الرئيسية / المقالات / يسوع هرب إلى مصر .. ونحن إلى أين سنهرب .. !؟

يسوع هرب إلى مصر .. ونحن إلى أين سنهرب .. !؟

   هرب الرب يسوع إلى أرض مصر تحقيقاً للنبوات: “من مصر دعوت أبني” (هو11 : 1)، “ها هو الربُّ راكب على سحابة سريعة وقادم إلى مصر، فترتجف أوثانها من وجهه” (أش19 : 1). نعم هرب يسوع، عندما ظهر ملاك الرب ليوسف في الحلم وقال له: “قم، خذ الطفل وأمه وأهرب إلى مصر وأقم فيها، حتى أقول لك متى تعود” (متى2 : 13).
•         هروب يسوع إلى مصر:
   أستوقفتني كلمة “الهروب” متأملاً ومتسائلاً: “لماذا الهروب من الشر” ..!؟ قد تكون فكرة “الهروب” هي فكرة تنطلق من مبدأ روحي، أراد من خلاله الرب يسوع أن يعلمنا بأنه: “ليس خوفاً ولا جُبناً ولا كي نبتعد عن المواجهة”، بل هو حكمة وأنه “نصف المرجلة” أو على الأقل “نصف النصرة”. الرب يسوع أراد أن يرينا كيف يكون الطريق إلى السلام: “مع مبغضي السلام كنت صاحب سلام” (مز120 : 6)، بمعنى أن الإنسان يُفضل السلام على الحرب التي هي بلا منفعة. وبما أن الرب يسوع قد جاء برسالة سلام ومصالحة بين الإنسان والله، وبين الإنسان مع أخيه الإنسان، بل بين الإنسان نفسه (في داخله) … لذا نهى كثيراً عن العنف وأمر بعدم أستخدامه كما جاء في عظته الشهيرة على الجبل: “لا تقاوموا من يسئ إليكم. من لطمك على خدك الأيمن، فحول له الآخر. ومن أراد أن يخاصمك ليأخذ ثوبك، فاترك له رداءك أيضاً. ومن سخرك أن تمشي ميلاً واحداً، فأمش معه ميلين. من طلب منك شيئاً فأعطه، ومن أراد أن يستعير منك شيئاً فلا ترده خائباً. أحبوا أعداءكم، وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم، فتكونوا ابناء أبيكم في السماوات. فهو يطلع شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين. فأن كنتم تحبون الذين يحبونكم، فأي أجر لكم؟ أما يعمل جباة الضرائب هذا؟ وإن كنتم لا تسلمون ألا على إخوتكم، فماذا عملتم اكثر من غيركم؟ أما يعمل الوثنيون هذا؟ فكونوا أنتم كاملين، كما أن أباكم السماوي كامل” (متى: 39-48).
   بهذا المنهج قدم “الطفل يسوع” نفسه وسيلة إيضاح فهرب من أمام هيرودس مقدماً المثل والقدوّة للبعد عن الانتقام والعنف ومواجهه الشر بمثله والعداء بالعداء … فحقق تلك المعادلة الصعبة التي صارت مبدأ لأولاد الله في العالم أن يغلبوا القوة بالضعف، والعنف باللطف، والسلب والسرقة بالعطاء … هذه هي حقيقة الأمر، إن الطفل يسوع لم يهرب ضعفاً ولم يخاف من الموت .. إذ كيف وهو “الله” ليخاف إنساناً، وكيف وهو “الحياة” ليخاف الموت..!؟ إنما أراد أن يسلم كنيسته في عهد جديد؛ عهد المحبة الكاملة والسلام التام ورفض العداء والاعتداء … هكذا يسلك أولاد الله بقوته وليس بقوتهم الضعيفة، وبحكمته وليس بحكمتهم. وهذا هو “سر” الحياة الجديدة،  حيث يبدو المؤمنين وكأنهم ضعفاء أمام قوة العالم. ولكن قوة الله مخافة فيهم لذلك ينتصرون وإن بدوا ضعفاء ويختبأون ليس عن ضعف ولكن بحكمة الرب … لأن عمر الشر قصير ينتهي سريعاً كما مات هيرودس وانتهى شره …
•         ونحن إلى أين سنهرب ..!؟
   الهروب يمثل حلقة من حلقات الألم التي يجتازها المؤمن الحقيقي بكل فرح، كما أجتازها القدّيس يوسف الذي شهد له الوحي بالبرّ. فإن حياة البرّ تمتزج بالألم دون أن يفقد المؤمن سلامه الداخلي. هذه هي صورة الحياة التقويّة الحقيقية، هي مزيج من الضيقات مع الأفراح، يسمح بها الرب لأجل تزكيتنا ومساندتنا روحياً. فبالضيق نتزكّى أمام الله، وبالفرح نمتلأ رجاءاً في رعاية الله وعنايته المستمرة.
   وها نحن اليوم نهرب من وجه الشرّ (كما هرب آباؤنا وأجدادنا)، الذي أرغمنا على ترك كل شئ خلفنا دون أن نلتفت إلى الوراء (مثل أمرأة لوط)، فالظلم والشرّ الواقع علينا لا يستحق إلا أعطاءه ظهرنا للأبد. فهروبنا يجب أن يحثنا لنشر رسالة جديدة يريدها ألله منا، في سماع صوته وفي أنتظار مواعيده والسير بإيمان في مشيئته. وهذا ما أختبره أبونا أبراهيم في رحلته، وما يجب علينا تعلمه. لذا فالهروب من الوطن – بمنظرونا الإيماني – هو بمثابة مسيرة حجّ، نهيم سعياً وبحثاً عن مخرج جديد لمغزى بل ومعنى حياتنا، ليعيدنا إلى “الجنّة” التي سبق وإن طُردنا منها بسبب قساوة قلب الإنسان وكبريائه وخطيئته وشرّه الطاغي. فكان وطننا هو مذود تجسدنا، وجبل جلجلتنا، ومائدة لعطاؤنا وشكرنا وبذل ذواتنا … قدمنا – ولازلنا نقدم – فيه إيماننا الحق والفاعل بالرب يسوع في “كنيسته”، وما حملناه للآخر- عبر أجيال وأجيال – من أعمالنا ومشاريعنا وطموحاتنا وحياتنا “خبز قربان”، الذي جازانا ويجازينا بالشرّ والحقد والضغينة والطرد والقتل.
   لذا فأن “تجسّدنا” اليوم هو من يعطي قيمة للوجود في أي “مكان” وفي كل “زمان”، ولهذا فالمسيحي الفعّال لا يتمسك بـ “مساحة” أرض ولا بـ “فترة” زمن، بل هو في كليّته ميدان رسالة ومسرح للحب والعطاء. فالهروب يجعلنا نختبر ايضاً بأننا “نزلاء” في هذه الأرض، كما يقول الرسول بولس: “فما لنا هنا في الأرض مدينة باقية، ولكننا نسعى إلى مدينة المستقبل” (عبر13 : 14)، نسعى لعيش “الملكوت”. ولهذا لا يجب أن يكون هروبنا يائساً، فهذه ليست علامة عافية لا في تجذرنا في وطننا، ولا في تجذرنا وتعميق أنتماؤنا إلى المسيح وكنيسته. فالواجب هو أن يتحوّل مكان وجودنا إلى لقاء متجدد مع الرب يسوع المسيح، وموضع “تجسّد” له. وأن نكون للمحيطين بنا أصحاب رسالة محبة وسلام وإيمان وأخلاق وقيم وأصالة. وأن نبقى محافظين على إرث وطننا الأم، وأن لا يصبح هذا الوطن أغنية أو فكرة “على البال”، بل “ينبوع” ماء حيّ ومحطة نعود إليها كما عادت “العائلة المقدسة” بهدوء وسلام إلى “الناصرة” حيث سكنوا …
 
نبيل جميل سليمان
كندا – فانكوفر
29-11-2014      

عن Yousif

شاهد أيضاً

الرابع من الصيف: نيران ودخان نتيجة تمرد وعصيان!

الرابع من الصيف: نيران ودخان نتيجة تمرد وعصيان! الأب ريبوار عوديش باسه قراءات الأحد الرابع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *