الرئيسية / المقالات / أفرغ الله ذاته لنا ولأجلنا

أفرغ الله ذاته لنا ولأجلنا

أفرغ الله ذاته لنا ولأجلنا…

(محاولة لاهوتية)

· تمهيد :

يتمحور فهمنا عن الله في محاولتنا اللاهوتية هذه، حول نظرة شاملة الى “سر” الله : (أحداً في جوهره/ثلاثة في أقانيمه)، في علاقة جدلية بتمام معنى الكلمة. فالله الثالوث الأحد هو “سر الأسرار المسيحية”، وهو أصلها وغايتها، بل محورها وأتجاهها. فلا يمكن حصر “سر الأسرار” في حديث واحد عنه، بل ثمة أحاديث وأحاديث تسعى الى توضيح جانب من جوانبه، والى عرض زاوية من زواياه بعملية مستمرة منذ نشأة المسيحية عبر الكنائس والأجيال والثقافات. فليست حقيقة الله كامنة في كونه أحداً ولا في كونه ثلاثة، بل في كونه (أحداً/ثلاثة) معاً، (أحداً – في ثلاثة/ثلاثة – في – أحد). أي التوفيق بين (وحدانية الله/التمييز في الله).

فالمعنى الأخير للوجود البشري هو أننا مدعوون الى ما نصبح الله”. فالمسيح، بحسب القديس ايريناوس (أسقف ليون،185+) : “الذي صار أنساناً ليصير الأنسان الله”، هو الذي كشف لنا من هو الأنسان ومن هو الله. وهذا معناه أننا لا نصير بشراً كاملين ألا حين نؤلَّه، وهذا ما يحققه الله لنا عندما : “أفرغ ذاته، متخذاً صورة العبد …” (التجسد)، “فوضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب …” (الفداء)، “لذلك رفعه الله الى العلى ووهب له الأسم …” (القيامة والصعود).

هذا ما جاء في نشيد الأشادة بالمسيح، العبد المتألم الذي مات وأقامه الله رب العالمين، الوارد في الرسالة الى أهل فيلبي (2 : 6-11). ومن نشيد التسبحة هذا، سنركز الأهتمام على الأنسان المسيحي اليوم ودوره في “أفراغ ذاته“، وأمكانية مشاركته الفعالة في خطة الله الخلاصية : التجسد، الفداء، القيامة والصعود. أقتداءاً وتمثلاً بالرب يسوع : الذي أخذ أنسانيتنا، وهو (المقياس المطلق ومثال التأنس التام) … تألم ومات من أجلنا، وهو (المشارك في قدرة الله المطلقة في المحبة والغفران) … قام وصعد الى السماء ليهبنا الحياة، وهو (أساس الخلود والحياة الأبدية).

· بـ “التجسد” .. أفرغ الله ذاته لنا …

بالتجسد، أصبح المستحيل ممكناً، الذي أظهر للبشر “أنسانية” الله، لأن الله : “ليس هو إلا محبة”. فيسوع “الكلمة” المتجسد، قد كشف لنا : “حنان الله مخلصنا ومحبته للبشر” (تيطس 3 : 4). فالكلمة أتحد بيسوع منذ البداية، والكلمة تأنسن أي صار أنساناً، شاركنا : “في اللحم والدم” (عبرانيين 2 : 14). فتأنسنْ الكلمة هو “الأفراغ Kenosis” الذي يتحدث عنه نشيد فيلبي، فالتجرد الألهي يكمن اذاً في أن الله “الأبن” أصبح أنساناً ليكشف الله “الآب” للأنسان : “الأبن الوحيد الذي في حضن الآب هو الذي أخبر عنه” (يوحنا 1 : 18)، فيسوع قد أتى ليعلن للأنسان من هو الله في سره وحقيقته.

أن الفكرة الفلسفية الموضوعة عن الله هو أنه لا يتغير Immuable ولا يتأثر Impassible، في حين أن النظرة المسيحية لله هي أن الله “الكلمة” قد تغير وتأثر من خلال “أنسانيته” بـ “أنسانيتنا” : أذ أخذ جسداً بشرياً، تأثر بالفرح والألم وبالعلاقات البشرية .. ، مات هو مانح الحياة. وهنا أصبح تاريخ يسوع تاريخ الله نفسه وبذلك دخل تاريخ البشرية داخل الله، فأصبح الله اللامتغير “متغيراً” بموجب التجسد واللامتأثر “متأثراً” بالأوضاع البشرية ولا سيما الألم والموت. وربَّ سائل يقول : كيف يظل الله هو “نفسه”، وهو يأخذ جسداً أي “يتغير” ..؟ يجيبنا عن ذلك الآب د. فاضل سيداروس اليسوعي : “أن السر المسيحي هو سر “الهوية Identite/الغيرية Alterite” معاً، أي أن الله يصبح أنساناً (الغيرية) دون أن تتلاشى أنسانيته في ألوهيته (الهوية) …”. بما معناه أن سر التجسد يحافظ على كلتا الألوهية والأنسانية بدون أي أمتصاص أو تلاشي أو ذوبان : أي أن الله يظل هو نفسه “هويته” عندما يأخذ جسداً عن طريق “الغيرية” أي بالتبادل مع الغير.

فمع أهتمامنا اليوم بناسوت المسيح وتشديدنا على حياته الأرضية (التجسد)، وما يظهره لنا من عظمة “المبادرة الألهية” وقدسية هذا الحدث، كما يهتف الرسول بولس : “عظيم هو سر التقوى : لقد أظهر في الجسد …” (1طيمثاوس 3 : 16)، نؤكد على “نتيجة” التجسد أي على تقديس الأنسان وتأليهه. لذا فعلى المسيحي أن يتقبل “المبادرة الألهية“، كما تقبّل الأبن “ذاته” من أبيه عندما أفرغ الآب “ذاته” لأبنه الوحيد بفعل “المحبة“، والتي هي : (هبة مطلقة وبذل كامل، فالآب يهب ذاته وكيانه ومحبته لأبنه. لذا فأن الآب هو “خروج من ذاته Extasis وأنفتاح على أبنه)، على حد قول الآب د. فاضل سيداروس. فالأختبار لذواتنا يعلمنا أن الأنسان لا يبلغ نضجه وكمال صورته، ألا بقدر ما “يخرج من ذاته” الى العالم الفسيح ويواجه الأشياء في حقيقتها، وهي في أكثر الظروف حقيقة تعاكس رغباته الذاتية المباشرة. فالخروج من الذات هو عدم التفكير الأناني في الذات وعدم الأنطواء على الذات وعدم الأنكماش على الذات، كما تجسد الله الكلمة، وبالتالي “يتأله الأنسان” كنتيجة للتجسد، أي ينتقل الى الحياة الألهية .. الى حياة الله نفسها، وهذه هي السعادة السماوية.

· في “الفداء” .. أفرغ الله ذاته لأجلنا …

لقد توصلنا ألى أن الهدف من التجسد هو “تأليه الأنسان”. لكن التأليه لا يعني أبداً ذوبانه في الله أو فقدان ذاتيته فيه أو الأستعاضة عن عمل الأنسان بعمل الله، ولا عن حرية الأنسان بحرية الله، ولا عن أرادة الأنسان بأرادة الله. بيد أن تأليه الأنسان يتماشى وأنسنته، بمعنى أنه كلما أتحد الأنسان بالله أصبح أكثر أنسانية، أصبح أنساناً حقيقياً كاملاً، كما أراده الله منذ البدء وكما عاشه يسوع المسيح الأله المتأنس. حينما كشف للأنسانية جمعاء (لا للمسيحيين فقط) بعداً أنسانياً في منتهى العمق، وهو أن الحياة الأنسانية الحقيقية (لا المثالية، بل الواقعية) هي عطاء وبذل الى الغاية، أي الى الموت. ومن هنا ضرورة أسهام الطبيعة الأنسانية بكل ما فيها من قوى (العقل، الحرية، الأرادة) في “الفداء“. لذا فأن التجسد ذهب بيسوع الى أقصى حدود المحبة حتى الموت، أذ أن الأنسان يولد ويموت، فأراد المسيح أن يشاركنا في كل واقعنا البشري بما فيه الموت و “ما عدا الخطيئة”. أي أنه “أفرغ ذاته Ekenosen” حتى الموت على الصليب : “فبلغ به الحب الى أقصى حدوده” (يوحنا 13 : 1). وبذلك أكتملت “أنسانية” يسوع على الصليب حيث سلم كل شئ الى الآب، مطيعاً أياه، وبطاعته التامة هذه صار : “الرب” (فيلبي 2 : 11).

أن دستور الخروج عن الذات والموت عنها هو دستور الموجودات كلها، فالمسيح خرج عن ذاته ومات لا ليجد ذاته طبعاً، بل لينقل هذا الدستور الى مستوى المحبة بين البشر. يريد أن يرفعنا الى مستوى “الحياة“، كما هي في الأساس، في حياة الثالوث الألهي : فالأبن لم يحتفظ بما وهبه الآب، بل “أفرغ ذاته”، أي أعاد الى الآب ما أقتبله منه. فكما أن الآب هو “خروج من” ذاته و “أنفتاح على” ابنه، كذلك الأبن هو “خروج من” ذاته و “أنفتاح على” أبيه. فحركة خروج الأبن من الآب، وعودته إليه بموته وقيامته، هي حركة صعود البشرية الى أحضان الآب وأكتمالها. فالبشر الذين أقتبلهم الأبن من الآب يعيدهم الى الآب بتبادله إياهم مع الآب، لأن الآب : “أحب العالم حتى أنه جاد بأبنه الوحيد” (يوحنا 3 : 16)، والأبن أحب البشرية لأن الآب أحبهم : “كما أحبني الآب فكذلك أحببتكم أنا أيضاً” (يوحنا 15 : 9).وبهذه الحركة نستشف أن هدف الله المطلق وقصده، بل ومشيئته الأزلية، هي أن “يجمع ويدمج” البشرية في شخص أبنه الوحيد وجسمه المجيد وهو في أحضان الآب لتكون عن يمين الآب. ويتحقق ذلك كله بعد قيامته وصعوده الى الآب حيث يجذب الجميع إليه (يوحنا 12 : 32). بمعنى أنه يخضع لنفسه جميع البشر ليخضعهم بدوره للآب (فيلبي 3 : 21 و 1كورنتس 15 : 27)، وهكذا يصبح الآب : “كل شئ في كل شئ” (1كورنتس 15 : 28). فالمسيح في مجده يحوي كل آلام البشرية وآمالها، أفراحها وأتراحها … وهي حاضرة بفضله داخل الثالوث. أي أن قمة الكائن البشري تكمن، لا في أن يكون واحداً وحيداً، بل في أن يكون في علاقة مع الآخرين : فذاتية الشخص أو هويته تتكون وتنمو عن طريق الغيرية، أي بالتبادل مع الغير. فليس الشخص شخصاً إلا بقدر ما هو “كائن – في – علاقة“، أي نظرة نحو الآخر وحوار مع الآخر، يندفع بالحب نحو الآخر. فكما يندفع الآب بالروح نحو أبنه الحبيب (بالأقتبال والتبادل، الواحد بأتجاه الآخر)، هكذا ينبغي أن يندفع أنسان (الأمس واليوم وغداً …) بالحب نحو الآخر، لأنه : “على صورة الله ومثاله” (تكوين 1 : 26).

· الخاتمة :

وهنا نصل الى جوهر قضيتنا، من أن “الرغبة” تجعل الشخص يتمركز لا على ذاته بل على الشخص المرغوب فيه، أي على الآخر. فأن “الرغبة” الحقيقية هي تحويل من “الأنانية” الى “الغيرية”، هي تبديل من الأنطلاق من الذات حتى الأنفتاح على الآخر لتكتمل الرغبة في الحب والعطاء المتبادلين. لذا فأن الأنسان أصبح لا يحتاج الى الله بتمام معنى الكلمة، وإنما أصبح يرغب في الله : رغبة مجانية لا نفعية، حرة لا ضرورية، مختارة لا حتمية، لا من أجل الحاجة إليه وإنما من أجل العلاقة المجردة معه، من أجل الحب له، من أجل الرغبة فيه.

فالرغبة الحقيقية هي التي تصل بالأنسان في علاقته بالله الى الأتحاد بفضل : التجسد والفداء، ولكن بغير أختلاط ولا أمتزاج، بغير أمتصاص أحدهما للآخر ولا تلاشي أحدهما في الآخر. وفي هذه العلاقة الأنسان/الله، يظهر الله في تواضعه وعظمته معاً، في ناسوته ولاهوته معاً، في “أفراغه” و “رفعه” (فيلبي 2 : 6-11) معاً. لأن الأنسان/ الله أصبحا واحداً في يسوع المسيح، فمنذ الصعود يصبح كل ما يتعلق بالأنسان يمس الله، وكل ما هو أنساني إلهياً، بحسب العبارة الشهيرة للقديس أيريناوس : “مجد الله هو الأنسان الحي، وحياة الأنسان هي رؤية الله”. فشخص المسيح الممجد أصبح بعد قيامته يمثل البشرية حيث يدمجها ويجمعها في شخصه، ليقودهم نحو الآب، أذ أنه “الطريق” إليه (يوحنا 14 : 6). وأصبحت الأنسانية بشموليتها محتجبة في الله مع يسوع المسيح (كولسي 3 : 3).

نبيل جميل سليمان

الشيخان – بيبوزي

عن Yousif

شاهد أيضاً

موضوع السبت: البطريرك يوسف عمانوئيل الثاني – علامة مضيئة في تاريخنا

موضوع السبت: البطريرك يوسف عمانوئيل الثاني – علامة مضيئة في تاريخنا الكاردينال لويس روفائيل ساكو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *