الرئيسية / المقالات / أنت ابني، وأنا اليوم ولدتك

أنت ابني، وأنا اليوم ولدتك

· تمهيد:

(نود الأشارة بادئ ذي بدء إلى أن جميع التعابير البشرية تبقى عاجزة كل العجز وناقصة كل النقص في مقاربة “سر” الله، الأمر الذي ما لا ينتهي الأنسان من فهمه كلما تعمق فيه. فالله يتجاوزها كل التجاوز، وهي لا تستوعب سره العظيم، ولكن مع هذا لا بد منها للتعبير عن سره تعبيراً بشرياً).

ومن هذا المنطلق، نحاول بالمقاربة إلقاء نظرة تأملية لهذه الآية التي تقودنا لتعليم الماضي ثم الحاضر وإلى المستقبل، بل تفتحنا للرجاء. حيث تشير أولاً إلى العهد القديم (مزمور2 : 7)، ومنها ننطلق الى العهد الجديد لكونها تشمل الأزمنة جميعها:

1. الماضي (أعمال الرسل13 : 33): أرتبطت بالفكرة المبدئية، أي التجسد (إلادة الأبن بالروح في مريم العذراء).

2. الحاضر (عبرانيين5 : 5): أرتبطت بالفكرة التالية، أي قيامة المسيح من الأموات (وهي إلادة أيضاً).

3. المستقبل (عبرانيين1 : 5): أرتبطت بالفكرة النهائية، وهي مجئ المسيح ثانية للمُلك (بالإلادة).

أنها آية عظيمة مرتبطة بهذه الأفكار المجيدة: التجسد، القيامة، المجئ الثاني. منها سنحاول أن نستقي فهم إلهامات ميلاد الطفل يسوع في البشرية والعالم، في إلادته فينا … في كل واحد منا … في الأنسان المؤمن الفعّال.

· إلادة الآب لأبنه (الوحيد / الحبيب):

إذ يستخدم الكتاب المقدس تعابير، مثل: “في البدء”، “البداية”، “قبل إنشاء العالم”، “قبل كل شئ”، إنما يقصد بها إلادة الآب لأبنه، إلادة غير زمنية: لأن الله خارج الزمن، بل هو خالق الزمن. أي إنها إلادة أزلية: لا بداية لها، ثم إن كانت أزلية، فهي بالتأكيد أبدية: لانهاية لها، لأن الله يتسامى على الزمان (على البداية والنهاية). أي إن الله “سرمدي”: ما لا بداية ولا نهاية له، وبالتالي فإن إلادة الآب لأبنه هي إلادة سرمدية: (لا بداية ولا نهاية لها)، إلادة “مستديمة”: (الآب يلد أبنه بدون أنقطاع)، أي إنها إلادة تستمر (فالآب يلد ولا يزال يلد أبنه من الأزل وللأبد). بيد إننا نفهم هنا على إن الإلادة الألهية هي على مثال الخلقة، خلق الله للعالم وللأنسان من حيث إنها تتصف بصفة “الديمومة”. فالله يخلق في كل لحظة، ولولا خلقه الدائم لزال الكون كله، وفنيت الحياة. وإن كان الله يتسامى على الزمان، فأنه يتسامى على المكان أيضاً، أي إن إلادته لأبنه لا تخضع للمكان وبذلك فهي إلادة غير جسدية، بل هي إلادة روحية صرف. لأن الله روح لا جسد له: “الله روح” (يوحنا3 : 24).

· أبوّة وأمومة الله:

يا لها من محبة للبشر لا توصف يظهرها الله الآب في إلادته لأبنه، فالمولود منذ الأزل بلا أم ها هو يولد ثانية بلا أب، أي انه أب وأم معاً يجمع في كيانه الأبوّة والأمومة. وهذا ما يوضحه لنا مجمع توليدو الحادي عشر عام 675م : “إن حضن الآب، أي جوهره يلد أو ينجب الأبن”. بيد إن سرد الفعلين (يلد / ينجب) يظهر لنا الدور الأبوّي “يلد”، والأمومي “ينجب” لله الآب. فالآب يلد الأبن “في” الروح، وكأن الروح هو “الأحشاء” حيث تتم هذه الإلادة، هو العنصر الأنثوي والأمومي، فقد صوّره الكتاب المقدس: بالرحيم (المقتبسة من رحم الأم) كصفة للأمومة: بالأم التي لاتنسى “أبن” أحشائها.

فإذ يلد الآب أبنه الوحيد في أحشائه الأبوية، أي في روحه القدوس: “في حضن الآب” (يوحنا1 : 18)، فإنما هذا “الحضن” هو الروح القدس. فقد تجسد الأبن في عالم البشر، في حضن الآب (أي الروح)، وفي داخل مريم العذراء. فالروح القدس هو الأحشاء السماوية، ومريم العذراء هي الأحشاء الأرضية. أي إننا أمام أبوّة / أمومة واحدة ذات قطبين: فالآب يجسد أبنه في كلا الحضنين: فالروح هو الحضن الأبوّي / الألهي، ومريم هي الحضن الأمومي / الأنساني.

· إلادة الأبن فينا:

المحبة هي دافع الآب لإلادة أبنه الوحيد، لأن: “الله محبة”. لذا فأن هذه الإلادة هي “في” المحبة، وهي نابعة “من” المحبة و”بـ”المحبة. فالآب يحب أبنه الوحيد “أبن محبته” (كولسي1 : 13).

ومحبة الله هذه (مجده وفرحه)، لا بد أن تتجلى في الأنسان المؤمن الفعّال، الأنسان الحي، الحاضر في العالم: فقط الذي يقتبل كلمة الله (أبن محبته). حيث إن الله يشرك الأنسان في إلادة أبنه: لأن الله كله إشراك ولا يحتفظ بشئ لذاته. أي أن أكون “أنا” الأنسان مجسداً لكلمته في أحشائي. بعد أن أقتبلتُ المسيح في قلبي، ليتجسد فيَّ، ينمو فيّ، ويكبر وسط الخطايا المتراكمة. وحينها سيولد المسيح من أحشائي ومن قلبي ومن عمق أعماقي، ليجد طريقاً من خلال هذه الخطايا ويخترقها، متسلقاً فوقها الواحدة تلو الأخرى. وهذه هي ولادته فيّ، وعندها تشرق رحمته وتنازله بل وقوته أيضاً، سيولد المسيح من مذود حقارتي أنا الأنسان. فالله أتى إلى عالمنا قبل ألفي عام ولا يزال مجيئه مستمراً في حياتنا كل يوم. ولد من مريم بالجسد واليوم يصّر على الإلادة فينا بالروح: في إيماننا وصلواتنا وعبادتنا واعمالنا بل في كل مفردة من مفردات حياتنا. فالأنسان والبشرية والعالم أجمع، مدعو اليوم ومن خلال الطفل يسوع إلى الولادة الجديدة وتصحيح العلاقة ومنهجها وإعادة النظر في كل معطياتنا البشرية والأنسانية والإيمانية والروحية والأخلاقية على أمل الإنسلاخ من الأنسان القديم والدخول “معه” و”في” إلادته بحياة الأنسان الجديد “أبن الله”.

عن Yousif

شاهد أيضاً

موضوع السبت: البطريرك يوسف عمانوئيل الثاني – علامة مضيئة في تاريخنا

موضوع السبت: البطريرك يوسف عمانوئيل الثاني – علامة مضيئة في تاريخنا الكاردينال لويس روفائيل ساكو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *