استجابة لمقترح سابق لغبطة بطريرك الكلدان: شهادة عن الادارة المالية للخورنات اللاتينية
الاب نويل فرمان السناطي
تقديم يتوخى خفة الظل
بادئ ذي بدء، أستهل بمقدمة صحافية اتوخاها خفيفة الظل، لتنعش ما يليها من اجواء لفقرات حسابية وماليه لم آلفها في مقال من قبل! فأود ان اعبر عن انبهاري، بسرعة التواصل، التي احدثتها الوسائل التكنولوجية والمعلوماتية الحديثة. ولا أخفي أني ابن جيل فتح عينيه على المراسلة والطوابع البريدية، طوال عقود؛ وكان انتظار الاجابة يستغرق أياما وأسابيع وأحيانا أشهر؛ واذا بنا نتحول، في الاقل، منذ التسعينيات، الى مراسلات متبادلة بشكل شبه فوري. على أنه في تلك الحقبة ولعدة سنوات، لم يكن من السهل مخاطبة شخصية كشخصية مطران، خصوصا في الطلبات الرسمية. فوجدتني، يوما، طرفا في حالة تنقلت فيها بين طريقتين: اتلقى بالبريد الالكتروني في بغداد من الخارج رسالة من صديق راغب في الكهنوت وتعتلج الدعوة في أعماقه، كان يوجهها الى مراجع كنسية، فأقوم بطباعتها وأضعها في الغلاف واذهب بها الى تلك الادارة الكنسية... ومرت الايام وكنت ببساطة أتساءل، هل لي ان اكتب رسالة ايميل الى مطران؟ ماذا لو أجرب. فجربت فكانت من أطيب تلك المراسلات مع الزميل الاكبر في التلمذة وفي الاعلام، اسقفا، ثم بطريركا.
الان صارت المراسلة الالكترونية، جميلة وباهرة لمن عاشوا مرحلة ما قبلها عندما تلتمع اعينهم بالمقارنة العجيبة. أما المراسلة مع الاساقفة، ومع البطريرك، بالايميل او على رسائل الفيسبوك، فقد اصبحت تشفي الغليل، لهائم في الرمضاء بدون ماء.
لا بل اصبحنا افراد في مجموعة ايميلات بين كهنة واساقفة وكتاب وشمامسة. واذكر مفارقة استظرفتها في حينها، في احدى تلك المراسلات الالكترونية. فكان ثمة تداول لتعزية برحيل كاهن او شخص قريب، فأجاب احد المعنيين بالتعزية في سلكنا الاكليريكي، مذيلا الشكر الى المعزين بعبارة: راجين ان يبعد الله عنكم اي مكروه. فكنت امني النفس ان أعلق، لكن الانشغال منعني من المشاكسة الاخوية البريئة، لأجيب ذلك الدعاء (أن يبعد عنكم الله اي مكروه) بالبيت الذي يرادفه في الاجابة: (إنه سميع مجيب).
أولى لبنات هذا المقال
وبعد، فقد بدأت أولى لبنات هذا المقال، في مراسلة الكترونية مع بطريركنا مار لويس ساكو، عندما كان غبطته رئيس اساقفة كركوك. وكان طرحي وقتذاك بشأن ما يمكن التطلع نحوه عن الأبرشيات التي تنشأ في الخارج، ومدى تفاعلها مع السياقات العامة للأبرشيات الكاثوليكية المجاورة لها، وتناغم ذلك مع انشطتها الرسولية، كما مع الانظمة المالية ذات الصلة. وكنت نوهت في الطرح كأخ اصغر للراعي السابق لأبرشية كركوك، إن كان ثمة حاجة أن تقوم يوما ضوابط تسري على خورناتنا وتكون متناغمة مع الخط العام للكنيسة الجامعة. فاقترح مار لويس ما نصه في الشأن المالي: حبذا لو تنور القرّاء بما هو موجود في الكنيسة اللاتينية، ويمكن ان يكون على هيئة شهادة.
الاستجابة المؤجلة للمقترح الأبوي
هذا المقترح الأبوي، بقي في داخلي، لكن مشروع الكتابة عنه بقي مؤجلا تحاشيا لأن يكون ذلك، في تلك الآونة، مجرد فقاعة عابرة في بحر متلاطم، أمام افق غامض. وبقيت أعتقد أن الكتابة في هذا الموقع المنتشر على مستوى كنائسنا الشرق اوسطية، لتسليط الضوء على خبرات ابرشيات الكنيسة الجامعة، قد يفيد الابرشيات في الكنائس المتحدة بها عموما، حيثما تستجد فائدة، دونما تشخيص حالة محددة في هذه الكنيسة او تلك. ولا غرو ان في ابرشياتنا الكلدانية، من الخبرات الرائدة في هذه المضمار، ما يمكن الافادة منه، سواء ما قرأته عن مار لويس، في مقالاته ذات الصلة، منذ كان راعيا لخورنة ام المعونة، ثم مطرانا لكركوك. وثمة ايضا خبرة رائدة أخرى، سنح لي ان اطلع عليها عن كثب مع ابرشية حلب للكلدان في سوريا برعاية مار انطوان أودو، مطران الكلدان في حلب وسوريا. وهذا بالطبع بدون الانتقاص من خبرات الابرشيات الكلدانية الاخرى في محيط الكرسي البطريركي وخارجه، لكني لا اعرفها بدقة، ولا بد وانها متناغمة بشكل وبآخر مع مناقبية التعامل باتجاه الانظمة والسياقات المالية القائمة.
الادارة بحكمة وشفافية
نستبشر خيرا ونحن نستقبل هذا السرب المبارك الأساقفة المنضم الى المجمع المقدس لأساقفتنا الكلدان، ممن كانت لهم في الرهبانيات، ومع الخورنات الكلدانية واللاتينية، خبرات لا بد وأنها ستعزز الخدمة المالية في أبرشياتنا. فعندما وقعت عيناي على كلمة شفافية (اعد ان ادبر بحكمة وشفافية، وبموجب القوانين المقدسة، اموال الكنيسة) هذه الكلمة التي جاءت في صيغة اعلان الطاعة التي قرأها السادة الاساقفة المرتسمون، احسست بالخطاب المعاصر لهذه الصيغة واهمية الفقرة التي تناولتها في العهد الذي يقطعه الاسقف على نفسه. وأكاد أجزم ان كلمة الشفافية، جاءت ضمن صياغة حديثة جدا!
ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الشفافية تتعلق بسياقات سبق وأوصت بها البطريركية، بشأن تحرير الكاهن والاسقف لوصيته، وبما يساعد على التمييز، فيما بعد، بين الملكية الشخصية وما يعود الى الكنيسة بشكل واضح. وهذا كان اقتراحًا سبق وأن عبر عنه احد كهنتنا في التسعينيات، اصبح فيما بعد مونسنيور، وذكره في جلسة خاصة، تحاشيت ذكر اسمه، فلعله نسى المقترح... ويحرجني! ويدعم هذا المقترح ما ينبغي من تحوّط لحدوث الغموض والارتباك بين مقتنيات الراعي الميراثية وبين الحقوق المالية للرعية.
ابرشيات غير معصومة، لكن القوانين جاءت للحماية والمساءلة
اذا تطرقنا الى خبرات ابرشيات الكنيسة الجامعة، فهذا لا يعني تبرئة العاملين فيها بشكل مطلق. لكن القوانين المالية فيها، تقوم على حماية المتعاملين في هذا المضمار، وكذلك يكون تجاوزها سببا للمساءلة القانونية على مستوى البلاد، حالهم حال المتجاوز في أي مؤسسة منتظمة أخرى علمانية أو غيرها. وقد سمعنا، منذ سنوات، أن تجاوزات تحصل في أبرشيات هنا او هناك، كما في مؤسسات علمانية، وعندما ترصد، تخضع للمساءلة القانونية بحسب الأنظمة السائدة، سواء في اوربا أو غيرها، وقد عرفنا حالات من التجاوز أصدت لها الصحافة العالمية.
وهذا ايضا ليس لتأشير خلل معين في ابرشياتنا، ففيها السياقات الحسابية التي تتبعها. كما نعيش في عهد بطريركي، بدأ، منذ أول أسبوع، بوضع الاصبع على الجرح، بكل شجاعة، بشأن أي خلل إداري، مما يطمئن على ان المؤشرات ماضية قدما نحو الاحسن.
من ضوابط ما بعد المجمع الفاتيكاني الثاني:
التنقلات الدورية: كاهن للابد، في كنيسة المسيح، ولكن ليس في الخورنة ذاتها
تعتمد ضوابط الأبرشيات اللاتينية مبدأ أن الخورنات قلما ترتبط بكاهن راعيا لها حتى التقاعد او الوفاة. بل هناك سياقات لتنقلات كهنة الابرشية، من خورنة إلى أخرى، كل اربع او ست سنوات. وقد لا يسري ذلك بانتظام على الخورنات ذات الخصوصية اللغوية عندما لا يتوفر اكثر من كاهن كبديل لآخر في خورنة بلغة الاقلية في البلاد، كالإسبانية والفرنسية والالمانية، في بلاد ناطقة بالإنكليزية، على سبيل المثال. ولكن حتى في هذا المجال، لم يتردد اسقف مدينة كالغري الكندية، من دمج خورنة تقدس بالإسبانية بخورنة ايطالية، ترعاها رهبانية متعددة اللغات، ونقل كاهن الخورنة الاسبانية، (يتكلم الانكليزية ايضا) الى خورنة بعيدة تقدس بالإنكليزية؛ وبالدليل، أنهم طلبوا من الفقير الى رحمة ربه، أن يمارس إسبانيته الهزيلة، في التقديس للفترة الانتقالية، لتلك الجماعة في خورنة أمنا العذراء سيدة غوادلوبي.
السياقات المالية
المعادلة بين امكانية قيام خورنة، وبين اعطاء خدمات مجانية مع عيش كريم للكهنة
ضوابط تحمي الخدمة الكهنوتية وتخدم الرسالة الانجيلية
وما نجده من ضوابط، في تلك الكنائس، تجعل الكاهن يعيش بكرامة، ويتفرغ للخدمة الراعوية؛ كما لا تشغله تجربة الثراء، لو كانت معيشته مرتبطة على الخدمات والحصول على المركز الذي يوفر له المزيد من الخدمات المربحة، فلا يفترض به ان يطلب الثراء من خلال عمله. وكل هذا لا يجعل الكاهن يسترزق بعدد البوراخات التي تحدث في خورنات الابرشية؛ ولا يتطلع الى الدعوات للمشاركة فيها في الخورنات الاخرى، مقابل مكافأة.
لا تتوفر لدي المعلومات بأي شيء كان الحال مختلفًا، في الكنائس اللاتينية، مع الاجيال الكهنوتية السابقة. واذا كانت السياقات على غير ما هي عليه، أي بدون هذه التسهيلات المعاشية له، فلا بد ان الفقر في ذلك الزمان، كان يجمع بين الكاهن والرعية، وبما لا يجعل حياته منقسمة بين هموم اللقمة، وبين اعطاء الخبر الروحي. وان السياقات الحالية هي ايضا، بطريقة معاصرة، تعكس جانبا من القناعة والفقر الروحي بعيدا عن التطلع في الثراء، الذي يمكن اي يستشري في كهنة الخورنات الضخمة. مثال على ذلك، قد يقول كاهن قديم ينقل الى خورنة صغيرة: هل انا بعد كل هذه الخدمة اذهب الى خورنة صغيرة.
سياقات مالية تسري على الخورنات سواسية، كبيرة وصغيرة
هكذا ان السياقات المالية ذاتها، تسري على هذه الخورنات سواء كانت صغيرة او كبيرة، بحيث لا يتهافت عليها الكاهن لدسامة حجمها، ولا يبتعد عنها لصغرها. إذ تنتظم فيها ضوابط الخدمات بالشكل الاتي:
نيات القداديس
لا يوجد وارد متضخم لصالح الكاهن، ناتج عن نيات القداديس بالجملة، مهما كان حجم الخورنة: فإن نيات القداديس، تدخل ضمن الايراد الخاضع للضربة، وتوزع كل نية بمفردها، على أيام الاسبوع عدا يوم الاحد، فلا تأتي النيات، بالجملة ليوم الأحد دون غيره من الأيام. لا بل في قداس الاحد لا تعلن النيات بالأسماء، اذ يُعدّ القداس مقدما على نية كل مؤمني الخورنة. وما عدا أيام الآحاد والأعياد –المأمور بها- توزع نيات القداديس على التقويم الشهري لأيام الاسبوع؛ يقدس الكاهن عن هذه النيات، في قداسه اليومي، سواء بحضور اصحاب النية أو غيابهم، بعد أن تعلن في لوحة أو نشرة. وما فاض عن هذه النيات، في الجدولة لما اكثر من الشهرين او الثلاثة اشهر، فهي تجمع وتحول الى المطرانية، وبدورها وبمعرفتها، تمنحها الى الكهنة المتقاعدين، او ترسلها مركزيا لخورنات العالم الثالث. وتعتبر الابرشيات اللاتينية ان هذه فقرة عادلة وحكيمة إذ تحدّ من الإقبال في الخدمة، على خورنة كبيرة بعدد المؤمنين، دون الأصغر منها.
الخدمات الكنسية الاخرى
ولكن هذا الاجراء ليس الوحيد. فتنظيم سياقات للخدمات الكنيسة الأخرى، هو الآخر يحمي الكاهن من جدلية تجربة، حذر منها الرب، بألا يتبع المؤمن ربين، الله والمال، وتنظم هذه الخدمات كالاتي:
العماذات: يتم الاعداد لها، مقابل تكاليف ادارية تجيـّر للخورنة، لتغطية نفقات السكرتارية وإعداد الشهادات واجراءات التسجيل، ولا ينتظر من المؤمنين، في العماذ غير ذلك.
خدمات الجناز وخدمات سر الزواج: فيما يخص الابرشيات اللاتينية الكندية، وما معروف عن ابرشية كالغري، تقرر الأبرشية، أن يستقطع مبلغ يجير للخورنة وكالتالي:
مائة دولار، لما يسمى هورار التشييع (Funeral stole)
مائتا دينار، لما يسمى هورار اكليل الزواج (Marriage stole)
تحال هذه المبالغ الى حسابات الخورنة، ويستقطع منها المحاسب، نسبة عشرة بالمائة للكاهن، تعطى له في نهاية الشهر. اي عشرة دولارات للجناز، وعشرين دولار لإكليل الزواج. وهذه النسبة المتواضعة، مهما تعددت الزواجات والوفيات، لا تؤدي الى ثراء غير طبيعي للكاهن، من وراء خدمات الأسرار.
مع الملاحظة أنه فيما يخص دورة المخطوبين المقبلين على الزواج، والتي تقام في أحد مراكز الابرشية اللاتينية، يدفع المشتركون، مبلغ 189 دولار، تتضمن الكتب والمحاضرات والتكاليف اللوجستية.
مثل هذه السياقات، تجد صداها في بيان للبطريركية الكلدانية مؤخرا، يقضي بمجانية خدمات الأسرار، في كنيسة يقدم فيها المؤمنون ما يستطيعون من عطاءات الزكاة.
وهكذا، بعدم بقاء الكاهن في ابرشية كبيرة مدى العمر، وبعدم التعامل التجاري الشخصي مع نيات القداديس بالجملة لصالحه ولسائر الخدمات الاخرى للأسرار، تقلل فرص تحوّل الكاهن إلى تاجر جملة في سوق مرموق؛ كما لا تجعل الخورنة تتحول الى واحدة من الشركات المتعددة الجنسية، تستقطب الثراء، على حساب الرسالة الانجيلية، ومن عرق الفقراء وكدّهم.
خدمة المرضى
لا يتقاضى الكاهن في زيارة المرضى، بطريقة المضمد او الموظف الصحي الذي يعالج مريضا ما بزيارة خاصة. ففي كل مستشفى، يوجد قسم للرعاية الروحية لكهنة منسبين من الابرشية لهذا الغرض، وخاضعين للاستدعاء بالجهاز مثل الأطباء في الحالات الطارئة. أما إذا كان المريض من أحد أعضاء الخورنة، فيزوره الكاهن ليس كحالة طارئة، بل بحسب الوقت المتفق عليه.
رواتب الكهنة: عيش كريم غير مرتبط بحجم خدمات الاسرار فهي المجانية
الراتب: تنطلق خدمة الكاهن، ضمن سلم الرواتب المقرة، وبما يحتسب الاستقطاعات اللازمة لأغراض التقاعد والعجز والإجازات المرضية والضرائب، ومن ثم يأتيه راتب مجزٍ ومناسب، يزداد سنويًا بنسبة اثنين ونصف بالمائة. وتسعى الابرشية، الى توفير مكان تقاعد مناسب له، عند بلوغه سن التقاعد.
المخصصات:
مخصصات التبضع: وهي مبلغ جزئي يدعم راتبه، وبما يوفر له حدًا أدنى من تكاليف الطعام يدعم راتبه، ويساعده لتناول الطعام مع الكهنة. وكذلك، لديه هامش مبلغ بسقف مالي سنوي، يتيح له ان يقدم ما يسمى قوائم ضيافة، عندما يدعو احدا الى طعام. ويحدد السقف المالي السنوي، لمساعدة أن يتصرف الكاهن باتزان في هذا المضمار.
دعم العلاج: الحالات المرضية والمراجعات الطبية، يتم تغطيتها لعموم المواطنين، وتعامل بما هو مناسب، من قبل الابرشية، عدا الحالتين أدناه:
الاسنان: يتقاضى الكاهن، في مجال التأمين بشأن علاج الاسنان بنسبة 60 بالمائة، الى سقف سنوي محدد في المبلغ، لا يصرف شيء من بعده. هذا الدعم يقتصر على الاجراءات العلاجية: كالقلع والحشو وما الى ذلك، باستثناء الاجراءات التجميلية وما يخص عمليات تحسين الابتسامة.
العيون: لكون الكاهن بحاجة مطلقة إلى عينيه، فيصرف له العلاج بنسبة المائة في المائة، على مدى ما يرافق النور بصره. وتصرف للنظارات نسبة 70 بالمائة.
كل هذا يوحي بأن الابرشيات، تأخذ بعين الاعتبار، مستوى علاج الكاهن، مقارنة بالنظام المحلي السائد وعلى وفق غلاء المعيشة.
مخصصات التنقل
عند تنقل الكاهن، للخدمات في زيارات لاماكن بعيدة، لا يضع في جيبه المؤمنون المخدمون بعض النقود لما قد يفهم منه ضمن مصطلح: حق البانزينات؛ فله ان يقدم جردا شهريا، بالكيلومترات التي قطعتها سيارته، لهذه الخدمات او الرياضات الروحية، اللقاءات الدراسية، فيتقاضى نسبة محسوبة، لتكاليف الوقود واندثار معين للسيارة.
ولكن كيف يتصرف الكاهن في بدء تعيينه، عندما لا تكون لديه سيارة. لقد فكرت الابرشية في ذلك، فهي تعطيه، لمرة أولى ووحيدة، قرضا وافيا، بدون فوائد، بالتقسيط المريح، لشراء سيارة؛ وتبقى السيارة مقيدة لدى شركة التأمين، باسم الابرشية لما يخص حالات الحوادث والتعويض، حتى يسدد الكاهن آخر سنت من القرض المريح. أما القرض فيغطي سيارة من نوع مناسب. ولعل قدوم الحبر الاعظم مار فرنسيس بابا الفقراء، ومثاله الابوي والشخصي في هذا المجال، وما يوصيه في مجال الانفاق، من شأنه ان يحث الكهنة بألا يفتشوا عن السيارات الفارهة الفاقعة.
السكن: يوفر للكاهن السكن المناسب، وبما يتضمن السكن من خدمات ومصاريف، من كهرباء وتدفئة وهاتف ارضي. أما الهاتف الخلوي فيمكن للكاهن ان يشتريه بحسابه الخاص، وتدفع له الخورنة ، مقدارا مقبولا من المصاريف الشهرية، عدا المكالمات الدولية وعبر البحار.
ضوابط قيام خورنة او اغلاقها او دمجها
يعتمد قيام خورنة وبناء كنيسة، على عدد كاف من المؤمنين. فتعتمد الخورنة، على ما يبادر المؤمنون لتقديمه، كعطاءات سنوية واسبوعية، خاضعة للإعفاء الضرائبي، وتتعامل مع سخاء المؤمنين، لما يخص النفقات العمرانية والصيانة وما الى ذلك من احتياجات، تخصص لهذا المضمار او ذاك مع تأمين عيش كريم للكاهن. أما الخورنة التي تتناقص فيها امكانية ادامة المتطلبات اللوجستية، وخدمات الصيانة، من خلال عطايا مؤمنيها، وان هؤلاء المؤمنين هم في اختفاء سواء من الناحية العمرية، او الناحية الجغرافية وموقع الكنيسة، ويكون التعامل مع الحجم والعدد بشكل مدروس احصائيا، وحسب موقع الكنيسة واستيعابها، فإن هذه الكنيسة تغلق وتدمج مع خورنة أخرى. واحيانا يباع المبنى، لجهة كنسية اخرى، تستطيع الاضطلاع بنفقات صيانته، سواء بسعر السوق، او بسعر دولار واحد، أي بسعر رمزي.
كنائس لا تبنى على اكتاف المعوزين
وكما توجد ضوابط لغلق الكنائس، فان ثمة ضوابط لتوسيعها، ليس بعرق الفقراء وعلى اكتاف المعوزين، بل باحتساب احصائي لاخر ثلاث سنوات من ايراد العطاءات، وبما يجعلها تستحق قرضا مصرفيا أو أبرشيا مناسبا لهذا الغرض، تتدخل الابرشية لتنظيمه. ولا تقوم ضوابط الأبرشية، بمجرد تقديم خدمات الاسرار لمؤمنيها، بل يحتسب السقف المالي لإيرادها السنوي، بما يجعلها في موقع المسؤولية، من خدمة الفقراء ضمن برنامج غذائي وايوائي تديره الابرشية، ويجعلها أيضا، تسهم في دعم الاراضي المقدسة، ودعم الارساليات في البلدان الفقيرة، ولها برنامج إعانة لما يطرأ من حاجات مساعدات دولية، كما حدث مع هاييتي والفيلبين واليابان.
لا تثقل الكنيسة مهما كان موقعها، ومهما كانت فخامة بنائها، كاهل المتزوجين الجدد وعموم المؤمنين، بتسعير خدماتها على اساس وجاهة موقعها، ولا تسعر خدماتها بحسب السوق. ولكن الكنائس الكبرى، تبنى لاستقطاب اكبر عدد متوقع للمؤمنين في تلك المنطقة، متبعة المناقبية المالية ذاتها مع اي خورنة أخرى، ومعتمدة رسالة إعانة الفقراء ونجدة الطوارئ. واذا استجدت حاجة إلى التبرعات، توضع ظروف لهذا الغرض امام أماكن الجلوس، ويشار إلى ذلك في النشرة او في الموقع الالكتروني.
بهذا السياق، وباعتماد الرسالة الانجيلية، اساسا للمشاريع الخيرية، لا تتحول هذه الكنائس الى شركات متعددة الجنسية، ولا يصرف الكهنة وقت مواعظهم بالحديث عن جمع التبرعات والإسهاب في شرح المشاريع العمرانية، فلا تقرف أسماع المؤمنين بهذه الاحاديث المتكررة، مما أوحته مقولة: كثيرون من الذين خارج الكنيسة، اصبحوا كذلك بسبب الذين في داخلها...
مثل هذه الاجراءات، من شأنها أن تحول دون التهافت على الكعكة الأكبر والتشبث بها؛ كما تحول دون ان ينقلب الاكليروس الى اباطرة أموال، من خلال ما يجمعونه من خدمات الرعيات الكبيرة، في القداديس والبوراخات والعماذات والجنازات، وحالت دون أن يبدو الاكليروس في كنائس المسيح، كعنصر تشكيك للمؤمنين، من خلال ما يظهر عليهم وعلى ما حواليهم وعلى تنقلاتهم واسفارهم، من ثراء فاحش. فحاشى لهم ان يناقضوا قول المسيح بألا يجعلوا بيت أبيه بيت تجارة. واذا لم يكن ثمة، من سوط ليسوع يخرج التجار من الهيكل، فإنه عند التجاوز على ما مرسوم من انظمة مالية، يأتي، بعد الضمير، سوط القانون، في هذه البلدان، ليتكلم.
* كاهن الارسالية الكلدانية لخورنة مريم العذراء في مقاطعة البرتا – كندا
وراعي كنيسة سانت فاميي (العائلة المقدسة) الكاثوليكية للكنديين الفرنسيين في مدينة كالغري.



إكتب تعليق