الرئيسية / المقالات / ترتيب البيت الكلدانيّ مسؤوليّةُ الجميع

ترتيب البيت الكلدانيّ مسؤوليّةُ الجميع

اسلوبي شخصانيٌّ وتلقائيٌّ، قد يجد فيه البعضُ شيئاً من القساوة، أقرّ بها، وطبعي سريعُ الانفعال خصوصًا امام التركةِ الثقيلةِ التي ورثتُها، والاحداث المتسارعة التي لا تُتيح مجالاً للتفكير والتخطيط، ورغبتي الصادقة في ترتيب الكنيسة واستعادة دورها وهيبتها، وخدمة الناس بأفضل ما لديّ. احّس انها دعوتي ورسالتيالان وهنا“. عمومًا ألجأ الى أُسلوب الكتابة لأني أَجدُه اقرب وسيلةٍ للتوجيه والتوعيّة والتنشئة، واعدّه فرصةً لي، ولمن اتوجه اليهم للتعمق والتقييم والتجديد. وعادةً قبل النشر، أرسل ما أكتبه الى اشخاص مختلفين لإبداء الرأي وأغيّر ما يَلزم تغيرُه!

الكنيسة هي التي يقيمها يسوع لتنقل كلمته انجيله“، وتخدم بثقة وتواضع، وتجرّد وسخاء. الكنيسة ليست ملكوت الله، فالملكوت هو المسيح، لكنها المكان الخاص والامثل الذي فيه يتجلى المسيح لنا. ولكي يتمَّ هذا التجليّ عليها ان تعيش ما يطلبه يسوع من قواعد اخلاقيّة وسلوكيّة دقيقة جداً ( طالعوا التطويبات وما يليها في انجيل متى الفصول 5-7).

الكنيسة بطبيعتها ومنظورها اللاهوتي، منفتحة على جميع الامم والاجناس والثقافات واللّغات والمستجدات، ولا يمكن لها ان تنغلق على نفسها وتنزع الى التشدد والتصلّب في الرأي، والرجعيّة وتعزل نفسها. آنذاك لا تسمى كنيسة، بل بدعة، لان الكنيسة مرسلة الى الجميع.

نحن كنيسة كلدانيّة كاثوليكيّة، جماعةٌ منفتحةٌ نسعى ان نعكس شهادة مسيحيّة مؤثرة، وان نُعطي المسيح الموقع الاول جداّ، ونشهد لحياته ورسالته، ونجيب الى حاجات الجماعة بشكلٍ يتلاءم مع واقعهم ( مراجعة رسالتنا الراعوية: الكنيسة الكلدانيةّ بين الواقع والطموح، بغداد 2014).

كنيستنا كان لها دور الريادة في الانفتاح والمثاقفة والمناداة بإيمانها (Kerygma) علنيّة وبقوّة، ونقلته الى شعوب عديدة في بلدان الخليج وايران وتركيا وافغانستان والهند والفيليبين والصين! لذا لا يمكن لكنيستنا المجيدة ان تكون قوميّة منغلقة بالمعنى الذي يسوقه البعض الذين ينادون بـِ كنيسة على حدةخارج الحدود البطريركية! هذا محضُ وهمٍ!

الكنيسة مؤسسة الهيّة وبشريّة، فبقدر ما ترتقي الى الالهي بقدر ذلك تكون محميّة ونبويّة ومتجددة، وبقدر ما تبقى تراوح بقرب ما هو فقط بشري، تضعف هويتُها فتستحيل إلى نوع من المؤسسة الادارية!

منذ عقود وبسبب الظروف السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة المتسارعة، والتنشئة الضعيفة والفردانيّة، عند شريحةٍ من رجال الاكليروس، وجهل القوانين وفن الادارة وقلب الادوار، وضعف الروح القيادية leadership)) والهجرة، قابلها في الغالب، عدم وجود فكرٍ علمانيٍّ مسيحيٍّ متأصلٍ وملتزم، فكانت من ثم لا مبالاة نَكاد نُسمّيها لا مبالاة لدى عامة المؤمنين؛ كل هذا أدّى إلى نوع من الفوضى والضبابيّة واللامركزيّة.

من افرازات هذا الواقع: غياب المتابعة الماليّة المهنيّة، ومن ثم تجاوزات تسهل ملاحظتُها، بل سرقات مكشوفة!. وباستثناء بيوت العبادة، لم يكن ثمّة مؤسسات ومراكز كنسيّة تُذكر، ولا كيانات للعلمانيين المؤمنين الملتزمين التي دعا إليها المجمع الفاتيكاني الثاني. وفي ظل الظروف المتشابكة إياها افتقد البيت الكلداني، كنسيّا: مركزيّته ووحدته وقوته وحماسته وتجدده وعلمانيًّا، الفكر السياسي الأصيل المتجذر، وقلـّما ظهرت زعامات علمانية سياسية كلدانيّة. وبالتالي، لم تكن ثمة لا خطة تحليل ولا خطّ يرسم المسيرة، مما أثقل كاهل الكنيسة وإدارتها، واختلطت امام الزعامات الدينيّة المسيحيّة عمومًا وأمام شعبِها، العناصر الروحيّة بالعناصر المدنية، بتأثير فكريّ واجتماعي لنفوذ المحيط الغالب من الداخل والخارج! لربما قد نبقى البقية الباقيّةفي العراق، لذلك ينبغي ان نعمق مفهوم البقيةكما هو في الكتاب المقدس لنلعب دورنا الفريد في الكنيسة والمجتمع، فوعد الله قائم وهو امين! ومطلوب منا جميعًا: الثبات والامانة والاصالة والمشاركة في بناء الجماعة كلُ واحد بحسب موهبته.

كان لا بد في هذا التقديم لرسم صورة حال نراها واقعيّة، بالرغم من انها تبدو مظلمة، إلا أنها لا يمكن أن تمنعنا، من روح الرجاء الراسخ، بمسيرة الحياة إلى الامام، وسنّة التقدم المطلوب، ولا تمنعنا من أن نؤكد أن هناك علامات مضيئة واسباب أمل كبيرة في النفق. أجل لا خوف من كشف مواطن الخلل ونشر الغسيلبحجة أنه يكشف ويعرّف ويشوّه، بل على العكس نشره ينشّط الذاكرة ويدفع الى توعيّة اكبر بالمسؤولية ويمهّد سبيل البحثً عن حلول. البابا بندكتُس السادس عشر دعا الى كشف الحقائق وليس طيّها أو تركها مبهمة!

اما موقع البطريركية وبالتصميم الراعوي الروحي الذي انطلق فيه، فلا تضادّ فيه، إنما يتابع المستجدات، ينشر الوعي ويوضح ما يقتضي توضيحه، من جهة، أو يترفع بما يراه من صمت بليغ عن المماحكات الجانبية والكتابات الهابطة!

المشاكل لابدّ منها، ولكني لا أخفيكم، فبفضل الايمان المتوارث والمصان بدم ابائنا والى اليوم، وشهادة حياة العديد من اعضاء الاكليروس والمؤمنين البسطاء، فإن كنيستنا المشرقيّة الكلدانيّة العريقة، هي كنيسة لديها الأقلّ من المشاكل.

أما موضوع الكهنة الدوارينخارج نظام ديرهم أو أبرشيتهم، فقد سبق واتخذ قرار واضح بهذا الشأن، في سينودس 5-10 حزيران 2013وهناك قوانين اخرى وسياقات تُنظم هذه الحالات، وهي سياجٌ واقٍ لهم. ما طلبته من الرهبان والكهنة هؤلاء هو العودة لتطبيع وضعهم قانونيا ورهبانيا، وهذا ما أكدناه بوضوح ومحبة أبوية في رسالة الدعوة التي سبقت المرسوم، ويبقى الباب مفتوحًا أمامهم، وتبقى البطريركيّة امّ منفتحة للتنسيق مع الابرشيات والرهبانيات الراغبة في الوحدة والشركة! ما حصل مؤسف ومرٌّ! هذا الاجراء جاء لتفادي اقدام كهنة أخرين من العراق والابرشيات المجاورة بسبب الظروف الحاليّة على الهجرة مع عائلاتهم الى الغرب!

إننا نحترم غيرة الذين يكتبون، منطلقين من أنهم يكتبون بحسن نيّة، لكنهم للأسف غالبًا ما يكونون بعيدين عن معرفة الوقائع والسياقات ذات الصلة. فلا يعرفون على سبيل المثال لا الحصر، ما حصل في السينودس الانتخابي البطريركي، من الذي تنازل، ولمن اولا، ومن انسحب، وكيف بالتالي تمت الانتخابات؟ فلا مساومات، حاشا، ولا صفقات، هذا كلام غير مسؤول، وهو من افرازات المقاهي الالكترونية، التي لعلها ضريبة المواقع التي لا يسعها إلا أن تخلط في نتاجها المنشور الغث بالسمين، نؤكد انها لن تشوّش علينا ولا تثبط عزيمتنا، كما ان الكتابات المادحة لا تغير قناعتنا والتزامنا. الكتابة فن وذوق واخلاق، كما قال أحد الكتاب الرزينين. وعندما تنجلي المواقف على وضعها النهائي، لا بدّ وأن ثمة حقائق، سنجعلها ترى النور بإذن الرب.

اننا مع مصّف الاساقفة الاجلاء في السينودس ومع نخبة من الخبراء العلمانيين سنضع رويداً رويداً، قاعدة واضحة وقويّة تكون بمثابة خارطة طريق لإنهاض كنيستنا، وكنّا في السينودس الماضي قد شكّلنا لجنة للقيام بذلك، وننتظر تحديد اللقاء وترتيب جدول الاعمال. ومن بين اولوياتنا الاهتمام بتنشئة الكهنة والرهبان والراهبات تنشئة قوية،تنشئة قلبهمبما يلزم من روحانية وصلاة وفضائل وثقافة واندفاع والتحام كفريق عمل ورسالة وشهادة لئلا يتركوا شيئا يخنق دعوتهم. كما اننا سوف نؤسس الرابطة الكلدانيّة العالميّة من اشخاصعقلاء مخلصين امناء لكنيستهم، ومقتدرين وملتزمين. لقد حال دون تحقيقها التسونامي الذي ضرب الموصل وبلدات سهل نينوى، فانشغلنا باستقبال العائلات النازحة ومساعدتها والدفاع عنها، وسند ايمانها ورجائها. وليس صحيحًا ان الكنيسة بقيت مكتوفة الايدي!

في الختام، واضعين رجاءنا الوطيد بالرب الذي سيبقى دائمًا مع كنيسته وشعبها وهو لن يُخيّب رجاءنا، فالروحالمعزيّحاضرٌ في الكنيسة يوحِّدها ويسندها ويقويها. لذا نؤكد ألا خوف على الكنيسة الكلدانيّة. إنها دائبة على تنظيف بيتها من كل ما يلزم تنظيفه، وإنها، خلافًا لما يتطيّر به المتشائمون، ماضيّة في القيامة والحياة والتجدّد، كما هو شعارها فتكون كنيسة موحدة وقوية ومتجددة وشاهدة. هذه القناعة ليست حنينًا الى عهد مفقود، انما هي هتافُ ثقة ورجاء في هذا الطريق الصعب والطويل!

عن Yousif

شاهد أيضاً

موضوع السبت: البطريرك يوسف عمانوئيل الثاني – علامة مضيئة في تاريخنا

موضوع السبت: البطريرك يوسف عمانوئيل الثاني – علامة مضيئة في تاريخنا الكاردينال لويس روفائيل ساكو …

6 تعليقات

  1. من كلداني اصيل ومتلبع اخبار كنيسته

    بارك الرب همتك الرسولية يا سيدنا البطريرك ساكو وشجاعتك وعملك المستمر رغم الصعوبات والظروف التاريخية التي تمر فيها سفينة البطريركية. أطلب من المسيح صخرة اساس هذه الكنيسة ان يلهم اساقفة الكنيسة الكلدانية ان لا يقفوا مكتوفين الأيادي بل يساهموا مع غيرة سيادتكم في تنطيف بيت الكنيسة الكلدانية.

  2. الكنيسة:

    الكنيسة سكنی الرب؛

    الكنيسة جسد يسوع السري؛

    الكنيسة هي جماعة من المؤمنين؛

    الكنيسة وكيلة أسرار الإلهية؛

    الكنيسة مانحة الغفران؛

    الكنيسة عاكسة مجد قيامة المسيح؛

    الكنيسة مستشفى للمرضى؛

    الكنيسة مكان تجمع المؤمنين لتمجيد الرب؛

    الكنيسة أم؛

    الكنيسة ملكوت الله الأرضي؛

    الكنيسة ليست مكان للتجارة؛

    الكنيسة ليست مكان للشهرة؛

    الكنيسة ليست منبراً للإعلام المدني؛

    الكنيسة ليست خاضعة لسلطان بشري؛

    والعاملون فيها هم خدام الرب وخدام المؤمنين به؛

    الكنيسة ليست ليكون فيها سيد وعبد ولان يوجد سيد واحد وهو الرب يسوع والمؤمنين الاكليريكيين والعلمانيين عبيدا للرب يسوع.

    القس طارق جميل عيسى.

  3. سيدنا وابينا العزيز .. غيرتك على كنيستك الكلدانية وحرصك على أيمانها شيء لن يختلف عليها احد..وهي مصدر قوة بالنسبة لنا وتعلمنا الكثير وخصوصا في هذه الظروف التي تمر بها الكنيسة والواقع العراقي الصعب أنشاء الله ستجعلنا نكون متمسكين أكثر وأكثر بكنيستنا الأم والمعلمة .. كنيستنا التي تفتخر بدماء شهدائها .. نصلي لك دائما لكي يسندك الروح القدس في قيادتك للكنيسة في كل بقاع العالم.. ونتضرع إلى العذراء أن ترافقك دائما كما رافقت الرسل …

    ريان لويس / كركوك

  4. سيادة راعينا الجليل

    وضعت الاصبع على الجرح

    هذا المقال يفترض ان يكون موعظة الاحد في جميع الخورنات .

    بانتظار المزيد منها

    تحياتي

    لازار

  5. جميل حنا ليراتو

    الى حضرة ابينا البطريرك لويس ساكو جزيل الاحترام

    سلام ومحبة ربنا يسوع المسيح معكم ومع الاساقفة والكهنة والمومنيين كافة

    اطلعتو على ماجاء برسالتكم اعلاه وبمختصر الكلام انتم جئتم بمشية الروح القدس الذي حل عليكم وقبلتم هذا و تسمينكم لهذا الموقع وانا احب ان اقو لكل التخرصات التي صدرت من الجميع الذين يعرفون المهمة الربانية والصعبة التي يتحملها من هو في الميدان وليس الذين خارج الميدان يجلسون وينظرون من خلال المواقع الالكترونية من اجل شق الصفوف ونبذ الفرقة لغرض انهاء كنيسة الرب وهذا امر مستحل لان الرب ارادته فوق الجميع ماتقوم به هو منصب الى وضع الطريق الصحيح وليس الذين وانا لااريد ان اجرح احد بل اقول وانا متابع لكل الموجودين في بلاد الشتات ليس لديهم خدمة الرب الا ايام الاحاد والمناسبات الدينية وغيرها فهم بمثابة موظفين والحليم تكفيه الاشارة ونشد على ازركم بمتابعة كل ما ينقذ الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية والرب وامنا مريم العذراء تكون معكم امين

  6. لنصلي من اجل أبينا البطريرك لكيما الرب يعطيه القوة من اجل ان يكتشف حقيقة كل الكهنة المحاطين به والذين لهم ازدواجية وعدم الصدق ولأجل مصالح خاصةبهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *