات،  فهذا خطر وخراب، وهو غير قابل للحياة ايضا .
 
المسيحيون مشهود لهم بالتمسك بالوطن، هذه ارضنا وتاريخنا وشعبنا، نحن اخوة وجيران، و اذا كانت الاختلافات موجودة فإن الايمان يجمعنا،  حتى ضمن العائلة الواحدة توجد اختلافات، انا شعري اسود واخي شعره احمر على سبيل المثال، الاختلاف لايعني ان نختلف ونتصارع، ولا يمكن ان يدفعنا الى مغادرة ارضنا ووطننا وثقافتنا، فالهجرة تشكل تحديا يُهدد وجودَنا التاريخيّ. من يهاجر ينقطع عن تاريخه، ولا يبقى له اصل.
 
-اي نموذج من الدولة يرضي المسيحيين في الشرق الاوسط، وهل يجدون الانقسام الإثني مهددا لمستقبل المنطقة والوجود المسيحي فيها؟
 
لا خلاص الا ببناء “دولة مدنية”، دولة لا تعزل الدين كما يفعل الغرب، انما تحترمه في ظل فصل الدين عن السياسية، فالدين ثابت، بناء عقائدي يقوم على الثبات، أما السياسة فتتغير حسب المصالح، وهناك دول تخوض حروبا طويلة ثم تلقي السلاح وتتصالح لان المصالح تتغير، السياسة تتغير والدين لا يتغير.
ولرجال الدين دورهم في ممارسة ونشر ايمانهم بطريقة تحترم الآخر، من دون انتقاص، أنما في ظل حرية دينية. لا توجد دولة دينية في العالم كله، قد يقول البعض هناك الفاتيكان، لكن كم عدد سكان الفاتيكان، انه يتكون من عدد من رجال الدين لا يتجاوز الالف.  وبإمكان اخوتنا المسلمين ان يشيدوا فاتيكانا صغيرا في الازهر الشريف او في قم او النجف. اما ان تكون دولة دينية فهذا لا يجوز، اذ سوف يشوه الدين. السياسة تتعثر في حين تتجلى الروح في الدين، وهو ما يمنح معنى للحياة. انظروا الى تجربة المسيحيين في القرون الوسطى، لقد خربت محاكم التفتيش المسيحية، واليوم انصح المسلمين بقراءة تاريخ المسيحيين حتى لا يقعوا في نفس الأخطاء. 
 
-بالامس قدم المسيحيون الى مواطنيهم في الشرق فكرة “القومية العربية” كهوية جامعة للمكونات في المنطقة، هل يؤكدون اليوم على “المواطنة” كمبدأ يتساوى فيه الافراد بغض النظر عن خلفياتهم الدينية او القومية؟
نحن المسيحيون، نؤمن ونقبل ونعمل من اجل “دولة المواطنة” فأنا مواطن عراقي لدي حقوق وواجبات، لا اقبل ان اكون مواطنا من الدرجة الثانية بسبب ايماني، هذا غبن، ولا يجوز. اقبل ان اكون جزء من الثقافة العربية الاسلامية لكن لا اقبل ان تفرض عليَ الشريعة الاسلامية، ولا اطيق العيش في دولة تفرض الشريعة المسيحية،  الايمان علاقة شخصية، علاقتي مع ربي، انا وربي، في حين علاقتي مع الآخرين يمكن ان تنظمها الدولة.
 
لقد نجحت تونس في فهم اهمية بناء دولة مدنية برغم غالبيتها المسلمة، هناك دستور جديد يقر بأن الاسلام ليس المصدر الوحيد للتشريع برغم الغالبية المسلمة في البلد، في حين نحن العراقيون طوائف وديانات وقوميات مختلفة، وتجد التأكيد على ان الاسلام هو المصدر الوحيد للتشريع. 
 
الحل الوحيد هو العودة لقيم المواطنة، السني والشيعي والكردي والتركماني والمسيحي والشبكي يندمجون حينها في الوطن، اما اذا بنينا الدولة على المحاصصة والفئوية انتهى الوطن ومات، لقد خلق المستعمر دويلات من دون ان يكون هناك مشروع مواطنة، ولذا اصبحنا نقف فوق بركان مهيئأ للانفجار بعد عقود طويلة من خلق دولنا. الجميع بحاجة الى الوطن من اجل ان يكون لهم كيان خاص، لكن لا وجود للوطن من دون المواطنة.  انظروا حولكم، الغرب يخطط لاعادة رسم خريطة الشرق الاوسط وخلق كانتونات وكيانات هزيلة، انتهت الاوطان ولن نستعيدها من دون المواطنة، انها هي الحل.

عن Yousif

شاهد أيضاً

البابا: زمن المجيء دعوة متواصلة إلى الرجاء وتذكير بأن الله حاضر في التاريخ

البابا: زمن المجيء دعوة متواصلة إلى الرجاء وتذكير بأن الله حاضر في التاريخ فاتيكان نيوز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *