الرئيسية / المقالات / فرحت بالقائلين لي: إلى بيت الرب نذهب

فرحت بالقائلين لي: إلى بيت الرب نذهب

(كلمة تأبينية ألقاها المطران شليمون وردوني بمناسبة صلاة الثالث والسابع عن راحة مثلث الرحمة، الشهيد المطران بولس فرج رحّو في كنيسة مار أدي في كرمليس)

أيها العزيز المطران فرج، كم من مرة كررت هذه الجملة خلال الصلوات الطقسية، ولكنك الآن تعيشها لأنك ذهبت إلى بيت الرب الحقيقي، وستكون معه إلى الأبد. فهنيئاً لك ولرفاقك الذين سبقوك، وهنيئاً لنا يوم نلتقي بك.

إخوتي السادة الأساقفة الأجلاء، الكهنة الأعزاء، الرهبان والراهبات الأفاضل، الضيوف الكرام، وأنتم أيها الشعب الكريم. كلنا اليوم حضرنا لمرافقة عزيزنا المطران بولس فرج إلى مثواه الأخير، وقلبنا يتفطر حزناً عليه وعلى كيفية مفارقته هذه الحياة، لكننا نمتلئ فرحاً عندما نقف أمام جبابرة أبطال مثله ومثل رفاقه الذين عاشوا مكملين أرادة الله في الخدمة والتضحية، وأخيراً يستحقون أكليل الغلبة. إنهم قدوة ومثال لنا. هذه هي تعزيتنا وهذا هو رجاؤنا “القيامة التي نحتفل بها مع مسيحنا القائم…”.

شعرت في هذه الأيام القلائل بأن قلب العراقي قاسٍ جداً على أخيه العراقي، وبأن المحبة والإخوة قد فقدت في العراق، والوحدة بين العراقيين قد تفتتت. ولهذا أصرخ بكل قواي مع المظلومين: انتبهوا أيها العراقيون، أن لكم هوية خاصة كباقي سكان الدول، وهويتكم هي العراق، ألا انتبهوا لئلا تمزقكم وتعكر صفو عيشكم الانقسامات والتعصبات الدينية والمذهبية والإثنية والحزبية، ألا انتبهوا لأنكم سائرون نحو الهاوية، هناك الضوء الأحمر أمامكم لينبهكم من الوقوع في التهلكة، خافوا الله ولا تقترفوا الشر باسم الخير ولا الظلم باسم العدالة ولا السرقة باسم المقاومة ولا القتل باسم الرحمة.

الحياة هي من الله، وله وحده الحق أن يأخذها، فكل من يقتل أخاه فإنه مجرم وظالم، ولنا مثال ذلك في الكتاب المقدس، وهو قائين الذي يصرخ الله اليه قائلاً: “قائين، قائين أين أخوك؟”. أيها العراقي الذي تريد أن تبني العراق وتحرر العراق وَ…و…، الله يصرخ إليك قائلاً: “أين أخوك؟ لماذا تتعدى عليه باسم الدين والدين منك براء؟ أين المطران بولس فرج رحّو؟ ولماذا ظلمته ولم تقدم له الدواء والعلاج الضروري فمات ظلماً بين يديك؟”.

أيها الحكّام، أيها المسؤولون، أيها العقلاء، أيها الذين كنتم تدبّرون بكل حكمة وشجاعة أفراد عوائلكم وأبناء بلدتكم وبلدكم بالأمس، أين انتم اليوم؟ انهضوا واسمعوا، فإن دماء الأبرياء تصرخ إلى السماء كما كان يصرخ دم هابيل الصدّيق. انتبهوا، إن الحرب تلتهم أبناءكم وبناتكم… ألا أطفئوها بشجاعتكم وبصراخكم ضد الظلم ولكن بالطرق السلمية والآمنة. إنكم تستطيعون أن تعملوا شيئا بقوة الله الموّحد وبمحبته المضحية. إننا نصرخ من أجل أن تعطى حقوق شعبنا وبلدنا، وهذا صحيح، ولكن لماذا إذن ندوس حقوق بعضنا بعض؟

أيها الأخ العزيز، المطران بولس فرج، أنت الذي دافعت عن الحق وعن المساواة بين العراقيين وبين سكان الموصل، أنت الذي ناديت بالسلام، لتكن تقدمة حياتك تضحية من أجل الموصل التي أحببتها وخدمتها وعملت كل جهودك لإسعاد أبنائها، فلماذا خطفوك؟، هل من أجل المادة الخسيسة والتي ما بخلت بها على كل من طلبها منك وهو بحاجة إليها؟ أنت قلت: “لا أعداء لنا، وحتى الذي يقولون بأنهم أعداءٌ لنا فإننا نحبهم ونريد أن نخدمهم”، أنت الذي ذهبت إلى الزنجيلي لتساعد المنكوبين. فلماذا إذن؟ سؤال أطرحه على الداني والقاصي، على المسلم والمسيحي، على العراقي وغير العراقي. هل بهذه الطريقة نجاهد لتحرير بلدنا، بأن نسيء إلى أبنائه الأصلاء ونسفك دمهم ليفرح بنا كل الذين لا يريدون خيرنا؟

نحن مسيحيون ونلتزم بإيماننا الذي ولدنا ونموت عليه، إنه موجود قبل ألفي سنة، ولا أحد يستطيع أن يطعن به وبمبادئه السماوية، نحن متعلقون بمسيحنا ولا نهاب الموت. لقد سُفك دم أجدادنا. إننا نتعايش بسلام وتضحية من أجل الوطن والساكنين فيه ولا تعدي لنا على أي احد كان ونحن متعلّقون ببلدنا ولا أحد يمكنه أن يمنعنا من العيش فيه. هذه أعمالنا، بماذا نُلام عليها؟ وإذا كنا نعمل الخير ونحب الجميع ونضحّي من أجل الجميع فما هو ذنبنا لكي نُعامل بمثل هذه المعاملة السيئة؟

كل هذا لا ترغب به الأديان السماوية، لا بل تدينه و بكل شدة.

يا أبناء كرمليس، جئناكم مرة أخرى والدموع تنهمر من مآقينا والحزن يغطي وجوهنا. فمنذ مدة قليلة، وحتى اليوم، والأبطال الشهداء يملئون كنيستنا: الأب بولس، القسيس منذر، القس رغيد ورفاقه الثلاث، وأخونا العزيز المطران بولس فرج مع أصدقائه الثلاث فارس ورامي وسمير: وماذا بعد؟ ولماذا هذا التعامل الذي لا يليق بالعراقيين؟

أنت أجب أيها الأخ العزيز، وأظنك تجيب كما أجاب من قبلك معلمك الإلهي، ومار اسطيفانوس بكر الشهداء: “أغفر لهم يا أبتاه، لأنهم لا يدرون ما يفعلون”.

اذهب بسلام، أنت الذي حاولت أن تعيش السلام، اذهب وصلواتنا ترافقك ونطلب منك أن لا تنسانا. لا تنسى كنيستك ورعاتها وفي المقدمة غبطة أبينا البطريرك. لا تنسى أبناء بلدتك واطلب لهم المراحم الإلهية. لا تنسى أبناءك وبناتك الصغار… لا تنسى أصدقاءك ولا تنسى الذين أوصلوك إلى هذه الحالة… اطلب مراحم الرب للجميع، وأنت ستبقى في قلوبنا إلى أن نلتقي بك في بيت الأب السماوي.

تعازينا القلبية نرفعها إلى غبطة أبينا البطريرك مار عمانوئيل الثالث دلي وكافة السادة الأساقفة الكلدان، وكافة الأساقفة الذين عمل معهم في خدمة كنيسة الموصل، وإليكم أيها الأعزاء آهل الفقيد الغالي الحاضرين والغائبين. وإليكم يا كهنة الأبرشية والرهبان والراهبات وإليكم أيها الأخوة الصغار المعاقين، وأنتن يا بنات مريم الصغيرات، وإلى كل فرد من أفراد الأبرشية الأعزاء والى أهالي الموصل العزيزة. لتكن تضحية ابنكم المطران فرج أساسا للوحدة والتعاون والسلام بينكم وفي مدينتكم.

يا إله السلام امنحنا السلام والاطمئنان بشفاعة صلوات وتضحية المطران فرج ورفاقه.آمين.

17-3-2008

عن Yousif

شاهد أيضاً

نظرة عامة على الضغوط التي تتعرض لها المجتمعات المسيحية، والفرص المتاحة

بين 10 – 12 تشرين أول 2019 عقدت جمعية الكتاب المقدس في لبنان، سوريا، العراق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *