الرئيسية / المقالات / دور وموقع الأخويات في الكنيسة

دور وموقع الأخويات في الكنيسة

(محاضرة لسيادة المطران شليمون وردوني أعدّها بمناسبة لقاء أخويات “قلب يسوع الأقدس” في بغداد، السبت 8-3-2008)

“يشبه ملكوت السماوات رجلاً ربَّ بيت، خرج بالغداة يستأجر فعلة لكرمة. فشارط الفعلة على دينار في اليوم وارسلهم إلى كرمه” (مت 20: 1، 2).

في هذا الصباح المبارك إجتمعتم أنتم الذين تعملون في كرم الرب مع السادة الأساقفة والآباء الكهنة المرشدين لأخوياتكم لكي معاً نصلي ونفحص ذواتنا لنتهيّأ لعيد القيامة المجيد ونأخذ المقاصد الحسنة في خدمة الكنيسة وخدمة القريب. إننا أعضاء جسدٍ واحد وهو الكنيسة، الرب يسوع هو الرأس ونحن الأعضاء وكل واحد منّا، أي كل عضو، له دوره وعمله الخاص به في هذا الجسد، وعندما نجتمع معاً جماعات جماعات كلّنا نعمل لبناء هذا الجسد ليكون قوياً وكما يقول مار بولس: “أنتم جسد المسيح وأعضاءٌ…”. كلنا أغصان في الشجرة الواحدة والتي هي المسيح، كما يقول: “أنا الكرمة وانتم الأغصان” (يو15: 5). هو يحملنا فيجب أن نثبت فيه لكي نأتي بثمر كثير وإلا فنهايتنا تكون الجفاف وحينئذٍ نقطع عن الشجرة أما اذا ثبتنا فسنثمر أثماراً كثيرة تدوم ويتغذّى منها اخوتنا البشر ويتمجّد فيها ابونا الذي في السماء.

هكذا ينصحنا مار بولس أن نتنافس في المواهب العظيمة وهو يرينا الطريق الأفضل وهي المحبة التي تفوق كل الفضائل وتجعل من الانسان مشابهاً لله الذي خلقه على صورته ومثاله وهو محبة. فمهما عملنا وأينما كنّا يجب أن نثمر ثمار المحبة التي لا مفر منها إذا أردنا أن نرضي الله وأن نعمل بوصية المسيح الجديدة، وهذا وحده يحيي الكنيسة ويوّحد ابناءها ويجعلنا أن نتأنى ونرفق وأن نفرح بالحق ونحتمل كل شيء ونرجو كل شيء ونصبر على كل شيء. المحبة لا تسقط… هكذا يجب أن يتيقظ هذا الوعي المعطاء وخاصة في كل واحد منا، وفي كل عضو من اعضاء اخوياتكم لقلب يسوع والمريمية لأننا وعدنا القلب الالهي وامنا مريم بأن نكون امينين لهم في حياتنا وفي عملنا الذي هو اولاً لخيرنا الشخصي، تقديس الذات، والعمل في خدمة القريب، إمّا في اعمال الرحمة أو في الصلاة من أجل رجوع الخطاة إلى التوبة أي إلى الله وهكذا تتخمّر الجماعة بواسطتنا.

إن ثمرة لقائنا هذا يجب أن تحملنا إلى سماع صوت المسيح الذي يدعونا إلى العمل في كرمه وإلى المشاركة الحية، الواعية والمسؤولة، في رسالة الكنيسة، في هذه الظروف الصعبة وفي هذه الحقبة الرائعة والخطيرة من التاريخ بداية الألف الثالث. علينا إذاً أن نعرف جيّداً دورنا في حياة الكنيسة ولا يمكننا أن نبق مكتوفي الأيدي. لنا مسؤولية روحية كبيرة علينا أن نحققها.

إن الرب أرسل الكنيسة لتكون علامةً واداة لاتحاد القلب بالله ولوحدة الجنس البشري بأجمعه، هكذا تتمسّك مع مؤمنيها بالرجاء وهو أن يسوع المسيح نفسه هو الانجيل الحي والشخصي وهو “البشرى” الجديدة وفيها يلعب كل واحد منكم دوراً فريداً ليس له بديل.

المجمع الفاتيكاني الثاني يؤكد على انتماء المؤمنين العلمانيين الكامل إلى الكنيسة ولهم طابعهم الخاص في هذه الدعوة والقائمة، بصفة خاصة، على طلب ملكوت الله باذات. ومن بين هولاء هم انتم ايها الأعزاء لانكم اردتم بنوع خاص أن تتشبّهوا بقلب يسوع وبأمنا مريم لتخدموا الله وتعملوا في خدمة الكنيسة وتقدسوا الاخوة بحياتكم وصلواتكم.

“اذهبوا أنتم أيضاً إلى كرمي” (مت 20: 2و4). إن العلمانيين المؤمنين بالمسيح، ومن بينهم كل أعضاء الأخويات في العالم أجمع، الذين يجتمعون للصلاة وللعيش بتقوى جدية في الالتزام بالعبادة الروحية والأعمال الخيرية، اعمال الرحمة، من مساعدة الفقراء وتعزية الحزانى …ألم يقل الرب: “كلما عملتم لأحد اخوتي هؤلاء الصغار فلي فعلتموه”.

هؤلاء المؤمنون هم أنتم أيها الأعزاء، انتم اخترتم حياة الأخويات في الكنيسة وأنتم من شعب الله ولكم دعوتكم ورسالتكم الخاصة في الكنيسة وانتم الفعلة الذين ارسلكم الرب لتعملوا في كرمه. إن المثل الانجيلي يضع أمام أعيننا كرم السيد الواسع، وجمهور الفعلة، من رجاء ونساء، الذين يدعوهم ويُرسلهم للعمل فيه وهذا الكرم هو العالم بأجمعه (مت 13: 38) والذي يريد أن يسحب المؤمنين ويغويهم بمغرياته الكثيرة، لكن المؤمنين الحقيقين والأمينين مع الله يثبتون ويُمهّدون الطريق لمجيء ملكوت الله النهائي.

إذهبوا أنتم أيضاً! إن هذا النداء ليس موجّهاً إلى الرعاة والكهنة والرهبان والراهبات وحدهم، بل يشمل الجميع. فان الرب يدعو المؤمنين العلمانيين (يدعونا جميعاً) شخصياً ويُحمّلهم رسالة إلى الكنيسة والعالم. بهذا يذكّرنا القديس غريفوريوس الكبير، في عظته الموجّهة إلى الشعب المسيحي، والتي يُفسّر فيها مَثلَ فعلة الكرم: “تأملوا قليلاً، اخوتي، في نمط حياتكم، وانظروا هل أنتم في الحقيقة فعلة الرب. فليتمعّن كلّ واحد فيما يعمل، وليتبيّن هل يعمل حقّاً في كرم الرب”.

إن المجمع الفاتيكاني يُناشد جميع المؤمنين. باسم الرب وبقوته، أن يستجيبوا، بسرور وحماس وسخاء، لنداء المسيح الذي يدعوهم في هذا الوقت بالذات، لان يتّحدوا به أكثر فأكثر اتحاداً وثيقاً، وأن يهتمّوا اهتماماً خاصاً بمصالحه، كأنها شأنهم الخاص(فيل 2: 5) وأن يشاركوا في رسالته الخلاصية.

هذه هي غاية الأخويات في الكنيسة وهذه هي رسالتهم وبهذا يُحدّد دورهم ومكانتهم ورسالتهم فيها. ولهذا علينا أن نحمل نيره الطيب وحمله الخفيف كما يريد هو، هو يريد “أن تكون لهم الحياة ويكون لهم الأفضل”، إذاً علينا أن نتعاون في ذلك. قبل كل شيء أن نقدّس حياتنا نحن وبهذا نبني الكنيسة وبهذا يتمجّد اسمه فينا. إذاً دوركم هو مهم في الكنيسة ومكانتكم مرموقة فيها إنها جسد المسيح ونحن اعضاء هذا الجسد ولكل واحد اهميته وعمله الخاص فيه.

نحن وعدنا بأن نعزّي المعلم الإلهي  في الآمه ونكفّر عن كل ما يقترفه الخطأة ضده، وهذا ما طلبه هو نفسه من القديسة مرغريتا مريم الاكوك بأن نعمل بكل طاقاتنا لكي نعوّض عن هذه الاهانات ولكي يرجع هولاء الخطأة إلى التوبة ويستغفروا الله عن ذنوبهم. فإن ما نعمله كل شهر من الصلوات وفرض الأخويات والاعتراف والتناول إنّما نستفيد منه لتقديس ذواتنا، وهذه الأعمال لا يجب أن تكون عبئاً ثقيلاً علينا بل يجب أن نقوم بها بارادتنا الحرة وبكل فرح وجديّة.

الروح القدس، الذي يقود الكنيسة نحو السماء، بواسطة هذه الأخويات يستحدث فيها طاقات قداسة جديدة بمساهمة الكثيرين من المؤمنين مثلكم ولهذا يجب أن يكون تعاونكم جديّاً ومستمراً مع الكهنة والرهبان والراهبات في الحياة الطقسية وفي التعليم المسيحي والخدمات الكنسية الكثيرة التي يجب أن يكون لكم الباع الطويل فيها. يجب أن تكونوا اليد اليمنى للكاهن في خورناتكم وهذا يكون برهاناً على تجاوبكم لمحبة الله بمحبة حياتية. هذه المحبة يجب ان تمر بالمسيح الاله وهذه المحبة تمر بالمسيح الانسان والمتجسد في كل انسان (مت 15: 40) مروراً بأمنا مريم. لنسمع ما يقول يوحنا الانجيلي:”إن نحن أحببنا بعضنا بعضاً، أقام الله فينا، وكانت محبته كاملة فينا… إن الله محبة، فمن ثبت في المحبة ثبت في الله، وثبت الله فيه” (1يو 4: 12، 16) أما كيف تكون تلك المحبة فعلى مثال محبة المسيح: للجميع وفي كل شيء.

هذه المشاركة في أعمال الكنيسةتجعلكم تأخذون موقعكم الفعلي في الكنيسة وتصبحون الكنيسة كما يقول البابا بولس السادس وغيره من البابوات. هكذا تصبح مشاركتكم رائعة وممارسة كنسية صحيحة. انتم لكم رسالة وهي دعوة أيضاً يجب أن تكملوها وتحافظوا عليها بطابع من الجدية. هذه الغيرة يجب أن تأكلكم فلا تنغلقوا على انفسكم ولا تثني عزمكم أبسط الصعوبات، أن تكونوا متّقدين بالروح ثابتين في عبادتكم أقوياء بالروح لتسندوا الغير وتكمّلوا عملكم الرسولي، حينئذٍ ستشعرون بمشاركتكم في حياة الكنيسة وتأخذون دوركم الحقيقي في رسالة الكنيسة التي سلّمها المسيح لها وهي خلاص الجنس البشري.

وأساس هذه الرسالة هو المعمودية التي تقودنا إلى القداسة، إن الأخويات تدعوا أعضاءها قبل كل شيء إلى تقديس ذواتهم في هذا العالم المملوء من أعمال تُنسي الانسان الحياة الروحية. هذه الدعوة تتحقق بواسطة الروح، الدعوة إلى كمال المحبة. فالقديس هو الشاهد الأروع للكرامة المعطاة لتلميذ المسيح.

بهذا المعنى تعرف الأخويات كيف تأخذ مكانتها في الكنيسة، إنها متجذّرة بالروح وهذا الروح يُساعدها لكي تعمل وتسند كلّ من يعمل فيها، إنها الكرمة المختارة وفيها تحيا الأغصان وتنمو من عصارة الحياة المقدسة والمقدِّسة ذاتها، الكامنة في المسيح. نحن اليوم بحاجة ماسة إلى القديسين وعلينا أن نسأل الرب بالحاح ليُنعم علينا بهذه القداسة، ونريد أن نحياها.

كذلك أنتم تشاركون في الخدمة الكهنوتية العامة فكل أعمالكم وصلواتكم ونشاطاتكم الرسولية وحياتكم الزوجية والعائلية مستحبة لدى الله بيسوع المسيح (ابطر 2: 5). هكذا تُكرسوا العالم ذاته. ومشاركتكم في الخدمة البنوية للمسيح وللكنيسة هي باعلان ملكوت الآب بشهادة حياتكم وقبولكم للانجيل، بالايمان به وبالتبشير بكل شجاعة وغيرة بالكلمة والأعمال، دون التردد في التنديد بالشر.

إننا جميعاً مدعوون لخدمة ملكوت الله ولنشره في حياتنا اليومية، هذه هي حياة الملوكية المسيحية والعمل ضد الخطيئة والشيطان وكل الأعمال الغير الصالحة، هكذا نريد، وانتم تريدون، أن تخدموا، في المحبة والعدالة، يسوع نفسه، الحاضر في جميع اخوته، لا سيّما أصغرهم (مت25: 40).

ماذا تريدون أكثر من هذا، أيها الأعزّاء، إن دوركم هو مهم في حياة الكنيسة، ومكانتكم هي مرموقة لتشاركوا في رسالتها الخلاصية فما عليكم الآن إلاّ أن تفحصوا ذواتكم لتروا بماذا أنتم مُقصِّرون في عيش دعوتكم ورسالتكم فتُرجعوا حرارتكم وغيرتكم الأولى لتدخلوا في عُمقِ قلب يسوع وتقتدوا بمريم.

إننا نقتربُ من الفصح المقدس والقيامة المجيدة ونرى يسوع يفتح قلبه لنا وأُمنا مريم ترافقنا، لندخل في هذا القلب الإلهي مع مريم لنكتشف الكنوز المخفية فيه، إنه مستعدٌ أن يساعدنا دوماً. إن دورنا مهمٌ جداً في حياة الكنيسة لكي ننشر محبة يسوع لكل البشر ونعمل في كرمه، إنه ينتظرُ منّا الأثمار الكثيرة واليانعة، لا نبخل عليه بأوقاتنا وحياتنا، إنّه لم يترك شيئاً لذاتهِ بل قدّمه لنا فلنشكره على عطاياه التي لا حدّ لها. آمين.

8-3-2008

عن Yousif

شاهد أيضاً

نظرة عامة على الضغوط التي تتعرض لها المجتمعات المسيحية، والفرص المتاحة

بين 10 – 12 تشرين أول 2019 عقدت جمعية الكتاب المقدس في لبنان، سوريا، العراق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *