الرئيسية / المقالات / إنسان المسيحيّة أعظم من الشريعة والقدسيّات تأمّل في إنجيل الأحد الثاني من تقديس الكنيسة

إنسان المسيحيّة أعظم من الشريعة والقدسيّات تأمّل في إنجيل الأحد الثاني من تقديس الكنيسة

عُرف عن المفكر الفرنسي روجيه غارودي أنّه ولُد مسيحيّاً , ولكنّه لم يعتقد بالمسيحيّة فأصبح شيوعيّاً وغير مؤمنٍ , وبعد ذلك ترك الالحاد واعتنق الاسلام ديناً. وهنا يُطرح سؤال : هل الانتقال من معتقد إلى آخر, إن كان عند غارودي أو غيره , يدل على بحثٍ عن المعنى , أم هو خوف من الالتزام بإيمانٍ معين ؟
يعيش الكثيرون بعيدين عن مبادىء وقيم وفضائل تحرّك التعبير عن ذواتهم بطرق مختلفة , فيعيشون إمّا وفقاً لشرائع وتقاليد موروثة يعتقدونها مقدّسة , أو تبعاً لمصالح وعواطف وغرائز محبذة , وربما استجابة لأحلامٍ وأفكار يجدونها ملهمة. عندما تطغى الشرائع والقوانين , والمنافع والأهواء البشريّة , فأنّها تصبح خطراً على العبادة الخفرة لله وعلى قيمة وكرامة الإنسان ؛ وحينها يصبح الله صنماً مُخترَعا للخدمة , ويصبح الإنسان عبداً مُحتقراً. لم يأت يسوع لكي يرفض الشريعة والهيكل والسبت , ولكن لكي يحرّر الإنسان من قدسية الزائل وتوجيهه نحو تقديس الأبدي , فتكون كلّ الموجودات والمصنوعات والمكتوبات لتمجيد الخالق , ولخدمة من خلقه الله , لكي يتسلط ويخلق ويبدع.
يمرّ يسوع ومعه تلاميذه بين الحقول في يوم السبت المقدّس , الذي يُحرّم فيه العمل وفقاً لشرائع دينيّة موضوعة. يجوع التلاميذ , فلا يجدون طعاماً إلّا سنابل قمحٍ , يقلعونها ويفركونها , فيأكلونها فيرى ذلك الفريسيون المتمسكون بحرفية الشريعة , فيعتبرون ما صنعه التلاميذ حصاداً, أي عملاً وليس فقط أكلاً.. يتعامل الكثير ممن يدّعون الإيمان بالله مع حاجات الإنسان إلى الحياة والحبّ بطريقة شرائعيّة فريسيّة , فيجتهدون في اختراع المحرمات ومعاقبة من لاينفذها , حتى لو كان من غير معتقدهم ودينهم.
يعترض الفريسيون على تصرف التلاميذ ويعتبرونه مخالفاً لشريعة السبت المقدّسة , فيعيدهم يسوع إلى ذاكرة التاريخ الإلهي المقدّس , إلى شخصيّة الملك والنبي داوود , الذي تجاوز الشريعة والكهنوت من أجل حاجة الإنسان إلى خبز لم يجده إلّا في خبز مقدّس , لايحل أكله إلّا للكهنة.. هنا يبين يسوع قيمة الإنسان في نظر الله , وفي نظر كلّ نبيّ ومكرس لله.. هذا مبدأ أساسي إلهي ووجودي , فالإنسان مقدّس وهوالأهم من كلّ المعابد والشرائع والطقوس. كذلك يقود يسوع الفريسسيين إلى المعنى الأعمق لعلاقة الإنسان بالله وعبادته بطريقة تكرسيّة , فيبين لهم أنّ الكهنة يخالفون شريعة السبت عندما يعملون في خدمة الهيكل أكثر من بقية الأيام , ذلك لأنّ أعمالهم موجهة لخدمة الله وعبادته بخشوع ووقار.. يوجّه يسوع أنظار الفريسيين إلى تجاوز ماهو مصنوع ومخلوق من سبت وهيكل نحو الخالق والإله.. كثيرون من أتباع الديانات يتوقفون عند الشعائر الدينيّة والمظاهر الطقوسيّة , والأحجار والمعابد الفخمة والأشخاص المؤلّهة ,ولايبلغون حضور إلهي رحيم حليم. ويختم يسوع لقاءه مع الفريسيين , ليشير إلى هويته الإلهيّة , فهو أعظم من الهيكل ؛ كما يعلن في الاتجاه الإنسانيّ عبارته الكتابيّة الشهيرة العميقة:” إنّما أريد رحمة لاذبيحة”.. ليس المهم أن نقدم ذبائح وأموال وممتلكات , بل الأهم أن نُظهر رحمة إلهيّة , تخرج من القلب ..كثيرون يرون خلاصهم في ممارسة أشكال طقسيّة او تقدمة نذور معينة أو المساهمة في أعمال خيريّة , فينسون او يتناسون أنّ إلهنا , يريد إنساناً , يقدم كيانه,ذاته , وليس فقط بعضاً مما عنده. يريدنا يسوع أن نخرج من الحالة الفريسيّة لندخل عالم الحميميّة الإلهيّة , فنعبد الله بالروح والحقّ , كما يدفعنا لكي نسعى لتحقيق هويتنا وأصالتنا الإنسانيّة برحمة إلهيّة , تتحول إلى طاقة تسد جوعنا وعطشنا , وتقودنا إلى إنسانيّة راقية متضامنة مقدّسة.

عن Yousif

شاهد أيضاً

الرابع من الصيف: نيران ودخان نتيجة تمرد وعصيان!

الرابع من الصيف: نيران ودخان نتيجة تمرد وعصيان! الأب ريبوار عوديش باسه قراءات الأحد الرابع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *