أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / الرحمةُ طريقُ المسيحيّ رسالة راعوية بمناسبة سنة الرحمة

الرحمةُ طريقُ المسيحيّ رسالة راعوية بمناسبة سنة الرحمة

تقديم

1. الرحمة ليست فكرةً عامة، بل انفتاحٌ وسلامٌ ووئام، ومسارٌ للتلمذة المسيحية حيويّ وغنيٌّ في نورِ الإيمان، نُمارسها على طريقة يسوع” صورةُ بشريّتِنا الصافيّة –“. الرحمةُ “كريكماه-Kerigma “، أي مناداته الرئيسية بالبشرى. والرحمة هي الصلاة الأولى في الإنجيل: “يا رب ارحمني kyrie eléison “. وفي اليونانية تعني “امسحني بالزيت لأشفى” كما شرحها أحدُ اباء الكنيسة. الرحمة تتطلب التزامًا مستمراً ونموًّا وارتقاءً في حياةِ تلميذِ المسيح الذي يجد فيها قوّة ًوتعزيّةً. رسالة الكنيسة احتضانُ المجروحين” الخطأة” من أولادها على مثال الله الأب، وتعزيَّتهم وتشجّيعهم دون ملل، وعدم تركهم وحدهم يسقطون أو إرسالهم الى جهنم. الكنيسة امّ ومُعلِّمة كما أرادها يسوع، وبقدر ما تكون امّا تكون معلمةً. الرحمة تُربي وتَبني ولا تُفسد! هذا ما أكده البابا فرنسيس في إعلانه سنة الرحمة (8 كانون أول 2015 – 30 تشرين ثان 2016) ليخرجنا من الرتابة والجمود، ويُعيدنا الى البداية الممتازة، وكذلك في السينودس من اجل العائلة (4-25 تشرين أول 2015)، حيثُ دعانا الى ان نفتح اعيننا على الحضارة الحالية وتحديِّاتها والعمل على مسحنتها! اننا نتطلع الى قرارات نبوية جريئة يُصدرها.

الرحمة في روحانية كنيسة المشرق

2. كنيسة المشرق التي تُعَدُّ واحدةً من أقدم الكنائس المسيحيَّة، حافظت على بساطتها واصالتها في التعبير عن ايمانها بعيدًا عن المغالاة والمشهد والمباهاة ((triumphalism والمنطق الفلسفي. لقد بقيت ” كنيسة الشهادة“. الإيمان وفق اللاهوت المشرقي هو علاقة حبٍّ وجدانيّ وثيقة بين الانسان وربّه، علاقة صوفية تؤدي احيانًا الى شهادة الدّم. ولقد عبّرت كنيستُنا عن هذه العلاقة الايمانية الحميمية في ليترجياها في كلمات: القيامة والحياة والتجدد-الرجاء، وفي نصوص ابائها الأوائل الذين سعوا لمساعدة المؤمنين على أن يكونوا تلاميذ المسيح في تفاصيل حياتهم اليومية الصعبة بإخلاصٍ مُطلق.
اللاهوت المشرقي يستند الى النعمة، وهي أعظم من الخطيئة. أ ليست المسيحية بشرى نعمة وبركة؟ أما الألم والصليب والمعاناة فهي نتيجة الامانة للمسيح. والإنجيل مليء بكلمات الحُبّ، والرحمة، والمغفرة، والفرح، والإعجاب. لذا جاء الصليب المشرقي في كنائسنا من دون جسد المسيح كما في القبر الفارغ ليُشير الى حالة القيامة. كل شيء يتجه نحو القائم الممجد الحيّ الذي يُعطي المؤمنين الذين يعيشون ظروفًا قاسيّة رجاءً وتأكيدًا، وإنْ هم اتحدوا به سيرفعهم اليه هو اللامائت لتكون حياته فيهم. هذا التلاقي يَمنحهم أملا كبيرا وشجاعة. حياتنا انتقال (سرُّ الفصح) مضنٍ، خسارة وربح، لكنه يؤدي في النهاية الى حياة جديدة!
3. الرحمة تحتل مساحةً واسعةً في الليتورجيا المشرقية، انها تستعمل مزامير الرحمة والمناجاة كثيرًا ومتأثرة بها، يقينًا ان الرحمة تخلق تغييرًا إيجابيًّا في ذات الخاطئ. انها تُعطيه جًرعةً من الثقة وتساعدُه على المصالحة مع الله ومع أخوته والمجتمع والكون. وفي العربية كلمة الرحمة تعود الى نفس جذر ” الرحم” أي الام التي تستقبل الجنين في احشائها ويلتصق بها، هكذا الله يستقبلنا نحن أولاده، ويضمّنا اليه بمحبةٍ ودفء. أما يدعوه اخوتُنا المسلمون الرحمن الرحيم ونحن المسيحيين ” الله محبة“؟ أما يدعونا الانجيل قائلاً: “كونوا رُحَماءَ كما أَنَّ أَباكُم رَحيم” (لوقا 6-36).
4. يقول إسحق النينوي، أحد روحانيينا الكبار (القرن السابع الميلادي):”لا يليق بالله الذي هو محبَّة ان يُرسل خاطئا فقيرًا الى جهنم. هذا الموقف لا يتلاءم مع رحمته. الخطايا أفعال وليست الجوهر… لتتأرجح كفّة الرحمة في كل حياتك حتى تحسّ بالرحمة التي يحملها الله للعالم”. كذلك شمعون ده طيبوثيه (القرن السابع) يقول: “تُعلمنا الخبرة أنه حين تعمل النعمة فينا، يفيض نور محبة إخوتنا في قلوبنا وينتشر بحيث لا نرى خطاياهم “. ونرساي (القرن الخامس) ” رحمة الله ومحبته لا تقاسان بخطيئة الإنسان”. كما أن فكرة ” شيول- ” المترجمة بـ “المطهر”، هو في الواقع مكانٌ للرحمة – للتطهير!.

الرحمة كالحبّ لا تَعرف حدودًا. والحبُّ لا يُخطئ ابداً. والله المحبة والرحمة يحنّ علينا وينحني ويمشي معنا. لنتأمل في مثل الاب الحنون والابن الضالّ (انجيل لوقا فصل 15)، كيف ينتظرنا ويشتاق الينا:” الرَّبُّ رؤوفٌ، رَحيم، طَويلُ الأَناة، كَثيرُ الرَّحمَة. كما يَرأَفُ الأَبُ ببَنيه يَرأَفُ الرَّبُّ بِمَن يَتَّقونَه” (مزمور 103: 8-13). هذا هو الهنا!
 
السنة المقدسة للرحمة

5. السنة المقدسة للرحمة، سنةُ اليوبيل التي أعلنها البابا فرنسيس زمن قويّ لنا كأساقفة (الاسقف في التقليد السرياني يدعىأي حامل الغفران)، وكهنة لممارسة الرحمة في راعويّتنا على نحو صحيح. هذه فرصة لنا كرعاة وخدّام، للتوبة والاهتداء وممارسة الرحمة على وجه الخصوص مع البعيدين “عن الكنيسة” كما فعل المسيح الراعي الصالح الذي لم يرفض أبدا استقبال أي خاطئ! علينا أن نحافظ في قلوبنا حيّةً نعمةَ الرحمة، وان نكلّم الناس عن الله الرحوم بلغة مناسبة، واضحة غير غامضة، وان نعلن الإنجيل بطريقة جديدة أصيلة بثقة وحماسة كما يفعل البابا فرانسيس، وقد طلب منا اثناء السينودس من اجل العائلة ان نستعمل كلمات جميلة ولطيفة بعيدًا عن التعالي مثل: من فضلك، عفوا، عن اذنك، شكرا…
6 . تبدأ وثيقة سنة الرحمة بهذه العبارة: ” ان يسوع المسيح هو وجه رحمة الله الآب، بها يجد سرّ الإيمان المسيحي معناه “. الرحمة ليست كلمة مجردة، بل وجه حقيقي نكتشفه ونتعرف عليه ونتأمله ونخدمه. ان أعمال الرحمة امام مأساة الفقر والظلم المهيمنة على عالمنا اليوم، تدفعنا أكثر فأكثر للدخول الى قلب الإنجيل، حيث الفقراء هم أصحاب الامتياز من رحمة الله. ينبغي للكنيسة أن تكون صوت كل رجل وكل امرأة في رفع هذا التضرع: “يا رَبِّ اْذكُرْ حَنانَكَ ومَراحِمَكَ فإِنَّها قائِمةٌ مُنذُ أَزَلك.” (مز 25-ز6).
7. علينا ان نفهم بشكل أفضل الواقع الذي نعيشه على ضوء الروح وليس بطريقة آلية وقانونية. لنتعمق في قول يسوع: السَّبْت من اجل الانسان،” أُريدُ الرَّحمَةَ لا الذَّبيحة”(متى 12-7). ولنبحث عن الروح ولنستوعب معنى الاحداث التي نعيشها كما فعلت العذراء مريم” وكانَت مَريمُ تَحفَظُ جَميعَ هذهِ الأُمور، وتَتَأَمَّلُها في قَلبِها” (لوقا 2-19). كم نحتاج الى تخصيص وقت للصمت والصلاة والتأمل والاصغاء والحوار لإعطاء الأمل للشباب، وفتح المستقبل أمامهم، ومساعدة كبار السن والفقراء والمرضى والمضطهدين، والأشخاص الذين يعانون من الوحدانية، وذوي الحاجات الخاصة والشعور بمعاناتهم والتخفيف عن آلامهم.

 الرحمة في معاناتنا الحالية

8. بالنسبة لنا نحن مسيحيي العراق، الاستشهاد هو موهبة كنيستنا. وكأقلية ندرك تماماً بأن عيش مبادئنا المسيحية والشهادة لها بأمانة والصمود امام التحديات التي تواجهنا من كلّ صوب، يتطلب منّا تضحيات جمّة قد تقود الى الاستشهاد كما فعل شهداؤنا الأوائل والحاليون كالمطران بولس فرج والاباء: رغيد وبولس وثائر ووسيم ويوسف ومؤمنون عاديون. للإيمان والشهادة باللغة العربية نفس الجذر “شاهد وشهيد”. الإيمان قناعة باطنية حميمية، انه DNA من وجودنا. الإيمان ليس أيديولوجية أو نظرية لاهوتية، بل لقاءٌ شخصيٌّ مع المسيح الذي يَعرفنا ويُحبّنا. ومن اجله نترك كل شيء كما فعل مسيحيّو الموصل وبلدات سهل نينوى في 2014، تضحياتهم لا تقّدر بثمن، انهم موضع افتخارنا ورفعة رأسنا. اننا نعطي المسيح أنفسنا تمامًا، ومن اجله نذهب الى أبعد… هذا يتطلب منا التحلي باستعداد داخلي عميق من الايمان والثقة والرجاء.
 9. نحن لا نريد ترك بيوتنا وبلداتنا وبلدنا وافراغه من الوجود المسيحي التاريخـي (ألفا عام). العراق هويّتنا، ودعوتنا فيه ان نشهد لفرح الإنجيل مهما كلفنا الامر. ومثل إبراهيم ابينا وابن هذه الأرض وكان للجميع ويأمل ضد الأمل، هكذا نحن ايضًا كبطريرك وأساقفة وكهنة نحن في خدمة الجميع مسيحيين ومسلمين ويزيدين وصابئة. هذه رسالتنا، وطابعها الزاميّ ومطلق. وفي الظروف الصعبة التي يمرّ بها بلدنا والمنطقة، علينا ان ننتبه أكثر الى اخوتنا المتألمين والمهجّرين والمهاجرين، والفقير واليتيم والارملة، وان نلتزمهم، ونقف بقوة الى جانبهم ومرافقتهم ومساعدتهم بكلّ ما عندنا من طاقة ومال، وملء قلوبهم بعلامات الامل والرجاء. ما أجملنا حين نعطي ونقسم بفرح ما لنا مع الاخرين. انها شهادة ليسوع! كما ما أحلانا حين نتكاتف مع اخوتنا المسلمين والمواطنين الاخرين، ونتضامن معهم ونتعاون ونجعل آلامنا المشتركة قوة دافعة لعبور ” العاصفة”.

اخواتي، اخوتي
10. لتكن الرحمة اذاً الطريقة التي بها يكون الله ويسوع حاضرين في عالمنا وليكن بابها مفتوحًا دائمًا ابداً: “طوبى لِلرُّحَماء، فإِنَّهم يُرْحَمون” (متى 5-7). هذا إنجيلنا!

نشاطات للسنة المقدسة
* بالنسبة الى ابرشية بغداد، فتح الباب المقدس لكاتدرائية ام الاحزان مساء السبت 19/12/2015 وقد تم تجديدها، ويقام فيها قداس نهاية كلّ شهر مع اعترافات.اما الكنائس الأربع فهي كنيسة مار يوسف كنيسة الانتقال، كنيسة الصعود ومار كوركيس.
* تنظيم محاضرات عن الرحمة ومعانيها واهمية السنة المقدسة وإصدار كراسات بذلك.
*تنظيم لقاءات صلاة، وساعات السجود، وقراءة بيبلية تأملية في الخورنات والديورة، ورتب توبة خاصة، وتلاوة سبحة الوردية ورتبة درب الصليب بطريقة متأنية، بالتعاون مع المجلس الراعوي وجماعات الخدمة.
* تنظيم زيارة حج الى الكنائس الرئيسية والديورة وحبذا ان تنظم زيارة حج الى اور الكلدانيين.
* تنظيم زيارات لمخيمات اللاجئين وتقديم العون لهم كلٌّ في محيطه.
* تنظيم زيارة للكهنة الى روما – إيطاليا للانضمام الى كهنة العالم الكاثوليكي على طلب البابا فرنسيس في 1-3 حزيران لسماع عظة البابا ونيل بركته الرسولية.
* كل أسقف عليه ان يُوجه رسالة راعوية الى بنات ابرشيته وأبنائها كما طلب السينودس الكلداني المنعقد في 25-29 تشرين أول الماضي، كل بحسب واقع ابرشيته للتصالح والمغفرة ولمّ الشمل وتفعيل أعمال الرحمة.

صلاة البابا فرنسيس من اجل يوبيل الرحمة

“يا ربنا يسوع المسيح،
أنت من علّمتنا أن نكون رحماء مثل الآب السماوي
وقلت لنا بأنّ من رآك، رأى الآب.
اكشف لنا عن وجهك وسنخلص.
إنّ نظرتك المفعمة بالمحبة حررت زكا ومتى من عبادة المال،
المرأة الزانية ومريم المجدلية من البحث عن السعادة من خلال المخلوقات الوحيدة؛
أنت جعلت بطرس يبكي نكرانه لك،
ووعدت اللص التائب بالفردوس.
ساعد كل واحد منا لكي يصغي الى هذه العبارة التي قلتها للسامرية وكأنك توجّهها إلينا”
لو كنتِ تعلمين عطية الله!
أنت الوجه الجليّ للآب المحجوب،
لله الذي أظهر كل قدرته من خلال الغفران والرحمة:
ساعد الكنيسة لكي تكون وجهك الجليّ في العالم، أنت ربها القائم الممجّد.
أردت أن يلبس خدّامك الضعف
لكي يبدوا رحمة حقيقية تجاه كل من هم في الجهل والخطيئة:
إجعل كل شخص يلتقيهم أن يشعر بأنه منتظر ومحبوب ومسامَح من الله.
أرسل روحك وكرّسنا بمسحته
حتى يكون يوبيل الرحمة سنة نعمة من عند الرب،
وبحماس متجدد، أن تعلن كنيستك للفقراء البشرى السارة
وللأسرى والمضطهدين الحرية
والعميان أن يروا من جديد.
نحن نسألك بشفاعة مريم، أم الرحمة،
أنت الساكن والمالك مع الآب والروح القدس إلى أبد الآبدين. آمين”.

 

 

بغداد 10 تشرين الثاني 2015

عن Yousif

شاهد أيضاً

بائع كعكة السميد

بائع كعكة السميد المطران د. يوسف توما صعد بائع كعكة السميد ومعه صينية فارغة إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *